|   

النسخة: الورقية - دولي

تنتخب بريطانيا الخميس برلمانها الجديد. المنافسة في الانتخابات الحالية، على غرار كثير من سابقاتها، محصورة في حزبي المحافظين والعمال. وعلى رغم أن الاستطلاعات ترجّح فوز المحافظين، إلا أن هامش تقدمهم تقلّص في الأيام الأخيرة إلى نقاط معدودة، ما يتيح احتمال عودة العمال إلى السلطة في تحالف مع أحزاب أخرى، مثل قوميي اسكتلندا.

ما هي أهم محاور البرامج الانتخابية للحزبين، وكيف يمكن أن يؤثر خيار الناخبين في علاقة بريطانيا بدول الشرق الأوسط؟

لا بد من الإقرار بداية بأن حملة المحافظين والعمال تمحورت حول من منهما يقدّم خطة أفضل لانعاش الاقتصاد وإدارة مفاوضات الطلاق مع الاتحاد الأوروبي، في حين لم تحتل السياسة الخارجية سوى مرتبة متأخرة في برامجهما.

يتمحور برنامج رئيسة الوزراء تيريزا ماي حول مواصلة سياسة التقشف بهدف خفض عجز الموازنة والمديونية. تعرف ماي بالطبع أن رفع شعار التقشف ينفّر الناخبين، إلا أنها تستخدمه لمصلحتها. فقد تسلّم المحافظون السلطة عام 2010 وكانت خزينة الدولة «خاوية»، وفق إقرار حكومة العمال آنذاك. لكن المحافظين نجحوا من خلال برامجهم التقشفية في تقليص المديونية وتحريك عجلة الاقتصاد. وعلى هذا الأساس، تحض ماي الناخبين على التصويت لإبقاء حزبها في السلطة على رغم ألم عصر النفقات، فـ «المال لا ينبت على شجر»، كما تقول.

أوروبياً، سعت ماي إلى لعب ورقة التفاوض على الطلاق من الاتحاد الأوروبي «من موقع القوي»، وهي رفضت تقديم تنازلات مسبقة للأوروبيين معتمدة على أنهم هم في حاجة الى الاقتصاد البريطاني بقدر ما يحتاج هو إلى السوق الأوروبية. وعلى الصعيد الدولي، بدت سياسة ماي الخارجية قريبة من سياسة الولايات المتحدة وإن لم تكن متطابقة تماماً، ما يعني ترجيح عدم حصول تغيير في طريقة التعامل الحالية مع أزمات الشرق الأوسط، وفي مقدمها سورية والعراق وليبيا واليمن.

في المقابل، يعد زعيم المعارضة العمالية جيريمي كوربن بوقف سياسة التقشف، والعودة إلى تأميم بعض الخدمات العمومية (مثل قطاع النقل)، وضخ بلايين الجنيهات الاسترلينية في قطاعات الصحة والتعليم والرعاية الاجتماعية. وبما أن المال لا ينبت فعلاً على شجر ويمكن قطافه ساعة تشاء، يقترح كوربن تمويل خططه هذه من خلال رفع الضرائب على ذوي الدخل المرتفع (لتصبح بين 45 و50 في المئة) وعلى ضرائب الشركات، على رغم أن ذلك قد يدفعها إلى الهجرة خارج بريطانيا. وأطلق كوربن تعهداً لافتاً أيضاً تمثل في عودة مجانية التعليم الجامعي، وهو أمر يستقطب بالطبع جيل الناخبين الصغار.

أوروبياً، يُقر كوربن بأن لا سبيل للتراجع عن الانسحاب مع الاتحاد لأن الشعب البريطاني قرر ذلك في استفتاء. لكنه يجادل بأن لندن في حاجة إلى طمأنة الأوروبيين إلى أنها لا تريد طلاقاً شائكاً معهم، وهذا يعني تحديد هدف مسبق للمفاوضات وهو إبرام اتفاق للتجارة الحرة مع دول الاتحاد. ويختلف هذا عما تعرضه ماي التي تقول إن بريطانيا جاهزة للاحتمالات كافة، بما في ذلك عدم التوصل إلى أي اتفاق مع الاتحاد الأوروبي، مع ما يعنيه ذلك من خسارة بريطانيا السوق الأوروبية.

وعلى الصعيد الخارجي لا يتردد كوربن في توجيه انتقادات قاسية لإدارة الرئيس دونالد ترامب، وهو ما تتجنبه ماي، ما يؤشر إلى احتمال انتهاج بريطانيا تحت حكم العمال سياسة مختلفة عن سياستها الحالية إزاء أزمات الشرق الأوسط، لا سيما إزاء قضايا العنف والإرهاب. فكوربن، كما يأخذ عليه خصومه، يتمتع بعلاقة جيدة مع حركات الإسلام السياسي على تنوعها، بما في ذلك «حماس» الفلسطينية (جناحها المسلح فقط مدرج على قوائم الإرهاب البريطانية). كما أن انتقاداته الدائمة لسياسات إسرائيل توحي بأن بريطانيا تحت قيادته لن تنتهج سياسة سلسة مع الدولة العبرية، بعكس المحافظين. ودافع كوربن في الحملة الانتخابية عن الاتفاق النووي مع إيران، مطالباً بالمحافظة عليه، في تمايز واضح عن سياسة ترامب.

في ضوء كل هذه الخيارات، سيقرر البريطانيون الخميس إن كانوا يريدون الاستمرار أم التغيير. ولكن مهما كان اختيارهم، فالانتصار في نهاية المطاف هي للديموقراطية البريطانية التي تقدّم دوماً دروساً في كيف يكون التنافس على أساس برامج انتخابية، وكيف يقبل الرابح والخاسر نتيجة خيار الناخبين ... مهما كان.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة