|   

النسخة: الورقية - دولي

تقاتل حسابات التحريض وتقدم نفسها بوصفها مساحة قادرة على الإغواء والإغراء وجذب الصغار وضعاف الأنفس ومشاغبة الحس العاطفي لديهم لتقودهم كالقطيع إلى حيث يلتقي التكفيريون والمتطرفون والناقمون على الحجر والبشر. والنجاحات الأمنية المتلاحقة المتضمنة الكشف المستمر عن الوحول الإرهابية ستساهم في ضبط بعض من هذه الحسابات المجاهدة في بث الكراهية وزعزعة الأمن والتأليب وبذر الشكوك وتفكيك المجتمع وغسل الأدمغة، وأظن أن الطريق لا يزال منهكاً نحو ملاحقة هذه الحسابات الممتلئة بكل سوء وإجرام. التحريض لا يخلق فكرة الجريمة فقط، بل يتجاوزها للإلحاح عليها حتى يقطع على الجاني خط الرجعة ويكتوي بها وبما بعدها، وهو يخاطب فكر الجاني وعقله ويحيله إلى أداة مطيعة تقوى على فعل أي شيء، لكنها لا تعي أي شيء، هناك من يمارس فعل التحريض وهو دارس له، معد لمخططاته، ومحدد للأهداف والأبعاد، راسماً نسب الإنجاز وملامح النجاح، وهؤلاء هم أصحاب التحريض الممنهج والذين كشفتهم الأحداث تباعاً وقدمتهم وسائل التواصل على طبق من فضيحة لكونهم أفاعي شديدة السمية لا تجابَه إلا بمجتمع عاقل يعرف تماماً ما هو السم ومن هي الأفعى.

يبقى المثير واللافت للنظر ارتفاع نسبة ممارسي التحريض اللا ممنهج، ومؤدي دور المراسل أو المتحدث الرسمي باسم كل الأجهزة الأمنية والشرائح الوطنية ومؤسسات الدولة، قلنا عنهم تجاوزاً فطريين وتلقائيين، لكنهم يفعلون دوراً رديئاً وفاضحاً أشبه بمن يجرح وجهه بيده ثم يندم أشد الندم على الجرح وأداته. الدفاع عن الضالين أو المراوغة عن تجريم ما يمارسون أو حتى تبرير جزئية شاذة من مخطط عملهم الكامل تعني الموافقة بالمجمل على الحراك والحركة، ومن يدعي أنه ضدهم وليس معهم ويقف حاجزاً منيعاً من دون أن تتسلل الأفكار المنحرفة للعقول الطازجة فعليه أن يتجاوز حاجز القول والتنظير والتباهي إلى منطقة الفعل والحرص والخوف ومحاسبة الذات على أي معلومة تنشر أو صورة تبعث. مخجل أن نساهم في خزي التحريض بغباء منقطع النظير، ونصنع قنوات مصغرة له في دوائرنا الاجتماعية، ولا يعقل أن يتحول كل مواطن إلى صحافي برتبة صاحب سبق، أو محلل سياسي أو أمني في ثوب محرض أبله صغير.

وكي نتجاوز بعضاً من أزماتنا الفكرية وحالات الاختناق التي تعبث بأرواحنا علينا أن نتساءل على انفراد: من يحيل أفراداً منا إلى مجرد سطحيين عاطفيين باحثين عن الإثارة والتشويه وصناّع للكذب وممتهنين للثرثرة على الجراح؟ والأهم أن ندقق جيداً في هذه التحويلة المنفذة بدقة في طريق التحريض لمصلحة أجندات لا نعرفها طبعاً، لكن بيننا من يعمل لمصلحتها عن جهل وفراغ عقلي ووقتي.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة