|   

النسخة: الورقية - دولي

في خطابه الأول أمام الكونغرس بوصفه رئيساً للولايات المتحدة، قبل أيام، طمأن دونالد ترامب حلفاء بلاده حول العالم، قائلاً: «سيجد حلفاؤنا أن أميركا، من جديد، جاهزة لتقود».

هل أميركا جاهزة فعلاً لاستعادة هذا الدور؟

في الواقع، يُظهر اختبار مرت به إدارة ترامب في شمال سورية، قبل أيام، أنها ما زالت غير جاهزة كلياً لامتحان طمأنة الحلفاء. لكن سقوطها في هذا الامتحان السوري لم ينجم بالضرورة عن عدم القدرة، بل عن العجز في تحديد من هم «الحلفاء»، أو على الأقل المفاضلة بينهم كونهم أعداء بعضهم بعضاً بمقدار ما هم حلفاء للأميركيين.

فقبل أيام كرر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وهو «حليف» مهم للولايات المتحدة، تهديده بإرسال قوات «درع الفرات» لطرد «وحدات حماية الشعب» الكردية، وهي أيضاً «حليفة» للأميركيين، من مدينة منبج، بريف حلب. لم يكن هذا تهديده الأول، فقد أطلقه مراراً العام الماضي. في نهاية كانون الأول (ديسمبر)، سألت الكولونيل جون دوريان، الناطق باسم التحالف الدولي ضد «داعش»، عن موقف هذا التحالف من تهديد أنقرة بالزحف على منبج، فرد مشيداً بالحلفاء الأتراك وأهمية دورهم في الحرب ضد الإرهاب، لكنه لفت نظرهم إلى أن «داعش» لم يعد موجوداً في هذه المدينة بعدما طرده منها تحالف «قوات سورية الديموقراطية» الذي يضم الوحدات الكردية، في آب (أغسطس) الماضي. طالب دوريان جميع «الحلفاء» بالتركيز على عدوهم المشترك: «داعش». عندما جدد أردوغان تهديده بطرد الأكراد من منبج، قبل أيام، سألت الجنرال البريطاني روبرت جونز، وهو نائب قائد «قوة المهام المشتركة - عملية العزم الصلب»، عن موقف التحالف، فكرر العبارات نفسها التي رددها دوريان قبل شهرين ونيّف: تركيا حليفتنا ضد «داعش»، لكن هذا التنظيم ليس موجوداً في منبج، وعلى الجميع، بالتالي، توحيد جهودهم ضد «داعش» فقط.

لكن موقف التحالف لا يبدو أنه وجد آذاناً صاغية لدى الأتراك، إذ باشرت فصائل «درع الفرات» المدعومة منهم هجوماً كبيراً في ريف منبج. استهدفت تحديداً قرى يسيطر عليها فصيل «مجلس منبج العسكري» المتحالف مع الأميركيين في إطار «قوات سورية الديموقراطية»، لكن الأميركيين لم ينبسوا ببنت شفة ولم يُسجّل لهم أي تدخل للدفاع عن مناطق حلفائهم المفترضين، على رغم أن لديهم جنوداً ينتشرون إلى جانب «سورية الديموقراطية» في ريف منبج.

وعلى هذا الأساس، ليس هناك سبب يدفع إلى الاستغراب من الخطوة التي لجأ إليها «مجلس منبج» وحلفاؤه الأكراد، بعدما رأوا أن الأميركيين لم يهبّوا لوقف الهجوم التركي. فقد أعلن المجلس اتفاقاً مع روسيا يقضي بتسليم قوات الحكومة السورية القرى الواقعة على خط تماس مع الأتراك وحلفائهم في «درع الفرات»، وهو أمر أكدته وزارة الدفاع الروسية التي قالت إن الجيش السوري سيدخل مناطق الإدارة الذاتية الكردية في منبج. وإذا ما نجح الروس حقاً في وقف هجوم الأتراك على مناطق «سورية الديموقراطية»، فمن المشروع بالتالي التساؤل عما إذا كان الأميركيون فعلاً حلفاء للأكراد في سورية، أم أن روسيا هي حليفتهم الحقيقية؟

ويعيد هذا التساؤل القضية إلى نقطة البداية، أي محاولة ترامب طمأنة حلفاء أميركا. فإدارته، كما دلّت تجربة منبج، ما زالت، كما يبدو، حائرة. هل تختار الحليف التركي، وهو قوة عسكرية ضخمة ودولة مؤسسات مركزية، وصاحبة ثقل سنيّ، أم تواصل رهانها على الأكراد الذين أثبتوا، حتى الآن، أنهم قوة لا يُستهان بها في الحرب على «داعش»، لكن مشكلتهم أنهم ليسوا أكثر من «إدارة ذاتية» تتوسط محيطاً معادياً، من تركيا شمالاً، إلى إقليم كردستان العراق شرقاً، إلى «داعش» جنوباً، وفصائل «درع الفرات» غرباً، بالإضافة إلى «نصف تعايش - نصف طلاق» مع الحكومة السورية.

وهكذا، يبدو جلياً أن على إدارة ترامب أن تجترع صيغة تسمح لها بالتحالف مع عدوين لدودين، أو أن تفاضل بينهما. خطوة «مجلس منبج العسكري» بعقد الصفقة مع الروس تدل على أن ترامب لا بد أن يحسم قراره السوري قريباً. فربح الحليف التركي قد يعني في نهاية المطاف خسارة الكردي، وهو ما قد يؤثر في المعركة ضد «العدو المشترك» لجميع الحلفاء - الخصوم: «داعش».

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available