|   

النسخة: الورقية - دولي

بدا مثلث الحدود السورية - العراقية - الأردنية في الأيام الماضية كأنه يتربّع على برميل بارود يمكن أن ينفجر في أي لحظة. كاد ذلك يحصل الخميس عندما قصفت طائرات التحالف الدولي قافلة مسلحين موالين للنظام السوري لدى اقترابهم من موقع تتمركز فيه قوات غربية إلى جانب فصيل معارض.

فما الذي يحصل في هذه المنطقة الصحراوية المترامية الأطراف وغير المأهولة؟

الجواب، باختصار، أن المنطقة ساحة لمعركتين. تحمل الأولى عنواناً رئيسياً يجتمع حوله المتخاصمون: هزيمة «داعش» وتقاسم إرثه بعدما شارفت «خلافته» على لفظ أنفاسها الأخيرة. أما الثانية فتتفرّع عن الأولى وتتمثّل بحرب أميركية - إيرانية غير معلنة تتمحور حول شكل «الهلال الشيعي» الذي هدد حلفاء لطهران أخيراً بتحويله إلى «بدر» يلف إيران والعراق وسورية ولبنان وبلداناً أخرى.

ملامح هاتين المعركتين كانت بادية منذ أسابيع. فقد ظهرت قوات أميركية وبريطانية علناً إلى جانب فصيل «جيش مغاوير الثورة» خلال تقدمه من قاعدة التنف داخل سورية في اتجاه مدينة البوكمال الاستراتيجية على نهر الفرات، والتي تُعتبر عقدة وصل أساسية مع مناطق سيطرة «داعش» داخل العراق. ليست هذه المحاولة الأولى للوصول إلى البوكمال. حصلت محاولة سابقة صيف العام الماضي، انطلقت أيضاً من التنف وقادها «جيش سورية الجديد». وصل مقاتلو ذلك الفصيل إلى مشارف البوكمال من دون أي عقبات. فالمنطقة كلها عبارة عن صحراء لا حياة فيها. ظنوا أن مهمتهم سهلة، فأخذوا يبثون نداءات بالراديو موجهة إلى أهالي البوكمال للثورة ضد «داعش». لكن مسار المعركة سرعان ما انتكس. فقد كانت معركة أخرى تدور داخل العراق لطرد «داعش» من الفلوجة، وحصل خلالها تطور مفاجئ تمثّل بخروج مئات العربات ليلاً وهي تقل آلاف «الداعشيين» مع أفراد أسرهم، فاضطرت طائرات التحالف إلى التخلي عن معركة البوكمال للتركيز على الفلوجة، حيث تم الفتك بالمنسحبين وقتل مئات منهم. استغل «داعش» غياب الغطاء الجوي عن «جيش سورية الجديد» على أطراف البوكمال وأسر عشرات من عناصره وقطع رؤوسهم، منهياً الحياة القصيرة من عمر هذا الفصيل. ما تبقى منه شكّل لاحقاً «مغاوير الثورة» الذي يكرر اليوم هجوم البوكمال وكلّه أمل بأن لا يتخلّى عنه الأميركيون والبريطانيون كما تخلوا عن سلفه.

غير أن التقدم الحالي لـ «مغاوير الثورة» من التنف نحو البوكمال رافقه تقدّم مفاجئ في المنطقة ذاتها من فصائل شيعية تعمل بإشراف إيراني وتقاتل إلى جانب قوات النظام السوري. لم تخفِ وسائل إعلام موالية أن الهدف تأمين طريق دمشق - بغداد الذي يمر عبر التنف مروراً بصحراء الأنبار. وعلى رغم أن حكم الرئيس السوري بشار الأسد يود قطعاً إعادة فتح الطريق مع بغداد، إلا أن هذه المهمة لا تبدو أساسية لنظامه. فعديد جنوده لا يكفي لتأمين طريق صحراوية يمكن بسهولة قطعها، كما أن أولويته الحفاظ على «سورية المفيدة» وتوسيعها بتدرج. والواقع أن نظرة إلى الأطراف المشاركة في تقدّم الموالين لدمشق نحو الحدود العراقية عبر التنف - وهي كلها فصائل شيعية مرتبطة علناً بـ «الحرس الثوري» - تكشف ببساطة أن هذه ليست معركة النظام السوري بل إيران.

لكن تأمين طريق بغداد - دمشق، عبر التنف، لا يمكن أن يحصل من الجانب السوري فقط، بل داخل العراق أيضاً، حيث انطلق سباق الإمساك بالمعابر مع سورية بعد انتهاء معركة الموصل. فقد أطلقت فصائل «الحشد الشعبي»، المرتبطة بإيران، معركة مفاجئة لطرد «داعش» من صحراء محافظتي نينوى والأنبار على الحدود السورية، مثل سنجار والقيروان والبعاج وصولاً إلى القائم المقابلة للبوكمال. وفي صحراء الأنبار تحديداً، يُفترض أن تبدأ معركة قريبة لطرد «داعش» من مخابئه هناك، تمهيداً لتأمين مدينة الرطبة وهي العقدة التي تتفرّع منها طريق بغداد نحو عمّان ونحو دمشق.

معركة طرد «داعش» من صحراء الأنبار ونينوى ما زالت في بداياتها، ما يعني أن الحديث عن إعادة فتح طريق دمشق - بغداد ما زال مبكراً. ما يحصل اليوم من تحركات عسكرية على جانبي الحدود السورية - العراقية لا يعدو كونه تحضيراً لمعركة آتية ستُحدد مصير «الهلال الشيعي»، وما إذا كان سيبقى هلالاً... أم يُصبح بدراً.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة