|   

النسخة: الورقية - دولي

علمتنا المطارات أن نكون أكثر أناقة وميلاً للصمت. نمرّ على الوجوه بتأمل دقيق ونطالع التفاتاتهم ونعرف أن وراء كل مسافر قصة ما.

هذا التأمل كافٍ للاعتراف بأننا شعوب تحب الحياة وتأنف العزلة وتميل لمصافحة الآخر، لكن بيننا من يحب أن نعيش متناحرين إن حمل أحدنا في يده وردة لزم على من يقابله أن يشعل عود ثقاب. في السفر، نبدو منضبطين للقدر الذي نحلم به خارج المطارات.

شيء ما يلتحف أرواحنا في هذه الأمكنة، لا أميل بالنسبة العالية الى القول إن حبنا للسفر هو ما يجعلنا نبدو بهذا البهاء النسبي الملحوظ، فـهناك من يمر في المطارات وهو محمل بالحزن والوجع والفراق والهمّ والخيبات المتكررة، لم ولن تكون المطارات عبوات أوكسجين دائمة، هي مزيج من المتضادات والنقائض، لكن الشيء الوحيد الجاذب فيها تمددنا في ممراتها بسلوكيات تستحق التقدير وبهدوء مغرٍ، وكأننا نشير الى قدرتنا على إحداث التغيير في مجمل أشيائنا لكننا لا نعرف التغيير إلا حين يحدث أن تذهب بنا اللحظات والأوقات للسماء.

اكتب من ساحة مطار. نصف ساعة ونغادر من جغرافيا الى أخرى، نختلف في الوجهات وحجم حقائب السفر والمشاعر ومؤشرات الضغط والنبض، بينما نتفق في أن الطوابير تحترم والأوقات كذلك وأن ثمة تفاصيل في ورقة سفرك تكون جديرة بأن تكون معها على تطابق تام وإلا كنت في خانة الارتباك والقلق.

الكتابة وأنت على مقربة من سفر تثيرك وتغريك، تمنحك شعوراً مختلفاً في أن خط سيرنا نحو أن نعيش في كنف مجتمع مختلف وسلوك آسر وانضباط مقنع ليس الا رهناً بقوانين صارمة ومساواة في التعاطي مع الوجوه، وأن نؤمن بأن المحطة الأخيرة سنصل إليها جميعاً على رغم الفوارق التي نمارس من خلالها فوقيتنا وصراخنا وشعورنا الدائم بأن الطريق الذي نسلكه لا يجب أن يسلكه غيرنا أو على الأقل لا نرغب في أن يسبقنا إليه أحد.

ليست الظواهر المحيطة بنا في مشوار سفر متفائلة مئة في المئة، لكن، ثمة ملامح تجبرك على التوقف والتأمل والتحليل والتساؤل. هل الخوف من السفر إن آمنّا بتوافر الخوف ومشتقاته كافٍ لارتداء عباءات الهدوء ورسم الابتسامة والانشغال مع الذات والإيثار في بضع خطوات وشيء من السلوكيات؟ صحيح أن المطارات الأنيقة ترسم فينا حباً بالأناقة، والمطارات المنضبطة تعكس فينا التعاطي بذات الانضباط، لكننا عشنا مستويات منخفضة من الأناقة والانضباط ولم نكن نرضى لحظتها ومع هذا التدني إلا الحضور بكتلة من الألق الممكن ورد الفعل الأقل ضجيجاً وإزعاجاً. حربنا الاجتماعية دوماً لا تخرج عن رغبات المسار والممر والنافذة، وحرصنا على أن نبدو بالشكل الجاذب ولو لزمن يسير هو زمن الوصول والمغادرة. حكاياتنا ودوائر خلافاتنا لا تخرج عن فُتات الممر والنافذة.

هناك مساحة كافية لكل الحقائب التي نحملها بغضّ النظر عن محتوياتها. في السماء، ثمة ترتيب متقن للمسارات والممرات والنوافذ ولو من لوازم الأدب ومتطلبات الوضع، فيما تتورم الفوضى على الأرض من حول أي منا يجب أن يكون على الممر ومن الذي يستحق الترزز أمام «نافذة»!!

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة