|   

النسخة: الورقية - دولي

لا شك في أن اختيار الرئيس الأميركي دونالد ترامب للمملكة لتكون الدولة الأولى لزياراته الخارجية كرئيس يحمل دلالة مهمة. فضلاً عن تاريخ العلاقات الموثق بين البلدين، تحولت المملكة أخيراً إلى الأخذ بزمام المبادرات الكبيرة لكبح جماح بعض الدول الماجنة في المنطقة والتي تحركها الأيديولوجيا وضغائن الماضي.

أسست التحالف العربي وقادت «عاصفة الحزم» ثم بادرت بتأسيس وقيادة التحالف الإسلامي، كل ذلك بعد أن أبهرت العالم بصلابتها ومهارتها في القضاء على خلايا الإرهاب داخل المملكة. وداخلياً عكفت وبسرعة مذهلة على تبديل ثيابها وتخفيف وزنها لتتحول إلى دولة عصرية حديثة مرنة قابلة للنمو وجذب رؤوس الأموال والتحرك بخفة مع كل المتغيرات. المملكة كانت وستبقى ورقة رئيسة في الوصول إلى حلول للأزمات التي عبثت بمنطقة الشرق الأوسط، ليس فقط في السنوات الأربع بل في العقود الستة الأخيرة. لا يمكن لأي محلل سياسي عاقل أن يضع المملكة جانباً في أي مشاورات تخص السلام سواء في فلسطين أو سورية أو اليمن بالطبع أو أي مكان آخر. المملكة أيضاً وهي الأولى في مخزون الطاقة العالمي، هي الدولة المستهدفة من حكومات إيران المتعاقبة كما ألمحت، والسبب خلف هذا الاستهداف هو مكانة المملكة الدينية والاقتصادية. إيران وفي محيط طموحاتها التوسعية تدرك جيداً أنه من دون إضعاف المملكة لن يتحقق لها شيء مما تحلم به. هذا سبب محوري وفاضح يفسر دعم إيران للجماعات الإرهابية «السنّية» تحديداً فضلاً عن الشيعية، خصوصاً ما هو موجّه ضد المملكة منذ تفجيرات 11 أيلول (سبتمبر) وتحولها إلى مأوى آمن لقيادات «القاعدة» ممن وبقدرة قادر فر هارباً ووجد نفسه داخل هذه الدولة الطائفية بعد بدء الضربة الأميركية لأفغانستان.

كما أشرت، في مكافحة الإرهاب المنظم ومواجهته عسكرياً وأمنياً أصبحت المملكة تشكل مدرسة متفوقة عالمياً في التعامل مع هذا الملف وهذا بشهادة الأجهزة الأمنية العالمية والأميركية نفسها. السعودية كانت الدولة السباقة التي دعمت الإطاحة بجماعة «الإخوان المسلمين» في مصر في آخر ليل 30 من حزيران (يونيو) 2013. الرئيس ترامب وأعضاء حكومته الأمنيون وخلافاً للإدارة السابقة يشتركون مع المملكة في تقييم خطورة هذه الجماعة، وقد يتحول موضوع دعمها مالياً وإعلامياً من بعض الدول والهيئات القريبة مع الأسف والبعيدة إلى موضوع حاسم على طاولة البحث في لقاءات الرياض.

دينياً يكفي المملكة احتضانها ورعايتها لأعظم بقعتين دينيتين وإنفاقها بسخاء غير مسبوق لتطوير المشاعر المقدسة بما يؤهل هذه الأماكن لأكبر عدد من المعتمرين والحجاج في مناخ مستقر وآمن. السواد الأعظم من مسلمي العالم يقدر دور المملكة البنّاء في لم شمل المسلمين ودعواتها المتكررة إلى السلام والتآلف بين اتباع جميع الأديان السماوية.

أما من الناحية الاقتصادية، فالمملكة وهي عضو فاعل في مجموعة العشرين، تعتبر الأولى في توجهاتها التنموية الطموحة واستثمارها للمستقبل. إذ وبسبب اعتمادها شبه الكلي على مداخيل النفط منذ تأسيسها، تحركت بسرعة مذهلة في العامين الماضيين بسبب هبوط الأسعار السريع وانخرط كبار مسؤولي الأجهزة التنفيذية في الحكومة بالتعاون مع كبريات الدور الاستشارية في العالم في درس البدائل والبحث عن تنوعات جديدة للدخل تخفف من الاعتماد على النفط وهو ما تبلور في برنامجين رئيسين، الأول برنامج التحول الوطني الهادف إلى تطوير الأداء العام والسيطرة على الإنفاق والاستثمار الأمثل للوقت، والثاني برنامج «رؤية السعودية ٢٠٣٠» المعروفة. من أهم ميزات المملكة التنافسية التنوع الديموغرافي للسكان الذي يغلب عليه عمر الشباب وبنسبة كبيرة، بمعنى أن فرص قبول التغيير والعمل المختلف المنتج الخاضع لمعايير التقييم الحديثة ستجد قبولاً أسرع. وقد أثبتت النتائج التي تظهر من وقت إلى آخر كفاءة الطلاب المبتعثين في تخصصاتهم، حتى أصبح خبر فوز المبتعث السعودي أو المبتعثة في مسابقات التفوق في جامعات الغرب خبراً عادياً.

فضلاً عن كل ما سبق تحدث الرئيس الأميركي كثيراً عن المال السعودي ومحاولة الاستفادة منه داخل الولايات المتحدة، وهو يرى ذلك أمراً حيوياً في برنامجه. والمقصود بذلك أنه ينوي حض المملكة على استيراد المزيد من البضائع أو الخدمات من أميركا، ومنها بالطبع مواضيع التسليح والتدريب والتصنيع العسكري. المملكة كانت ولا تزال تنفق الكثير على التسليح وتستعين بالخبرات العالمية والأميركية تحديداً في تطوير أجهزتها وخدماتها، ولذا لا جديد يضاف إلى ما كانت المملكة تقوم به. في كل الأحوال وكما قال ولي ولي العهد أخيراً سيكون المحتوى المحلي في صدارة الأولويات مع كل تعاقد جديد، والولايات المتحدة خير من يدرك أهمية هذا التوجه وهي تصارع الغزو الاقتصادي من المكسيك ودول الشرق.

في أجواء هذه الزيارة التاريخية وما سينتج منها من اتفاقات، يتحدث عدد من السعوديين وأنا منهم عن بعض الأمنيات. فعلى رغم التقدم السعودي في مجال الصحة والصناعات النفطية، توجد حاجة إلى تعاون جديد مع أميركا في التعليم وتخطيط المدن ورفع مهنية الشرطة والمرور، وإن كنت مقتنعاً بأن هذه المحاور هي ضمن إطار برنامج التحول الوطني. التعليم في المملكة لا يزال يئن ويراوح مكانه منذ اختطافه قبل عقود بواسطة بعض الجماعات الدينية المسيَّسة. التعليم يحتاج إلى ثورة حميدة وعارمة وأي محاولات دون ذلك ستعتبر محاولات خجولة ومترددة ومضيعة للوقت، وقد جربنا عدداً منها خلال العقدين الماضيين من دون نتائج تذكر. هل سنطالب باللا معقول لو أوكلنا تطوير التعليم إلى جهة أميركية نمنحها على الأقل خمس سنوات متواصلة لوضع قواعد وأرضيات التعليم وتأهيل المعلمين والمنشآت والمناهج؟ شخصياً لا أرى أي مشكلة فنحن نبتعث طلابنا وطالباتنا إلى أميركا ويكلفنا هذا العمل بلايين الريالات. تخطيط المدن هو الآخر بحاجة إلى مفاهيم جديدة توفر الأمن وترفع جودة المعيشة في الأحياء. لقد تم اعتماد تخطيط معظم مدن المملكة على أيدي «معماريين» غير مؤهلين تم توظيفهم بواسطة مكاتب عقارية بسيطة. يتم وضع المخطط على الأوراق وهو مخطط بدائي ركيك يعتمد بالدرجة الأولى على تحقيق أكبر عائد مالي لمالك المكتب ولمساهميه ثم يتم اعتماده من البلديات من دون أي رؤية مستقبلية شاملة، ويبدأ البيع وتتكشف المشكلات الهائلة بعد البناء والسكن.

أما تطوير الشرطة والمرور فهو حديث مغلف بالحساسية والعاطفة في آن، كونه يتصل برجال الأمن الأفذاذ الذين نحتفظ لهم بكل الحب والثناء والتقدير. لكن، وعلى رغم التفوق المبهر في مكافحة الإرهاب على أيدي قوات الطوارئ الخاصة، تحتاج الشرطة ومعها المرور إلى منهجية جديدة وتدريبات مختلفة للتعامل مع التوسع الكبير في المدن وعشوائية تخطيط عدد كبير من الأحياء كما أشرت. حوادث السير المكلفة للأرواح تعتبر مكلفة مادياً أيضاً وتقدير تكاليف الرعاية الصحية للمصابين يصل إلى البلايين فضلاً عن إسهام هذه الحوادث في رفع الحاجة لعدد غرف التنويم في مدن المملكة.

خبرة الولايات المتحدة وتميزها يكمنان في تشابه مدنها جغرافياً مع مدن المملكة الكبيرة. هناك تعمل أجهزة الشرطة والمرور ضمن مناطق محددة لكل قسم إداري داخل المدينة الواحدة (counties) وقد تضم هذه المدينة عشرات المناطق المختلفة إدارياً.

الرياض على سبيل المثال بحجمها الحالي والمستقبلي أصبحت معقدة وهي بحاجة ماسة إلى تقسيم إداري يخلق منها على الأقل عشر مناطق إدارية جديدة للشرطة والمرور، إضافة إلى الخدمات الأخرى، ومن غير الولايات المتحدة يملك هذه الخبرات والقدرات.

ما لا بد من المرور عليه في هذه المناسبة هو التأكيد على صدقية المملكة على مر التاريخ الطويل مع الولايات المتحدة ومع كل دول العالم.

لا توجد في رأيي دولة نامية تشبه المملكة في علاقاتها مع الدول العظمى. المملكة تسعى إلى التنمية وبناء دولة الغد معتمدة على أموالها وتحارب التطرف وتمنح أيضاً المساعدات عند حدوث الكوارث في العالم من دون تمييز عرقي أو ديني. وحتى عندما تضطر إلى الاقتراض فهي تقترض وتلتزم بالسداد وتسدد بالفعل ومن يريد المزيد من التفاصيل فما عليه إلا مراجعة تواريخ الاقتراض وحالات كل قرض من سجلات مؤسسة النقد والمراكز المالية الكبرى في العالم. كل هذا يعني أن بلادنا ليست عبئاً على أحد ويحفظ لها تاريخها عدم التدخل في شؤون الغير إلا في أضيق الظروف عندما يلامس أحد المجانين الخطوط الحمراء.

هذه العوامل مجتمعة ومتفرقة تدفع إلى الجزم أن قرار الرئيس ترامب وإدارته في تقييم المملكة وأهميتها هو القرار السليم، وأن بناء تحالفات جديدة مع دولة مثل المملكة ودول الخليج ضمن منظومة مجلس التعاون وعلاقة هذه الدول الوثيقة بالعالم الإسلامي الكبير وتأثيرها عليه ستعود بالمنافع الاقتصادية والتنموية الاجتماعية وبناء الإنسان المتطلع إلى الغد الأفضل، وستعزز فرص السلام في هذه المنطقة وفي جميع أرجاء العالم.

 

 

* كاتب سعودي

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة