|   

النسخة: الورقية - دولي

> أعادت أوراق قضية أحالتها النيابة المصرية على القضاء فتح ملف يكاد يكون منسياً: «مراجعات الجهاديين». فقد كشفت أوراق القضية أن أجهزة الأمن أوقفت أفراداً وقياديين في «الجماعة الإسلامية» كانوا يحاولون إعادة إحياء تنظيمهم وفق أيديولوجيته التي سبقت المراجعات، بما في ذلك استخدام العنف لقلب نظام الحكم المتهم بالردة.

بغض النظر عن المسار القانوني للقضية أمام القضاء، سواء لجهة إثبات أدلة النيابة أو نفيها، فإنها تعيد فتح ملف المراجعات بهدف إلقاء الضوء على مدى نجاح، أو فشل، تجربة تراجع «الجهاديين» عن تكفير الحاكم واستخدام القوة لتغييره.

في واقع الأمر، انحصرت المراجعات بعدد محدود من الجماعات أبرزها «الجماعة الإسلامية» و «الجهاد» في مصر و «الجماعة المقاتلة» في ليبيا، وكانت نتيجة لفشل «الجهاديين» في صراعهم المرير مع أنظمة الحكم في التسعينات.

في حالة مصر، تباين تبرير التراجع عن العنف بين «الجماعة الإسلامية» و «الجهاد». فقد أوقف التنظيم الأخير بقيادة الدكتور أيمن الظواهري، زعيم «القاعدة» حالياً، نشاطه المسلح داخل مصر مع بداية عام 1996، بمبرر «عدم القدرة». أوحى هذا المبرر بأن التنظيم لم يتراجع عن موقفه الشرعي من تكفير الحاكم، بل أوقف عملياته لأن أجهزة الأمن هزمته. في بدايات الألفية الجديدة، أطلق الزعيم السابق لـ «الجهاد» الدكتور فضل (من سجنه) مراجعات نبذ فيها العنف، وقال أن كُتبه التي تُلقّن في معسكرات «الجهاد» و «القاعدة» في أفغانستان أُسيء فهمها. لكن مراجعاته أصيبت بنكسة عندما طغى عليها التجريح الشخصي بينه وبين الظواهري.

في المقابل، برزت مراجعات أخرى كان يقوم بها قادة «الجماعة الإسلامية». شكك كثيرون في البداية فيها بحكم أن القائمين بها مسجونون وبالتالي مكرهون. لكن مع مرور الوقت تبيّن فعلاً أنهم قاموا بمراجعاتهم عن اقتناع بخطأ أيديولوجيتهم السابقة، وليس نتيجة عدم القدرة. أقروا بخطأ اعتماد العنف، وتكفير الحاكم، واستهداف السياح. وعلى رغم المقاومة الشرسة للمراجعات من داخل الجماعة نفسها، كانت الكلمة النهائية للقادة المسجونين.

ما حصل مع «الجماعة» المصرية تكرر مع «المقاتلة» الليبية. فبعد هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001، استرجع نظام العقيد القذافي عدداً كبيراً من قادة هذه الجماعة الذين أجروا، في سجونهم الليبية، مراجعات خلصوا فيها إلى خطأ لجوئهم إلى العنف لقلب النظام. رد القذافي على موقفهم بالإفراج عن مئات منهم.

أين نحن اليوم من تلك المراجعات؟

«المقاتلة» الليبية لم تعد موجودة، لكن كثراً من قادتها الذين شاركوا في المراجعات وتصالحوا مع القذافي كانوا من بين أول من حملوا السلاح ضده في «ثورة فبراير» 2011. انخرط كثر منهم لاحقاً في السياسة والتجارة وحتى الأمن ضمن أجهزة حكومية، لكن منتقديهم لا ينفكون يرددون مزاعم عن تورطهم في تأسيس جماعات منخرطة في الصراع الحالي على السلطة.

أما في مصر، فقد انتعش «إسلاميو المراجعات» بعد إطاحة حكم مبارك ووصول «الإخوان» إلى السلطة. أسسوا أحزاباً سياسية. حاول حكم «الإخوان» التقرب منهم، ودعاهم الرئيس السابق محمد مرسي إلى احتفال للجيش للمناسبة ذاتها التي قتلوا فيها الرئيس السادات عام 1981. ربما كان هدف «الإخوان» بتقربهم من «الجهاديين» الذين شاركوا في عنف التسعينات أن يُطمئنوهم لئلا يعودوا إلى سلوكهم السابق. لكن النتيجة كانت تنامي نشاط هؤلاء، سواء كانوا من أصحاب المراجعات كـ «الجماعة الإسلامية»، أو رافضيها كـ «الجهاد»، بما في ذلك عودة بعضهم إلى العنف المسلح حتى في ظل «حكم إسلامي» (كما حصل مع قتل الجنود في سيناء عام 2012).

بعد إطاحة حكم مرسي صيف 2013، فرّ كثرٌ من «الجهاديين» إلى خارج مصر (شارك بعضهم في القتال في سورية). ولكن حتى تسرّب أوراق القضية المحالة اليوم على القضاء المصري، لم يكن معروفاً عن «الجماعة الإسلامية»، تحديداً، أنها غيّرت موقفها من المراجعات. أوقف بعض عناصرها فعلاً ولكن على خلفية المشاركة في تظاهرات «الإخوان». قضية اليوم، إذا ما ثبتت، فإنها تكشف أن هناك من يفكّر حقاً في التراجع عن المراجعات!

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available