|   

النسخة: الورقية - دولي

كتبتُ قبل أيام عن ملامح معركة إيرانية – أميركية على الصحراء بين سورية والعراق. تساءلتُ هل يمكن أن يسمح الأميركيون للإيرانيين، الممثلين بجماعات شيعية تعمل تحت إشرافهم وتقاتل إلى جانب القوات النظامية السورية، بالوصول إلى الحدود مع العراق عند معبر التنف (المقابل لمعبر الوليد في الجانب العراقي). جاء جواب الأميركيين سريعاً. ضربوا رتلاً لحلفاء دمشق وقتلوا عدداً منهم ودمّروا آلياتهم بمجرد اقترابهم من التنف. لكن هؤلاء لم يرتدعوا. حاولوا التقدم مجدداً بعد أيام، فاستهدفتهم ضربة ثانية. وزيادة في التوضيح، ألقى الأميركيون منشورات من الجو فوق القوات النظامية وحلفائها تحدد لهم خطاً أحمر حول التنف لا يمكن الاقتراب منه. ليس واضحاً إذا كان هؤلاء قد فهموا الرسالة فعلاً، أم أنهم يريدون اختبار صبر الأميركيين وحدود ردهم. لم يعاودوا هذه المرة الاقتراب من التنف، بل شقوا طريقاً آخر شمالها ووصلوا إلى الحدود العراقية، قاطعين بذلك الطريق أمام جماعات سورية يسلحها الأميركيون للتقدم نحو البوكمال في دير الزور.

الناطق العسكري السوري الذي ظهر في التلفزيون الحكومي معلناً وصول قوات النظام إلى حدود العراق، كان صريحاً بحديثه عن «حلفاء» شاركوا في المعركة. وحتى في المشاهد المصوّرة التي عرضتها وزارة الدفاع السورية كان واضحاً أن القوات التي تقدمت شمال التنف تألفت على وجه الخصوص من هؤلاء «الحلفاء»، أي الجماعات التي تعمل بإشراف إيران. مروحياتهم وآلياتهم وعتادهم ولباسهم كله أوحى بذلك، على رغم رفعهم العلم السوري.

إعادة فتح طريق برية بين دمشق وبغداد بدت بمثابة هدف إيراني ثانٍ في مرمى الأميركيين. بالطبع، الهدف الأول سجّله «الحشد الشعبي» بوصوله إلى حدود العراق مع سورية (بين نينوى والحسكة). وكي لا يكون هناك لبس في حقيقة أن إيران هي من سجّل هذا الهدف، سارع قائد «فيلق القدس» قاسم سليماني إلى تفقّد «الحشد» عند الحدود السورية.

ولكن لماذا يسمح الأميركيون للإيرانيين بتسجيل هذه الأهداف في مرماهم؟ هل هم عاجزون عن الرد؟ بالطبع لا. الأميركيون بلا شك قادرون على الرد، وهم يستعدون لذلك، على رغم انشغالهم بالمعركة ضد «داعش» التي يعطونها الأولوية. ويعرف الإيرانيون على الأرجح هذه الحقيقة، ولذلك فإنهم يسعون إلى تثبيت مواقعهم والاستفادة من عدم رغبة الأميركيين في مواجهة معهم خشية أن تؤثر سلباً في المعركة ضد «داعش». لكن عدم حصول المواجهة الأميركية– الإيرانية حتى الآن لا يعني أنها لن تحصل. فالمؤشرات كلها توحي بأنها آتية لا محالة، وقد تحصل في أكثر من ساحة.

إيران نفسها قد تكون إحدى هذه الساحات. وفي لجوء إدارة ترامب إلى مايكل داندريا المعروف بـ «آية الله مايك» وتسليمه ملف إيران في وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي آيه)، أكثر من رسالة لطهران. ومايك هذا اسم معروف في عالم الاستخبارات منذ إشرافه على حملة طائرات «الدرون» التي قصمت ظهر «القاعدة» وقضت على قياداتها على الحدود الباكستانية– الأفغانية.

العراق أيضاً سيكون على الأرجح ساحة أخرى من ساحات المواجهة الأميركية– العراقية. لكن مهمة الأميركيين هنا لن تكون سهلة. فقد ثبّت الإيرانيون أقدامهم في العراق منذ أن «أهدتهم» إياه واشنطن عقب إطاحة صدام حسين عام 2003. وعلى رغم أن هناك شرائح عراقية واسعة تعارض النفوذ الإيراني، إلا أن طهران تملك الورقة الأقوى عسكرياً من خلال فصائل «الحشد الشعبي». ولا يريد الأميركيون، كما يبدو، مواجهة مع «الحشد» حالياً خشية عرقلة الحرب ضد «داعش».

وسورية بدورها ستكون ساحة أخرى من ساحات المواجهة. لكن الحرب ضد «داعش» ليست فقط ما يؤخر اندلاعها. فالدور الروسي في دعم حكومة دمشق لا يجب إغفاله بالطبع، وإن كان الأميركيون يتمنون على الأرجح أن يؤدي النفوذ الروسي في نهاية المطاف إلى تقليص نفوذ إيران، وإن كان ذلك لا يبدو واقعياً في ظل الوضع الراهن.

أما لبنان فسيكون بدوره ساحة مواجهة تلوح منذ شهور، وستستهدف تحديداً «حزب الله». لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأميركي عقدت بالأمس جلسة ناقشت فيها «خيارات» المعركة ضد هذا الحزب واستمعت إلى خبراء ومسؤولين سابقين اتهموا إدارة باراك أوباما بأنها - نتيجة توقها إلى اتفاق نووي مع الإيرانيين - «حلّت» أو «غيّرت مسار» أو «جمّدت» تحقيقات ومحاكمات مرتبطة بـ «إرهاب حزب الله».

إذاً، ملامح المعركة الأميركية – الإيرانية توحي بأنها حاصلة لا محالة.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة