|   

النسخة: الورقية - دولي

«إنت ما زال ما حكمت وحطيتهم كلهم فرجان ... كان تحكم شنو تدير»؟ ترجمة سريعة لمن أشكلت عليه العامية الليبية: «لم تحكم بعد وجميع الذين عيّنتهم كانوا من قبيلة الفرجان، فماذا يمكن أن تفعل لو حكمت فعلاً»؟ محور الانتقاد هو المشير خليفة حفتر المتهم بمحاباة قبيلته، الفرجان. أما موجّه النقد فهو حمزة التهامي، أحد الأوجه الإعلامية لـ «جماهيرية» العقيد القذافي الذي لا يُعرف عنه أبداً محاباة قبيلته، القذاذفة، وسواء كان هذا الزعم صحيحاً أم لا، فاللافت كان أن من بين من يروّج له حالياً بعض الإسلاميين المرتبطين بجماعة «الإخوان»، ربما لضرب العلاقة المتنامية بين حفتر وأنصار النظام السابق. لكن موقفهم هذا يشير، بلا شك، إلى أن الهوّة ما زالت على اتساعها بينهم وبين «المشير» الذي بدوره لم يخف عداءه للإسلام السياسي، سواء تمثّل بـ «الإخوان» أو «المقاتلة» أو «القاعدة وأخواتها».

لا يُبشّر استمرار الشرخ بين حفتر والإسلاميين بنجاح قريب للجهود الإقليمية والدولية الجارية لوضع حد لانزلاق ليبيا أكثر في مستنقع الفوضى. ونجاح هذه الجهود يتطلب، على أقل تقدير، أن يُخفف «الإخوان» وحفتر من حملاتهما المتبادلة، تمهيداً لإطلاق مسار التسوية من جديد. ولا يختلف اثنان على أن فشل حكومة فايز السراج المنبثقة من اتفاق الصخيرات (عام 2015) مرتبط إلى حد كبير بمعارضة الإسلاميين، تحديداً، دوراً لحفتر في قيادة الجيش الليبي.

انطلاقاً من هذه الخلفية، يمكن فهم أهمية دور الأطراف الإقليمية في التسوية الليبية، والمفترض أن تكون لها كلمة مسموعة لدى حفتر ومعارضيه الإسلاميين. فالجزائر وتونس – من خلال جهود الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة ورئيس ديوانه أحمد أويحيى والرئيس الباجي قايد السبسي وزعيم «النهضة الإسلامية» راشد الغنوشي– يُفترض أن لهما «مونة» على الإسلاميين الليبيين كي يقبلوا بحل يلعب فيه حفتر دوراً محورياً. وفي المقلب الآخر، لا بد أن مصر «تمون»، بدورها، على حفتر، كون الرئيس عبدالفتاح السيسي داعمه الإقليمي الأول. لكن، أن «تمون» هذه الأطراف شيء وأن يسير الليبيون بنصيحتها شيء آخر. وهذا الأمر ربما لن يتضح إلى حين انعقاد اللقاء المرتقب بين بوتفليقة والسبسي والسيسي في الجزائر.

في موازاة ذلك، بدأ الاتحاد الأوروبي – القلق من موجات المهاجرين والإرهاب المرتبط بالفوضى الليبية - حواراً مباشراً مع روسيا، الداعمة الدولية الأساسية لحفتر. وجاء الحوار في وقت ليّن الأوروبيون موقفهم المعارض للجنرال الليبي، ويبدون استعداداً متزايداً لضمان دور أساسي له بما في ذلك تسليمه قيادة القوات المسلحة... بشرط أن يخضع في نهاية المطاف للسلطة السياسية. وستتجه الأنظار، في هذا الإطار، إلى اللقاء الذي ستستضيفه بون الألمانية يوم الخميس بين وزير الخارجية الإيطالي أنجيلينو ألفانو، الذي تتولى بلاده المبادرة الأوروبية في الشأن الليبي، ووزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف. وسيسمع الأخير في هذا اللقاء - الثاني من نوعه مع الأوروبيين في خصوص ليبيا - أن القارة العجوز مستعدة لدعم دور أكبر لحفتر، بشرط أن لا يظن نفسه «الرجل القوي»، والأوحد، الذي سيحكم بلده. ويعتقد الأوروبيون أن الروس يدفعون في مثل هذا الخيار في ليبيا، انطلاقاً من اقتناعهم بأن وجود «رجل قوي» في السلطة - حتى ولو كان متسلطاً - يساعد في هزيمة الجماعات الإرهابية والمتشددة.

هل تشترك إدارة دونالد ترامب في هذا الموقف؟ ليس واضحاً ذلك بعد. لكن معارضة المندوبة الأميركية نيكي هيلي اقتراح تعيين الفلسطيني سلام فياض مبعوثاً خاصاً للأمم المتحدة إلى ليبيا خلفاً لمارتن كوبلر، توحي بأن واشنطن وأوروبا لا تسيران بالضرورة على الخط نفسه (فياض كان اقتراحاً إيطالياً). وإلى حين انتهاء الأميركيين من بلورة سياستهم الليبية، على الأرجح بعد التفاوض مع الروس، ستبقى الجهود الإقليمية والدولية تراوح مكانها، وسيبقى حفتر والإسلاميون يتبادلون الاتهامات... وسيبقى أنصار القذافي يترحمون على «جماهيرية» لم تُحابِ القذاذفة أبداً!

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available