|   

النسخة: الورقية - دولي

تتشابه الحروب الأهلية، في بعض أوجهها، حتى ولو اختلفت الأوطان وهويات المتحاربين عليها. ثمة اختلاف كبير لا يمكن إنكاره بين طبيعة وأسباب الحربين الأهليتين في سورية (في عامها السابع حالياً) ولبنان (استمرت 15 سنة ويُفترض أنها انتهت عام 1990) - لكن أوجه الشبه، في الواقع، تكاد لا تحصى. واحدة منها تتطلب تذكيراً لمن لا يعرف الكثير عن حرب لبنان.

في 7 تموز (يوليو) 1980، ومع طلوع الفجر، استقل مقاتلون في وحدة خاصة تابعة مباشرة لقائد فصيل «القوات اللبنانية»، بشير الجميل، شاحنات قمامة، وتسللوا إلى بلدة الصفرا الكسروانية، معقل غريمه الأساسي في الساحة المسيحية داني شمعون، قائد «نمور الأحرار». لم يكن هدفهم بالطبع جمع القمامة، لكنهم جاؤوا لـ «تنظيف» البلدة من خصومهم والقضاء عليهم كقوة عسكرية. وكان لهم ما أرادوا. لم تمض ساعات على بدء الهجوم الخاطف حتى كان «النمور» في فعل الماضي، وتساقطت معاقلهم في المناطق المسيحية واحدة تلو الأخرى، وأُرغم داني شمعون على الفرار إلى خارج ما كان يُعرف آنذاك بـ «بيروت الشرقية»، قبل أن يغادر لاحقاً إلى المنفى في فرنسا (عاد في الواقع بعد سنوات، لكنه اغتيل مع زوجته وطفليه عام 1990).

وضع بشير عمليته ضد داني آنذاك بأنها تندرج في إطار «توحيد البندقية»، أي بندقية المسيحيين التي كانت تتوزع على فصائل عدة تقاتل يوماً ضد «الأعداء»، وهم هنا أحزاب الحركة الوطنية اللبنانية وقوات منظمة التحرير الفلسطينية، وأحياناً كثيرة الجيش النظامي السوري، ويوماً آخر في ما بينها في صراع نفوذ على من يُمسك بالأرض. وقد أفرز صراع النفوذ هذا طبقة من القادة الميدانيين الذين سيطروا على مناطق معيّنة وتحكموا بمقاليدها بوصفهم «أمراء حرب» محليين. وكانت الاشتباكات تندلع بين هؤلاء في شكل متكرر، ساعة بسبب توقيف أحد الموالين لها الفصيل أو ذاك، أو بحجة منع الوصول إلى الجبهات، أو بسبب خلاف على تقاسم المغانم. وكانت تلك المواجهات توقع قتلى وجرحى في صفوف المتقاتلين والمدنيين، إلى أن تمكن بشير من القضاء على «النمور» و «وحّد البندقية»، بعدما كان قد استوعب أو قضى من قبل على بقية الفصائل المسيحية المسلحة الأصغر حجماً من «النمور» (مثل «حراس الأرز» و «الشبيبة» - لكنه لم يتمكن من القضاء على فصيل «المردة» بزعامة سليمان فرنجية على رغم الهجوم على معقله في إهدن الشمالية وقتل ابنه طوني عام 1978).

لكن مع القضاء على «النمور» قضى بشير على أهم منافسيه العسكريين مسيحياً، وجعل من نفسه رقماً أساسياً في المعادلة، وترجمها عام 1982، بنتيجة الاجتياح الإسرائيلي، بالوصول إلى رئاسة الجمهورية (اغتيل بُعيد انتخابه وقبل تسلّمه الحكم).

سرد قصة توحيد البندقية المسيحية مرتبط بما تشهده ساحة الفصائل الإسلامية السورية حالياً من اقتتال متكرر بينها يترافق مع عمليات توحيد واستيعاب، بالقوة أو السلم، لأطرافها المختلفة. بالأمس خاض فصيل «جيش الإسلام» قتالاً دامياً مع فصيلي «هيئة تحرير الشام» و «فيلق الرحمن» في الغوطة الشرقية، بعد سنة بالتمام من اقتتال مماثل أوقع مئات القتلى. وفي الشهور الماضية، دار اقتتال بين فصائل «أحرار الشام» و «جبهة النصرة» و «جند الأقصى» في أرياف حلب وإدلب وحماة. وقبل ذلك، هاجمت «النصرة» فصيل «جيش ثوار سورية» في إدلب وقضت عليه. وتكرر الأمر نفسه في الجنوب السوري، حيث خاضت ولا تزال «الجبهة الجنوبية» قتالاً ضد فصائل أخرى موالية أو مبايعة لـ «داعش». أما في الشمال، فقد قاتلت فصائل عربية ضد الأكراد فيما تحالفت معهم فصائل عربية أخرى (ضمن «قوات سورية الديموقراطية»).

تُشبه صورة هذا الاقتتال والاندماج بين الفصائل السورية إلى حد كبير صورة ما حصل بين الفصائل المسيحية اللبنانية قبل أن يتمكن بشير من توحيدها تحت راية «القوات اللبنانية». لكن بعد اغتياله انقسم فصيله بين قادته الذين تحاربوا في ما بينهم على من هو الأحق بتمثيل المسيحيين ... وإكمال مسيرة بشير.

الفصائل السورية لم توحّد نفسها بعد تحت لواء شخص، كبشير، أو فصيل، كـ «القوات اللبنانية»، كي تنقسم على بعضها بعد رحيله ... إذاً، قصة السوريين ما زالت، للأسف، في بدايتها!

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة