|   

النسخة: الورقية - دولي

نجح خالد مسعود، أو أدريان راسل إلمز، اسمه السابق قبل إشهاره إسلامه، في تحقيق جزء مما كان يسعى إليه: الصدى الإعلامي. فقد جذب هجومه على جسر وستمنستر وأسوار البرلمان البريطاني، اهتمام وسائل الإعلام العالمية التي أفردت مساحات تغطية واسعة، ومتواصلة، لهذا «الحدث» الذي استهدف أعرق ديموقراطيات العالم. لكن باستثناء ذلك، هل حقق مسعود شيئاً؟ لم يحقق شيئاً، في الواقع، سوى الفشل.

كان يود، على ما يبدو، أن يقلّد منفّذ هجوم نيس الدموي عام 2016. فاستأجر سيارة رباعية الدفع، وحاول بها دهس المارة على جسر وستمنستر الذي يعجّ عادة بآلاف السيّاح وهم يلتقطون صوراً تذكارية أمام ساعة «بيغ بن» الشهيرة التي تعتلي مقر مجلسي العموم واللوردات، أو قبالة دولاب «عين لندن» العملاق الذي يحلّق عالياً فوق الضفة الجنوبية لنهر التيمز. ولكن، في حين «نجح» منفّذ هجوم نيس في دهس 87 شخصاً بشاحنته العملاقة، لم يقتل مسعود سوى ثلاثة أشخاص. وعندما قفز من سيارته بعد صدمها بالجسر، ركض مسعود إلى سور البرلمان وطعن شرطياً أعزل (كعادة شرطيي بريطانيا) فقتله، قبل أن يُطلق عليه النار حارس وزير الدفاع (الذي كان في البرلمان) ويرديه قتيلاً بدوره. وبذلك انتهت «مغامرة» رجل عاش حياة طويلة من الإجرام قبل تحوله إلى الإسلام وانجذابه إلى أفكار تنظيمات متطرفة على رأسها «داعش»، التنظيم الذي اعتبره «جندياً» في صفوفه وتبنى عمله.

لم تتوقف الحياة الطبيعية في لندن حتى خلال هذا الهجوم الإرهابي. كانت محطة أنفاق القطارات الوحيدة التي توقفت جزئياً هي محطة وستمنستر كونها تقع أسفل الجسر المستهدف. أُغلقت أيضاً بعض الطرقات المحيطة بالبرلمان، فيما انتشر شرطيون في شكل ظاهر للعيان أمام محطات الأنفاق الأخرى بهدف طمأنة مستقلي القطارات في رحلات الذهاب إلى العمل أو في طريق العودة.

في اليوم التالي، أعادت الشرطة فتح الطرقات المغلقة وخففت من إجراءاتها الأمنية الظاهرة، وعادت المواقع السياحية في قلب لندن تعج بالزوّار كالمعتاد، وكأن شيئاً لم يكن. بل أكثر من ذلك، شهدت ساحة الطرف الأغر، المطلة على البرلمان، تجمعاً ضخماً لمواطنين من مختلف الشرائح الدينية والعرقية للمجتمع اللندني، ندد المشاركون فيها - وعلى رأسهم وزيرة الداخلية أمبر رد وعمدة لندن المسلم صادق خان - بتصرف المهاجم، مؤكدين تصميمهم على رفض إثارة شرخ في المجتمع البريطاني، وهو ما كان هذا الاعتداء الإرهابي يمكن أن يؤدي إليه.

ولكن لماذا فشل مسعود، إذاً، في تحقيق هدفه؟

الجواب ببساطة هو أن بريطانيا بلد قانون. لم تعتقل شرطته مئات المسلمين عشوائياً لمجرد أن مسلماً قام بعمل إرهابي. وحتى الذين تم توقيفهم في إطار التحقيق (وهم 11 شخصاً فقط)، سرعان ما أفرج عنهم - باستثناء امرأتين أفرج عنهما بكفالة، ورجلين قد تكون لهما علاقات بإرهابيين.

لم يمر يوم على الهجوم حتى كان البرلمان يعقد جلسة جديدة، يستمع فيها إلى رئيسة الوزراء تيريزا ماي ويناقشها في ما حصل، على وقع الصياح المعتاد للنواب. يوم واحد من البلبلة عادت بعده الحياة السياسية إلى ما كانت عليه.

يعرف البريطانيون، من تجربتهم الطويلة مع الإرهاب، أنه لا يمكن إحباط كل الاعتداءات، خصوصاً في ظل ظاهرة «الذئاب المنفردة» الجديدة. فقد أحبطت أجهزة الأمن ما لا يقل عن 13 مؤامرة إرهابية في السنوات القليلة الماضية. وباستثناء الهجوم الذي تعرض له الجندي لي رغبي (الذي قتله شخصان اعتنقا الإسلام وانجذبا إلى أفكار المتطرفين أيضاً) عام 2013، لم تشهد بريطانيا أي حادث إرهابي منذ هجمات «القاعدة» في 7 تموز (يوليو) 2005.

نجت بريطانيا بالأمس من مذبحة كان يتمناها مسعود. لكن الخوف يبقى دائماً من أن ينجح مسعود آخر في ما يتمناه، فيقتل عدداً ضخماً من الناس، ويؤدي إلى شرخ حقيقي في المجتمع. لكن، عندما يكون لديك نظام ديموقراطي متجذّر وقانون مستقل حقاً، كما هي حال بريطانيا، فالأرجح أن إرهاب «داعش» اليوم سينتهي بالفشل، كما فشل من قبل إرهاب الجمهوريين الإرلنديين في الثمانينات والتسعينات، وإرهاب «القاعدة» في بداية الألفية الجديدة.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available