|   

النسخة: الورقية - دولي

في عام 1980 مررت بموقف صحافي مثير مع وزير المال السعودي السابق محمد أبا الخيل، (تولى وزارة المال عام 1975 حتى 1995). العنوان المناسب لذلك الموقف هو «نزق صحافي وجبروت مسؤول». أجريت حواراً صحافياً مع أبا الخيل لمجلة «اليمامة». المقابلة كانت عن الموازنة. فرّغتُ الحديث. عاودت صوغه. أرسلته إلى الوزير، وفق رغبته. بعد يومين استلمتُ الملاحظات. الوزير أحدث تعديلات، اعتبرتُها تدخُّلاً في مهنتي. وهو عاود صوغ عبارات، لم أرَها صحيحة، وتجاهلتُها. أثناء طباعة المجلة، اتصلتُ بالوزير محمد أبا الخيل. قلت له، أرسلت الحديث إلى الطباعة ولكن لم آخذ بالتعديلات، أراها تدخُّلاً في صوغ النص، وهي لا تؤثر في حديثك، وقبل أن أكمل كلامي معه أغلق الهاتف. خلال أقل من ساعة وصل إلى المبنى رجال أمن. أوقَفوا طباعة المجلة، صادروا ما طُبع منها. في تلك الفترة، كان وزير المال محمد أبا الخيل قصة كبيرة، وكنت أنا صحافياً صغيراً ونزقاً.

لم يكن محمد أبا الخيل مسؤولاً متسلطاً، بل مركزياً. كان متشدّداً إدارياً ناجحاً وأميناً. وهو صانع الثقافة المحافظة للمؤسسة المالية السعودية، ورجالها. أبا الخيل قليل الكلام، كثير العمل. استطاع بحكمةٍ واقتدار، أن يحسّن استخدام ضخامة موارد الدولة النفطية في السبعينات من القرن العشرين، التي شهدت إنشاء البنية التحتية الجبارة في عهد الملك خالد. كان أبا الخيل يلعب دور المقرض لمؤسسات الدولة. يضع شروطاً قاسية للدفع، ويرهن عملية الصرف بالإنجاز. وفي فترة التسعينات التي شهدت حرب تحرير الكويت، وتراجعاً نسبياً في أسعار النفط، عاود أبا الخيل مقدرته الهائلة في التعامل مع الموارد المالية وصرفها. ومثلما نجح في إدارة أموال الوفرة، تفوّق في التعامل مع ضخامة الالتزامات، وضعف المداخيل، فضلاً عن أنه كان شديد الحذر في التعامل مع الديون الخارجية. وهو استطاع بجدارة، إيجاد ثقافة مالية متميّزة، ونجح في صنع قيادات تشبهه في الجدية والأمانة والإخلاص. من أبرزها عبدالعزيز القريشي، وحمد السياري، وكل منهما تولى قيادة مؤسسة النقد (البنك المركزي)، وفهد الدغيثر، ومحمد الطويل، اللذان خلفاه في قيادة معهد الإدارة العامة، المكان الذي أعطى محمد أبا الخيل صورة كاملة عن الجهاز الإداري للدولة، حين كان يديره. وهو استفاد من هذه التجربة حين اعتمدت عليه الحكومة في الإصلاح الإداري، وساعده المعهد لاحقاً في اختيار رؤساء المؤسسات التي يشرف عليها.

من أبرز إنجازات محمد أبا الخيل، في إدارة الوفرة المالية، صناديق التمويل الحكومي، وكان أهمها صندوق التنمية الصناعي الذي أسس الصناعة السعودية، وأصبح مدرسة تخرّج فيها معظم القيادات السعودية الراهنة في عالم المصارف والاقتصاد.

محمد أبا الخيل لم يكن وزيراً فحسب، وهو تعامل بحذر مع الاستثمارات غير المضمونة، وحمى متانة الاقتصاد السعودي وقوته. ونجح في تكوين مؤسسة مالية جبّارة، لها تقاليد وأُسس معترف بها على مستوى العالم. الأكيد أن محمد أبا الخيل أحد أهم رجالات الدولة السعودية الثالثة، الذين اتصفوا بالنزاهة والأمانة والإخلاص، فضلاً عن أنه ساهم في توطين الخبرة المالية والمصرفية. والتفوُّق الذي تشهده المصارف السعودية اليوم، أحد أهم إنجازات محمد أبا الخيل التاريخية.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available