|   

إفتتاحية "الحياة"


النسخة: الورقية - دولي

كانت الميادين تعج بالمساكين. أقصد بالشبان الأبرياء الحالمين. عثروا على نافذة وتدفقوا منها. قتلوا الخوف الذي بدد اعمار اهاليهم تحت وطأة الفقر والقهر. تعبوا من الخبز الصعب والمياه الملوثة. من الإقامة في بيوت تشبه المقابر. ومن تسوّل الوظائف على أبواب الفاسدين. من أسنان ضابط المخابرات وشاربيه. ومن شراهة بارونات الأمن والحزب. ومن صورة «القائد التاريخي» تهاجمهم حتى في مناماتهم. من الرجل الذي يتكرر ويتكرر. من أوامره ونصائحه. من الذل الغامر. كأنه يستضيفهم في مزرعته ومن حقه ان يطردهم من المكان والزمان معاً. القائد الذي ينام في القصر وموسوعة «غينيس» معاً.

كانت الميادين تعج بالمساكين. انتفضوا ضد العفونة والموت. رفعوا شارة النصر وارتكبوا هتاف «الشعب يريد». تهوروا في احلامهم. بينهم من تحدث عن الديموقراطية. ودولة المؤسسات. وحكم القانون. وتداول السلطة. وحقوق الإنسان. والشفافية. وبينهم من تحدث عن مغادرة الكهوف. والمدارس التي لا تنجب غير جحافل المكفوفين وأنصاف الأميين. والجامعات التي لا ترتكب إلا المذعورين من العصر والراغبين في الانفجار به.

كانت الميادين تعج بالمساكين. وزعموا ان جدار الظلم والظلام قد تداعى. وأن سقوطه أشد دوياً من سقوط جدار برلين. وأن الأمة ستفر من العتمة الطويلة. وأن الشمس ستجتاح السراديب. وأن الذليل المزمن سيخرج الى الضوء. أسوة بأي مواطن آخر في القرية الكونية.

سموه «الربيع» وصدقنا. وقلنا تخالطه بعض الالآم. على غرار ما عاشته اوروبا في مراحل سابقة واستنتجت منه قيم الكرامة والحرية واحترام الفرد والحقوق والتعايش والمسؤولية والمحاسبة والتنمية. ظهرت تربتنا غير جاهزة واستسلمت سريعاً للقوى المتربصة. تلقفت القوى الكامنة الفرصة وتقدمت. فرضت لونها على الساحات والشعارات. حرفت مسار النهر. وأتاحت لها قدراتها المالية والتنظيمية أن تسرق الأحلام وحتى فرصة صناديق الاقتراع. بدت اللعبة قاتلة. نهرب من رجل مستبد ونقع في قبضة فكرة مستبدة. والفكرة أخطر من الرجل لأنها تبني مؤسسات الظلام وترسخها.

كان اسمه «الربيع» ولكن من قتل «الربيع»؟

لنترك جانباً التجربة التونسية المختلفة على الأقل حتى الآن. أفادت من خصوصية بفعل ارث عقود ماضية ومستوى التعليم والانفتاح على لغات أخرى وتمسك المرأة بمكاسبها وحقوقها. أي قراءة هادئة للمسارح الأخرى تظهر ان المتشددين قتلوا «الربيع» خلال محاولتهم الاستيلاء عليه.

يمكن هنا الحديث عن تطورين قاتلين: الأول تجربة «الإخوان» في مصر والثاني مسارعة «القاعدة» والمقاتلين الجوالين الى اقتحام مسارح «الربيع» والتحصن في الدول التي انهارت أنظمتها او تصدّعت.

لا مبالغة في القول إن التجربة الكبرى كانت في مصر وإن المعركة كانت وتبقى فيها. لا أعرف كيف سيستقبل محمد بديع وخيرت الشاطر ومحمد مرسي نتائج الانتخابات الرئاسية؟ وكيف سيقرأون الأرقام التي يُرجح أن تعطي المشير عبد الفتاح السيسي شرعية انتخابية تضاف الى الشرعية الشعبية التي حازها حين تدفق ملايين المصريين في حزيران (يونيو) الماضي ضد حكم مرسي وبرنامج «الإخوان»؟. كنت في القاهرة في تلك الأيام وشممت رائحة الخوف العميق التي سبقت «الثورة الثانية» أو «الموجة الثورية الجديدة». وأنا هنا أستعير التسميات.

كان من المستحيل ان يفعل السيسي ما فعله في تلك الأيام لو لم يسبقه الناس الى الشارع. فزمن الانقلابات القديمة انقضى ثم أن أميركا كانت تراهن على أن يؤدي وجود الإسلام السياسي المعتدل في الحكم الى احتواء ظاهرة «القاعدة» وأخواتها. لا يمكن اتهام الخارج بالوقوف وراء ما حدث. سبب الموجة خوف قطاع واسع من المصريين على هويتهم وتماسك دولتهم ومجتمعهم واستقرارهم وشعورهم بأن الانتظار يعني المزيد من الانحدار في اتجاه الانتحار. وما كان الجيش ليجرؤ على ازاحة رئيس منتخب لولا شعوره انه يترجم بتحركه إرادة أكثرية المواطنين.

أطل المتشددون في ساحات «الربيع العربي» ودمغوه بلونهم. وضاعف ظهور «القاعدة» والمقاتلين الجوالين من الخوف. وقعت المنطقة في «ربيع المتشددين». برعت الأنظمة في توظيف هذه المخاوف. بدت الجيوش كأنها الملاذ الوحيد للقوى المذعورة من «ربيع المتشددين». استعادت الجيوش فرصة كانت اعتقدت انها خسرتها تماماً. شعر العربي العادي أن «ربيع الميادين والمساكين» مات. وأن عليه أن يختار بين «ربيع المتشددين» و»ربيع الجنرالات» ولكل منهما ثمن لا بد من دفعه. في هذا السياق يمكن فهم ما تعيشه ليبيا حالياً ومغزى النداءات التي يطلقها اللواء المتقاعد خليفة حفتر. النظام اليمني يتكئ اليوم على جنرالاته. النظام السوري يتكئ على جنرالاته وجنرالات حلفائه. ساهمت أخطاء «الإخوان» وارتكابات «القاعدة» في إعادة الأولوية الى ملف الأمن والاستقرار ومهّدت الطريق لـ «ربيع الجنرالات». لم تعد سراً هوية من قتل «الربيع».

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
  1. Alternate textaymen dalati

    السلطات مهدت السبيل للمتشددين لتقويض الثورات, فما بعد المتشددين إلا الجنرالات, ومابعد الجنرالات إلا ثورات العبيد.

    الأحد 25 أيار 2014 9:43 م

  2. Alternate textماهر من سوريا

    توصيف رائع للربيع العربي الذي اصبح ربيع الجنرالات في سوريا قد يتجه الناس إلى مبادلة كل شيء من أجل لقمة العيش و الأمن لقد سالوني من فترة هل سقط النظام ، فقلت من سقط هو الشعب السوري مفارقة الحرية ( لا نريدها من كثرة آلام الوصول لها ) نحن فعلاً ذوو تربة غير ملائمة للثورات ، و لكن متى ستصبح تربتنا ملائمة ؟ هذا هو السؤال

    الأحد 25 أيار 2014 11:33 م

  3. Alternate textHazem Thawra 1

    في حديثك الصادر عن المرارة في القلب، وعن التوجع في الجسد، وعن العقم في التفكير لصانعي بعض الأحداث، أثرت لدينا الشجون في مسرح ما حدث، منذ ما جاء عساكر المخلص، ليصبحوا منظري الأمة، مع لألأة نجوم الأكتاف، وتأتأة حديث الأبطال المصنـّعة. جاءت إلينا منذ نصف قرن، فإذا بها تصنع لنا الهزائم، وترسم لنا كوارث التشريد، التي جاءت جنبا إلى جنب مع وحوش الغابة، تحمل فوق ظهورها نواقيس الخلاص مرة ثانية، من دون أن تغير الزي، لكن النجوم زادت، بحيث أصبح لدينا جنرالات، تنوء بحمولاتها المسروقة أجساد حامليها. هذه المرة جاء بجانبها رواد ’قاعدة‘ أخطأوا وخالفوا التعاليم القرآنية : ’يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلـّـموا على أهلها ذلك خير لكم لعلكم تذكّرون‘.[24](27) فدخلوا الأبراج بالطائرات ومن نوافذها. ما الفرق بين ذلك ومذابح الأمريكان في جنوب شرق آسيا ضد المدنيين الأبرياء العزّل في فييتنام. نعود إلى جنرالاتنا الأشاوس، مغتصبي السلطة مجددا، أو المداومين عليها إرثا عن آبائهم، الذين لم يألوا جهدا في تسليم القنيطرة، ثم إعادة مبادلتها بأرض ليحتفلوا فيها بالنصر الكاذب، ورفع العلم،يتبع/2

    الإثنين 26 أيار 2014 1:25 ص

  4. Alternate textHazem Thawra 2

    تابع/1 وهم لصوصٌ، مغتصِبون، ومورَّثون، على حد سواء، ثم الآن قتلة، ومدمروا القرى والمدن بأسلحة كان من المفترض أن تقاوم عدوا، لا أن تقتل شعبا وتشرده لتقيم عصبية نصيرية، مستجيبة لنداء أمريكي بالقضاء على المخربين. أرأيت، يا أستاذ غسان، كيف جاء أربعة مدنيين كبار للتظاهر ضد مرسي أول رئيس منتخب عربيا وديمقراطيا منذ ستة عقود، وخلعوه ولما يمض عام على تسلمه المنصب العام، وعادوا لتسليم جنرال منصبه بالتزوير، وبدءا بالتفويض. أعود فأقول إني لست من الإخوان، لكني لست مع هذه المهزلة، ولا مع شبيهتها في الشمال السوري التي ستحصل قريبا. إذا لم تـُجِد جنرالاتنا الحرب، فلتعد إلى بيوتها في رؤوس الجبال، ذلك خير لها. ليس هناك مَن يترجم بتحركه إرادة أكثرية المواطنين، جربناهم سابقا، وفقدنا بواسطتهم الكثير.

    الإثنين 26 أيار 2014 1:25 ص

  5. Alternate textحر

    اود التذكير ان ثلة من المفكرين و الكتاب بدعم من الانظمة السابقة و الخارجية ادانوا الربيع العربي منذ لحظة تفتحه وقبل دخول ما يسمى بالقاعدة اليه. استاذي كان عليك كصحفي بمستوى متميز ان تكشف لنا من دعم ومول ما يسمى بالتطرف و الارهاب لاجهاض الربيع العربي. نعرف ان ملكيات اوربا تحالفت واجهضت الثورة الفرنسية الى حين,,, فهل ما يحصل لدينا هو تكرار للتجربة الى حين؟؟

    الإثنين 26 أيار 2014 6:55 ص

  6. Alternate textDr abdulmoutisouwed

    المقال جيد وكذلك التعليقات المذكورة اعلاه .

    الإثنين 26 أيار 2014 6:56 ص

  7. Alternate textسالم علي ساالم احمد

    الديموقراطية في اليمن موجودة لن نصدق من يمنا عودة الديكتاتورية ويوهمنا قاصد ليان عزيمتنا.

    الإثنين 26 أيار 2014 7:04 ص

  8. Alternate textد.سعـد بساطـة/استشاري أعـمال

    ومن سورية: عـصبة يافعـين تقافزوا - بفعـل حمى الشباب- أو وفق شعـارات مستنهضة، تواروا من اللحظة الأولى أمـام: 1) بلطجية استفادوا من حالة اللا حرب واللا سلم، 2) سفلة معـهم بندقية للإيجار، 3)أنـاس استفادوا من "ضياع طاسة الحمـّام" فدبكوا؛ 4) حاقديـن ينتظرون تلك اللحظة لتسوية حسابات شخصية مؤجـّلة؛ 5) مرتزقة أتوا من كل حدبٍ وصوب يغـريهم لمعـان النقود وبريق الغـنائم، 6) متأسلمين متطرفين متناثريـن في الغـرب، مغـسولي الأدمغـة واستغـل الغـرب هذا: - تدمير بنى تحتية تحلم شركاتهم بإعـادة بنائها وفق عـقود أسطورية (كويت، عـراق ، ليبيا),, واستغـلت إسرائيل هذا: - نهش في عـضد الجيوش العـربية، وتلقف الطُـعـم دويلات تسعـى لأن تخضع لـ ( Upgrading )من :مشيخة إلى شبه دولة!! واستغـلت دول الجوار وأولها تركيا (تباً): لقرصنة منظمة تتصنف تحت بند ((خزي وعـار)).. ربيع عـربي، أم هـباب صهيوني بامتياز ! سؤال مطروح، فهل هنالك من إجابة؟؟؟

    الإثنين 26 أيار 2014 8:57 ص

  9. Alternate textابو يوسف

    تحامل غير منصف على الفكر الإسلامي. ووصفه ****. يا ليتهم يعطونه الفرصة. ولكن المستقبل لهذا الدين.

    الإثنين 26 أيار 2014 10:40 ص

  10. Alternate textجعفر البصري

    للأسف ان الفقراء دائماً يقومون بالتظاهرات والاعتصامات من اجل المطالبة بحقوقهم ولكن يأتي الانتهازيون فيسرقوا منهم نضالهم تحت عنوان انتخابات او حكومات مؤقتة أو أي باب آخر وللأسف لا يوجد من يهتم لمصالح الشعوب العامة والعليا الكل يبحث عن مصلحته الضيقة والحزبية الفئوية وهذا الأمر يؤدي بالنتيجة الى انهيار المجتمع العربي والاسلامي.

    الإثنين 26 أيار 2014 11:16 ص

  11. Displaying results 1-10 (of 15)
      < 1 2  > 
مقالاتالأكثر قراءة