|   

النسخة: الورقية - دولي

أثار اتفاق آستانة الخاص بمناطق التهدئة الأربع في سورية غضب جزء من المعارضة المسلحة التي حذّرت من أخطار «التقسيم». هل هناك فعلاً خطر أن التهدئة ستقود إلى تقسيم؟

لا بد من القول، بداية، إن المناطق المشمولة بالتهدئة هي محور الصراع الأساسي بين القوات النظامية وحلفائها الذين يعملون بإشراف إيراني، وبين المعارضة على تنوّعها، سواء كانت توصف بالمعتدلة كـ «الجيش الحر» أو بالمتطرفة والإرهابية كـ «هيئة تحرير الشام» (فرع «القاعدة» سابقاً). وتبدأ هذه المناطق من شمال البلاد وتشمل إدلب وأجزاء محيطة بها من ريف حلب الغربي وريف اللاذقية الشرقي وريف حماة الشمالي، وتمتد إلى وسطها لتشمل ريف حمص الشمالي (الرستن وتلبيسة ومحيطهما)، نزولاً إلى غوطة دمشق الشرقية، وانتهاء بأجزاء من الجنوب (درعا والسويداء).

بمنطق الربح والخسارة، تبدو المعارضة مقتنعة بأن تكريس خطوط التماس الحالية حول هذه المناطق الأربع سيُعتبر خسارة لها ومكسباً للنظام. سيحتفظ الأخير بمعظم ما بات يُعرف بـ «سورية المفيدة»، من اللاذقية غرباً، إلى حلب شمالاً، مروراً بمناطق الثقل السكاني في وسط البلاد وجنوبها (حماة وحمص ودمشق ودرعا). كما أن تكريس هدوء الجبهات مع المعارضة سيسمح للنظام بتركيز جهده ضد «داعش»، وهو أمر يبدو أنه في طور الترجمة حالياً، في ظل الأنباء عن نقل مئات الجنود إلى تدمر بهدف التقدم شرقاً نحو السخنة ومنها إلى دير الزور لإنهاء حصارها. وسيسمح هذا الأمر، في حال تمكن النظام من تحقيقه، باستعادة وسط البلاد وشرقها الغنيين بالنفط والغاز. وأكثر من ذلك، تخشى المعارضة، كما يبدو، استغلال التهدئة لتكريس ما تعتبره «تغييراً ديموغرافياً» يتمثّل بإسكان مؤيدين للنظام في مناطق هُجّر معارضوه منها (كما حصل في صفقة الإجلاء المتبادل بين كفريا والفوعة – الزبداني ومضايا، وفي ضواحي دمشق، وحي الوعر الحمصي، واحياء شرق حلب).

كل هذا يثير بالتأكيد خوف المعارضين، لكن أكثر ما يخيفهم هو أن يؤدي اتفاق آستانة إلى تهدئة مع النظام وحرب داخلية بين الفصائل. وواضح أن الاتفاق يتوقع من الفصائل المعتدلة أن تتصدى للمتطرفة أو الإرهابية، للمساعدة في تحريك مسار «الانتقال السياسي». وقد ظهرت بوادر ذلك في اقتتال فصائل الغوطة الشرقية، وهي إحدى مناطق التهدئة الأربع. واتهمت «هيئة تحرير الشام» («النصرة» أو فرع «القاعدة» سابقاً) «جيش الإسلام» بأنه حاول القضاء عليها هناك في إطار هذا الاتفاق الذي رعته روسيا. ويبدو خطر تكرار هذا الاقتتال واضحاً في إدلب ودرعا. ففي الأولى، يُرجّح «تلزيم» معركة القضاء على «الإرهابيين» إلى تركيا التي يمكنها العمل مباشرة أو من خلال فصائل محسوبة عليها. أما في الثانية، فيمكن أيضاً «تلزيم» المهمة للأردن وحلفائه في فصائل «الجبهة الجنوبية».

وإذا كان ما سبق يبرر موقف المعارضة المشكك في اتفاق التهدئة وخطر أن يؤدي إلى «تقسيم»، فقد كان لافتاً أيضاً أن موقفها هذا شاركها فيه خصومها الأكراد، وتحديداً «حزب الاتحاد الديموقراطي»، الجناح السياسي لـ «وحدات حماية الشعب». بدا موقف الأكراد مفاجئاً كونهم هم من يُتهم بالسعي إلى التقسيم، من خلال إنشاء إدارة ذاتية، من الحسكة شرقاً (مقاطعة الجزيرة) إلى حلب غرباً (مقاطعتي عين العرب وعفرين). والواقع أن الأكراد يعيشون فعلياً في مناطق تهدئة قسرية. ففي شرق البلاد وشمالها (من الحسكة إلى منبج بريف حلب الشمالي الشرقي)، يعمل الأكراد تحت حماية التحالف الذي يقوده الأميركيون، سواء في مواجهة «داعش» أو تركيا وحلفائها. أما في مقاطعة عفرين بريف حلب الغربي، فهم يعيشون أيضاً تحت حماية «رمزية» توفرها روسيا التي نشرت قوة صغيرة مع جنود سوريين لطمأنتهم إزاء تهديدات الأتراك وحلفائهم.

خلاصة الأمر، كما ظهر في السطور السابقة، أن سورية تعيش فعلياً واقع تقسيمها إلى مناطق نفوذ. ما تخشاه المعارضة، كما يبدو، أن يُكرّس اتفاق التهدئة هذا التقسيم الفعلي إلى ما لا نهاية في ظل عدم تحقيق تقدم في المسار السياسي … ويُطلق اقتتالاً بين الفصائل يُعرف كيف يبدأ ولا يُعرف كيف يمكن أن ينتهي.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة