|   

النسخة: الورقية - دولي

لا تبدو أي ملامح لدى السلطة القطرية للعودة الى تحكيم العقل، بل هي مستمرة في مسرحية ركوب الرأس والاستثمار الظاهر والمستتر في أيديولوجيا التطرف. الأوراق المخجلة المحزنة المبكية، في آن واحد، تتحدث عن أن قطر فرّطت بدم بارد في وحدة أمن مجلس التعاون الخليجي، وسلمت نفسها إلى من وجدها صالحة للخيانة والتآمر وبيع الذمم والتناقضات التي تتجاوز الحدود والوعود.

سلمت نفسها ظناً منها أن الذين وعدوها بكثير من الطموحات والإغراءات سيكونون عند الموعد ساعة المساءلة والمواجهة وتعرية الواقع المختبئ تحت عرى التنظيمات والأعمال الإرهابية. الطريق الوعر الذي تسير فيه الدوحة الآن محاط بما يمكن وصفه بالفضائح التي لم يتوقع متابع متفائل أن ترعاها والدوحة تحضنها، وتمضي برفقتها في مساءات الخبث والتآمر وإنفاق البلايين لتسميم الميدان الخليجي العربي، فيما هي على خطوط المهاتفات الصباحية واللقاءات المكشوفة تؤكد وتعد وتبارك وتصافح، وتقول أنها سند وساعد وطن عربي وخليجي لا يعترف بالتحريض ولا الطائفية، ويواجه الإرهاب بالغالي والنفيس.

لكن كل أحاديث الصباح نسفتها التسجيلات الخائبة والسياسات التخريبية وانكشاف الألعاب التي أفصحت عن أن قطر تدار من الداخل بكائنات لا يهمها إلا أن يستمر ضخ حقائبها بالمال وعقولها بالشعارات والأمنيات، وصناعة جغرافيا صغيرة تكون في عين «الإخوان» غنيمة وفي عين العمائم فريسة.

السقوط القطري وانعدام الثقة بسلطته سقوط مدوٍ، وستجني مراراته السلطة تباعاً وإن كانت ستحتمي بحبيبتها إيران بعضاً من الوقت، وتجند الفريق «الإخواني» المتقطرن أكثر من القطريين أنفسهم كي يصنع جواً مشاكساً بكائياً جالباً الطبول وصغار العقول. ووفق هذا السيناريو المذل يتعذر على الدوحة العودة إلى عقلها في ظل اتساع الشقوق وسقوط الأقنعة وتكشف الملفات والأوراق. ولا خجل في الاعتراف بأن من يفتت مجتمعاً لا بد أن يعاني كثيراً ويذوق شيئاً من المرارات التي حَلم أن تنشأ ويعاني فزع الأورام التي خطط بحماسة لتنمو وتوزع.

من يتحالف مع أعداء إخوته وأشقائه يستحق أن يعيش في موضع المتهم والمغضوب عليه إلا أن يعمل جاهداً على تحسين السلوك والتغيير الجذري المقترن بالأفعال لا الأقوال، فقد سئم الأشقاء الكبار من دكاكين بيع الكلام وجمل التنظير ومناورات التعبير والتذاكي. ولا بوادر في بذل ذرة جهد في هذا الإطار لأن جهاز توجيه السياسة القطرية في أيد غير أمينة.

التهم الخطرة التي تنام في أحضان قطر منذ مساء رفع الغطاء عن الوجه الحقيقي هي تهم لا يمكن أن تترك للنسيان أو تؤجل بذريعة أن هناك ما هو جدير بالبحث والنقاش أكثر منها. هي تهم لم تعد تقبل التحاور ولا طاولات النقاش. ومراسم العزاء في الثقة بقطر كسياسة وهم مشترك أقيمت وانتهت في وقت مبكر وإن كانت التهم لا تزال نازفة. ليس من طريق آمن لقطر إلا أن تستجيب لما من شأنه أن يزيل قلق القطيعة وأبعادها، ولن تستجيب وتعود إلى رشدها إلا إن أدركت أن المال الذي تسكبه بغزارة لن يجدي معها الآن، وأن مواطنها القطري خير من الآتي المتقطرن، وجارها في الدم واللغة خير من النوائح المستأجرة واللغات الخائنة، لن تستجيب إلا إذا أدركت أن أعداءها من الداخل والمتحدثين بالنيابة عنها لم يمرنوا ألسنتهم مطلقاً على نشيدها الوطني، ولا يهمهم سوى أن تعيش الجماعة أو الحزب ويحيا التطرف، ولو على حساب وطن لا يمثلهم في شيء سوى في المنزل الفاخر واستقرار الحساب البنكي، في مقابل التفتيت والتخوين وزرع الخناجر.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available