|   

إفتتاحية "الحياة"


النسخة: الورقية - دولي

كان ذلك قبل اندلاع الاحتجاجات في محافظة الأنبار. كنت في مهمة صحافية في احدى العواصم وعلمت بوصول مسؤول عراقي إليها. قلت أغتنم الفرصة للتعرف إليه وسماع وجهة نظره.

استقبلني بلطف واضح. سألته عن الوضع في العراق فرد انه أفضل بكثير من السابق. وأن العملية السياسية مستمرة والحالة الأمنية أفضل. وأعرب عن اعتقاده أن التحسن مرشح للاستمرار وأن العراقيين سيقفون سداً منيعاً امام القوى التي يمكن أن تهدد وحدتهم والتعايش بينهم.

شعرت بالانزعاج لأن متابعتي للموضوع العراقي تقودني الى استنتاجات مغايرة تماماً. أدركت أن المسؤول يستخدم لغة اللياقة والعموميات لأنه يستقبل صحافياً لم يلتقه من قبل. غلبتني الوقاحة فقلت للمسؤول إنني جئت لمعرفة الوضع على حقيقته خصوصاً أن الجلسة ليست للنشر وأنني لن أشير الى اسمه لا من قريب او بعيد لأنني ادرك حساسية موقعه.

شدد الرجل على أن الكلام ليس للنشر باسمه. كررت تعهدي فانطلق على سجيته. أخرج من جيبه ورقة وراح يقرأ منها. انها جدول بتراجع عدد المسؤولين السنة في الوزارات. تحدث عن بناء القوات المسلحة على قاعدة طائفية و «تنظيف جهاز الامن من اي وجود سني فاعل». قال الرجل ما هو اخطر من ذلك: «حاولوا دفع ضابط كبير في موقع حساس في احد الأجهزة الى الاستقالة. حين رفض أرسلوا من اغتاله قبل اسبوع». كشف ان بعض منفذي الاغتيالات يحملون بطاقات تسهل مرورهم على الحواجز الأمنية.

سألته الى أين يتجه العراق اذاً، فاجاب: «الوضع شديد الخطورة. مرجعية نوري المالكي ليست الدستور. لن يقبل السنّة باستمرار سياسة الاقصاء والتهميش. انا شديد التمسك بوحدة العراق لكن السنّي العراقي لن يقبل ان يعيش مواطناً من الدرجة الثانية. اذا تعذر التغيير بسبب امتلاك المالكي دعماً ايرانياً وتأييداً اميركياً سيحصل انفجار. ربما ترى السنّة يطالبون بإقليم خاص بهم. في اوساطهم قلق شديد على موقعهم في البلد وعلى عروبته ايضاً. تخطئ ايران اذا اعتقدت انها تستطيع ادارة العراق بالأسلوب الذي ادارت به سورية لبنان والذي انتهى على النحو المعروف».

سمعت البارحة كلاماً مشابهاً او أخطر. قال سياسي عراقي ان العراق مقسم عملياً وليس مهدداً بالتقسيم. اعتبر ان تقدم «داعش» السريع والمذهل مجرد تأكيد لتدهور العلاقات السنّية - الشيعية. رأى ان «داعش» لافتة كبيرة لكن الذين اضطلعوا بدور بارز في انهاء الوجود الحكومي في الموصل وانحاء اخرى هم عسكريون سابقون ومدنيون شاركوا في عمليات المقاومة ضد الاحتلال.

قال ايضاً ان «داعش» لن تستطيع اقامة امارة والاستقرار فيها طويلاً. وان ابناء المناطق انفسهم سيضيقون ذرعاً بتعصبها وتخلفها وسيتولون انهاء سيطرتها. ودعا الى قراءة ما حدث في سياق اوسع وهو ازمة دور السنّة في العراق. وشدد على ان الخروج من الازمة لا بد أن يبدأ بإخراج المالكي وتصحيح مسار العملية السياسية واعادة شيء من التوازن الى موقع العراق الاقليمي.

استوقفني قوله إن ازمة موقع السنّة لا تقتصر على العراق وحده «بل هي مطروحة بحدة في المنطقة التي يسميها الاعلام احياناً الهلال الشيعي او هلال الممانعة وهي في النهاية المنطقة التي تمكنت ايران من احداث تغييرات كبيرة في دولها».

وأضاف: «ما كانت الاحداث في سورية تصل الى ما وصلت اليه لولا شعور المكون السنّي بالتهميش. من هذه الثغرة بالذات تسربت «داعش» و «جبهة النصرة» الى الاراضي السورية. قسوة المشاهد الوافدة من سورية اعادت اشعال الجمر العراقي خصوصاً بعد تورط حكومة المالكي هناك لحسابات ايرانية. في لبنان ايضاً لا يمكن فهم الازمة على حقيقتها الا بالتوقف عند ازمة موقع المكون السنّي الذي يشعر بأنه مستهدف من سياسة تحالف الاقليات. انها ازمة موقع السنّة في العراق وسورية ولبنان، وهم بالمناسبة ليسوا اقلية اذا اخذت في الاعتبار سقوط الحدود بين هذه الدول. الخيار إما العودة الى احترام التوازنات وصوغ توافقات فعلية وإما حرب طويلة مدمرة لحسم المواقع المذهبية في الهلال. وهي حرب تتيح لـ «داعش» وأخواتها التحصن هنا والتقدم هناك وانهاء ما تبقى من هياكل الدول مع تمزيق التعايش والخرائط. اخطر ما يمكن ان يحدث ان تتعامل ايران مع ما يجري في العراق باعتباره مجرد مؤامرة لتقطيع اوصال الهلال وهو ما فعلته في سورية».

اصعب ما يواجهه الصحافي العربي هو اشتراط من يتحدثون بصراحة ان لا ينشر الكلام باسمائهم. احترم ارادة المتحدثين لكنني وجدت في الكلام ما يساعد على فهم غليان المشاعر في بلدان الهلال التي تبدو موعودة بمزيد من الاهوال.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
  1. Alternate textaymen dalati

    لا جديد في المقال, فما تراه العين لم يعد بحاجة لتحليل كي نفهمه ونعيه, بل يمكن للقارىء المتابع أن يضيف كلاما صريحا فوق كلام المتحدث الصريح الذي اشترط عدم ذكر إسمه, ويمكن تلخيص الوضع الحالي الأسود بأن العرب السنة يسير بهم قادتهم من مسلخ لمسلخ ولا يتوقفون ,وأن العرب الشيعة مع الفرس الشيعة توقد فيهم إيران نار الشر أكثر وأكثر, فلا تبدو حتى اللحظة إلا إسرائيل كفرقة ناجية.

    الأحد 15 حزيران 2014 8:55 م

  2. Alternate textفهد المطيري_السعودية

    فعلا كلامه صحيح والذات حينما قال سنة العراق يخافون ويحفضون عروة العراق واسلامه وهم اكثرية والا لماذا لا يعملو تعداد أو تجنيد اجباري مثل ما حصل سابقا ؟ لأنه يبين النسبة الحقيقية ومن قال ان الشيعة اكثرية هو ******* بطاطو شكرا

    الأحد 15 حزيران 2014 9:26 م

  3. Alternate textHazem Thawra 1

    يوم قامت أمريكا بغزو العراق، مرتين، كان هدفها تحطيمه. السبب إسرائيل وتطمينها، لذلك منعتها من التدخل إلا في تدمير المفاعل العراقي. ثم كان استدراجه لغزو الكويت مكشوفا، لذلك طردوا إبريل غلاسبي من ساحة السياسة الأمريكية، واختاروا استثمار حقل مجنون المختلف عليه سببا لاستثمار الحقل من قبل الكويت، فبدأ الغزو الأمريكي للعراق لتصحيح الأوضاع في الخليج، وهي لم تحاول تصحيحها إطلاقا، في كل المنطقة، يوما. وللأسف، شارك العرب وعلى رأسهم مصر وسوريا في التحرير المنشود، بتأمين قرار إجماعي صادر ضد العراق الغازي، وليس الاستثمار لذلك الحقل المجنون. وقفت سوريا مع إيران أثناء حربها مع العراق وقطعت خطوط تصدير النفط العراقي عبر أراضيها، إمعانا في خنقه، وساعدت إسرائيل بمد إيران بقطع تبديل الأسلحة ومنها للطيران الإيراني (إيران غيت). فجّر الغدر ثورة في جنوب العراق لإنقاذ ’الأغلبية‘ المظلومة بحكم ’الأقلية‘ الحاكمة. وأصبح حكم الملالي هو الممثل الشرعي للإسلام، أما الإسلام الآخر فقد صار وضعه مشبوها بعد أحداث 11/9. وصار يُسمى بالإرهابيين. اكتمل التوازن ’العادل‘ لدى الأمريكيين بين الإسلامين، فجاؤوا بتلفيقة أسلحة يتبع/2

    الإثنين 16 حزيران 2014 12:18 ص

  4. Alternate textHazem Thawra 2

    تابع/1 الدمار الشامل في العراق والتفتيش عنها، وخاصة في غرفة نوم صدام، إمعانا بالإذلال والوقاحة، وساعدهم في ذلك الشيعي أولا، نوري المالكي. ثم أعدموا الرجل صباح يوم العيد، قبل استكمال محاكمته، للإسراع بتطبيق العدالة التي يشتهر بتطبيقها الأمريكيون على هواهم. وها هم الآن يرسلون حاملة طائرات جديدة للخليج لإعادة دور الأقلية والأكثرية في العراق على الطراز الأمريكي، الذي لم يقولوا فيه هنا إن هناك قدرة للأمريكيين للتدخل، كما قالوا في سوريا، يوم جرى تجاوز الخط الأحمر. وعاد التوافق في إرسال المتطوعين الإيرانيين إلى الساحة العراقية في لعبة توازن الأغلبيات والأقليات الأمريكية الصنع والتصنيع، لكن هذه المرة في تقطيع الأوصال على أساس ديني، أليس ذلك هو طلب الحكومة اليهودية في إسرائيل.

    الإثنين 16 حزيران 2014 12:19 ص

  5. Alternate textمحمد علي

    ثوار العراق ادركوا ان الطريق الى بغداد لا يأتي هدية من امريكا لذا عقدوا العزم على تولي امورهم بانفسهم كما انهم احرص على النعايش مع غيرهم بل اكثر من ذلك ازدهار العراق وطوائفه في ظل حكم اهل السنة لما يتميزون به من تسامح وتعال كبير عن المذهبية الضيقة والطائفية المقيتة التي طغت على الحكم في سوريا والعراق ولن تحقق اسرائيل حلمها في تمزيق الامة الواحدة

    الإثنين 16 حزيران 2014 4:40 ص

  6. Alternate textأحمد

    هل يعقل أن تكون داعش ثورة ويقوم البعض بالتهليل لها، نحن قوم متخلف علينا فقط خلق المبررات لما يفرزه عقلنا الطائفي المتحجر ***** "اين كانت الصحافة" قبل ان تفعل داعش ما تفعله بالعراق لم نقرأ اي كلمة عن قهر **** بالعراق وهم من طبل وزمر لأمريكا عندما اتت ودهست ***** وصدامهم يجب ان يترفع العرب عن عنجهيتهم الطائفية

    الإثنين 16 حزيران 2014 5:33 ص

  7. Alternate textعباس العباس

    مع أحترامي الكبير لشخص الأستاذ شربل، إلا ان المقال يحمل ريحاً لا تتناسب مع الواقع الحقيقي في العراق. العرب السنة كانو يتسيدون المشهد السياسي ايام حكم صدام، بل كانت لهم الأولوية في كل مناخات الحياة العراقية. اختلف مع المالكي اختلافاً كبيراً لكن لماذا نتعارض مع صوت الصناديق، إليست الصناديق هي التي افرزت المالكي، ولماذا يحاول الإعلام العربي والخليجي تحديداً اللعب على وتر الطائفية وترجيح كفة دون غيرها. إذا كانت داعش هي الممثل الثائر لدى الأطراف السنية فبئس هذا التمثيل وبئس هذا التفكير وبئس العروبة ... نحتاج إلى شخصيات لا تعيش في جلباب المذهب او الخندق الطائفي، نحتاج إلى شخصيات تعي مفهوم المواطنة بدل من دق الطبول للأقتتال.

    الإثنين 16 حزيران 2014 5:58 ص

  8. Alternate textشاكر ابو سمرا

    قول الكاتب ان " في لبنان ايضاً لا يمكن فهم الازمة على حقيقتها الا بالتوقف عند ازمة موقع المكون السنّي الذي يشعر بأنه مستهدف من سياسة تحالف الاقليات." غير صحيح لأن ليس في لبنان تحالف أقليات يستهدف السنة اذ ان أغلبية الدروز لا يعادونهم وحوالي نصف المسيحيين يتحالفون معهم وهم يهيمنون على مجلس الوزراء وعلى اغلب مقدرات البلد.

    الإثنين 16 حزيران 2014 6:28 ص

  9. Alternate textالمحامي جودت رزوق

    لايمكن تجاوز الأزمة المستفحلة في العالم العربي والمتفاقمة والنامية بفعل التحريض الديني والمذهبي لبعض الدول والجماعات بدعوى إعادة التوازن الى المنطقة! إلا بالرجوع الى الماضي القريب وإسترجاع ما حصل فيه من أحداث وحروب عبثية لأن ما يحصل اليوم هو بالتحديد من تداعيات تلك الأحداث وخصوصاً الحرب العربية العبثية على إيران والدعوة الجهادية ضد السوفيات في أفغانستان ومن غير إجراء مراجعة موضوعية وعادلة لهاتين الحربين، ما من فرصة للخروج من تداعياتهما المتنامية والتي ستستمر. - لأن الحرب على إيران وما رافقها من إلغاء وإقصاء وقتل للمواطنين الشيعة في بلدانهم بدعوى أن ولائهم المذهبي لإيران يتقدم على ولائهم الوطني. خلافاً للحقيقة والواقع على الجبهة العراقية مع إيران أثناء تلك الحرب أو في جنوب لبنان بمواجهة الإحتلال الإسرائيلي. - وكذلك الحرب الجهادية على السوفيات في أفغانستان وما رافقها من إدعاء وغطرسة من أن عدة آلاف من الجهاديين الإسلاميين هزموا الإمبراطورية السوفياتية وبالتالي أسقطوا الشيوعية العالمية حيث الحقيقة هناك كانت فخاً معداً بحرفية وإتقان وقع فيه كل جماعات الإسلام السياسي ومن يقف خلفهم وأراد إستثمارهم.

    الإثنين 16 حزيران 2014 11:55 ص

مقالاتالأكثر قراءة