|   

النسخة: الورقية - دولي

تمر بعد أسبوعين الذكرى السنوية السادسة لمقتل زعيم «القاعدة» أسامة بن لادن. بدت عملية «رمح نبتون» التي نفّذتها قوة خاصة ضد مخبئه في أبوت آباد الباكستانية، بمثابة انتصار باهر للأميركيين. فهم قضوا على عدوّهم الرقم واحد في وقت بدا تنظيمه كله على شفير الانهيار. فثورات «الربيع العربي» أظهرت أن الشارع الغاضب من الأنظمة الشمولية، أو الديكتاتورية، قادر على قلبها سلمياً من دون السير في مسار تكفيرها والحكم عليها بالردة وحمل السلاح ضدها، على غرار أسلوب «القاعدة وأخواتها».

لكن ما زاد الطين بلة لـ «القاعدة» أن نجاح الأميركيين في القضاء على بن لادن وعلى عشرات غيره من قادته المخضرمين الذين قضوا في حملة لا هوادة فيها لطائرات «الدرونز»، جاء في وقت واجه تنظيمه أكبر خطر وجودي يتهدده من خلال ظهور منافس له من عباءته الأيديولوجية ذاتها، أي تنظيم «داعش». فمع تحوّل ربيع العرب إلى خريف وشتاء دموييين، وجدت «القاعدة» نفسها وكأنها قد باتت خارج المشهد كلياً، على رغم أنها كانت أول من تنبّه للفرصة التي يتيحها سقوط الأنظمة التسلطية والقمعية، فدفعت بعناصرها لبناء الخلايا والتحضير لاحقاً للإمساك بالسلطة، كما فعلت في ليبيا ومصر وسورية. لكن «القاعدة» لم تنجح في مهمتها هذه. ففروعها الرسمية والجماعات المتحالفة معها كانت تتناقص يوماً بعد يوم بعدما جذبت «الخلافة» التي أعلنها زعيم «داعش» أبو بكر البغدادي العديد منها، إما استقطاباً وإما عنوة. كما أن دفق المتطوعين الأجانب الذين كانوا يوماً كنهر لا ينضب للقاعدة في العراق بين العامين 2003 و2007، تحوّل الآن في جزء لا يُستهان به نحو «داعش» الذي استخدمهم في سيل من عملياته الانتحارية في سورية والعراق. وفي الواقع، لم تكتف «دولة البغدادي» بتمددها في هذين البلدين، بل حاولت أيضاً «ابتلاع القاعدة» في أي مكان متاح - من شمال أفريقيا (خصوصاً «ولايات» ليبيا الثلاث)، إلى وسطها وغربها (بوكو حرام) إلى مصر (ولاية سيناء)، مروراً بالصومال واليمن… وانتهاء بأفغانستان حيث أنشأ البغدادي فرعاً له في خراسان يعيّر حركة «طالبان» بأنها «وطنية» (وليست إسلامية) ولا يتردد في قطع رؤوس أفرادها عند أسرهم.

هدد تمدد «داعش» السريع بالقضاء كلياً على «القاعدة» بعدما نجح البغدادي ومعه أبرز المتحدثين باسمه أبو محمد العدناني، في تهميش خليفة بن لادن، أيمن الظواهري. لكن توسّع «دولة الخلافة» حمل معه في الوقت ذاته أداة القضاء عليها، بعدما «وسّعت دائرة الأعداء» وحاربتهم جميعاً، بدءاً من أنظمة الحكم في الدول العربية والإسلامية، مروراً بالأنظمة الغربية «الكافرة»، وانتهاء بالإسلاميين الذين يرفضون مبايعة البغدادي، وعلى رأسهم عناصر «القاعدة». وفي مقابل هذا التصلب «الداعشي»، أظهرت «القاعدة» براعة في الانحناء أمام العاصفة، أو على الأقل محاولة التأقلم مع ظروفها. فهي لم تتردد في عقد صفقات مع إيران، عندما اضطرتها الحرب الأميركية ضد الإرهاب على النزوح من أفغانستان. ولم تتردد أيضاً في إعطاء فروعها حرية التخلي عن بيعتها إذا تطلبت ظروفها ذلك. ففي سورية تحوّلت «النصرة» إلى «جبهة فتح الشام» ثم «هيئة تحرير الشام». وفي الساحل الأفريقي نشأت «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» بعد توحّد جماعات عدة بعضها مرتبط مباشرة بـ «القاعدة». وفي الصومال، قبل الظواهري بيعة «حركة الشباب»، لكنها تركها تعمل كجماعة محلية في القرن الأفريقي. لا يعني هذا الكلام أن مرونة «القاعدة» قابلها دائماً تصلّب «داعش». فهذا التنظيم عقد أيضاً صفقات مع أعدائه المفترضين، مثل تركيا، كما عقد صفقات لتحرير رهائن غربيين يحتجزهم.

والآن، مع اقتراب ذكرى قتل بن لادن، تبدو أمام «القاعدة» فرصة لم تسنح من قبل. فالحرب التي يقودها الأميركيون ضد «داعش» تشارف حالياً على الانتهاء، مع اقتراب معركة الموصل من ختامها ومع اقتراب اكتمال حصار مدينة الرقة. وسيشكل هذا السقوط المدوّي لـ «داعش» فرصة لـ «القاعدة» كي ترث تنظيماً لا يختلف أيديولوجياً في الواقع عنها، سوى لجهة أن تكون القيادة للظواهري أم للبغدادي. لكن يبقى السؤال: هل ستقبل أميركا أن يشكّل قضاؤها على «داعش» فرصة لإحياء «القاعدة»، أم أن خطوتها المقبلة بعد «داعش» ستكون «القاعدة»؟ لن يطول الأمر حتى تتضح الصورة.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة