|   

النسخة: الورقية - دولي

لم يكن رحيل الرئيس جلال طالباني قبل أيام مفاجئاً للساحة السياسية العراقية، فقد غاب الرجل عملياً منذ أواخر 2012، إثر جلطة دماغية أعاقته عن تأدية مهامه لعامين تقريباً. وعلى رغم أن الدستور ينص على اختيار بديل خلال 30 يوماً في حال عجز الرئيس عن أداء مهامه، فإن أحداً لم يجرؤ على المطالبة بتفعيل هذه المادة لما تمتع به طالباني من احترام بين العراقيين، عرباً وأكراداً.

تميز طالباني بحنكة سياسية نادرة ونظرة ثاقبة مكّنتاه من البقاء قوياً في الساحة السياسية العراقية والدولية، على رغم الصعوبات الكبيرة التي اعترضته وكان يمكن أن تعترضه. فقد قاد حركة مسلحة تسعى لتقسيم دولة عضو في الأمم المتحدة والجامعة العربية، وهذا وحده كاف لاستعداء العالم، لكنه احتفظ بعلاقات ودية مع العديد من الدول، بما فيها العربية.

كما حظي باحترام الأوساط الثقافية والإعلامية لاهتمامه بالثقافة والأدب وحرصه على توظيفهما لمصلحة السياسة. كنت قد دعوته لزيارة مقر «بي بي سي» عام 2002 أثناء عملي فيها، فلبى الدعوة بلا تردد، وعندما أخبرت الإدارة بأن طالباني سيزورنا في بوش هاوس، فرح مديرو الأقسام ومقدمو البرامج واستقبلوه استقبالاً حافلاً وظل طوال اليوم يتنقل بين الاستوديوات لإجراء المقابلات.

انخرط طالباني ضمن نسيج الأحزاب اليسارية العالمية حتى أصبح نائباً لرئيس منظمة الاشتراكية الدولية. ولم تمنعه يساريته وعلمانيته من إقامة علاقة وطيدة مع إيران الإسلامية أو الولايات المتحدة الرأسمالية، كما لم تمنعه طموحاته القومية الكردية، المناهضة للحكم العربي، من التفاعل مع العرب ثقافياً وسياسياً. كانت لديه قدرة مذهلة على صياغة خطاب مقنع، وأتذكر كيف تمكن من امتصاص غضب أعضاء مجلس الحكم أثناء استجواب وزير الخارجية، هوشيار زيباري، عام 2004 الذي كان صرح أثناء اجتماع وزراء الخارجية العرب في القاهرة أن «الشيعة العراقيين موالون لإيران»! ألقى طالباني خطاباً بليغاً حافلاً بالمعلومات حول المواقف الوطنية للشيعة، مندداً بكل من يشكك بوطنيتهم حتى أحرج زيباري وجعل الشيعة يتعاطفون مع موقفه، فانبرى عادل عبد المهدي مدافعاً عنه قائلاً: «لكل جواد كبوة».

رافقتُ طالباني في عدد من زياراته الخارجية ورأيت حنكته وقدرته على كسب المواقف لقضيته. لم يعرف اليأس في حياته، فهناك دائماً حل لأي مشكلة يكمن زاوية مظلمة والمطلوب إضاءة تلك الزاوية كي يبرز! في أواخر 2003، ترأس وفداً لزيارة تركيا، واستقبله في أنقرة وزير التجارة ووزير الخارجية بالوكالة. كان الوزير التركي فظاً في تعامله مع الوفد العراقي، وربما كانت تلك سياسة رسمية، إذ رفض رئيس الوزراء، أردوغان، استقبال أعضاء الوفد جميعاً، بل قصر استقباله على طالباني وبعض الأعضاء، ما سبب امتعاضاً لدى الآخرين. استخدم الوزير التركي عبارات غير ديبلوماسية، وخاطب سكرتير الحزب الشيوعي العراقي، حميد مجيد موسى، متهكماً: «كيف قبل الشيوعيون أن يتعاملوا مع الأميركيين؟»، فرد عليه موسى: «هذا أمر طبيعي فعندما يغير الآخرون مواقفهم نغير نحن مواقفنا».

كرر الوزير التركي تعبير «الفوضى في العراق» أثناء المؤتمر الصحافي المشترك، لكن طالباني تجاهل الرد عليه، فحسبتُ أنه ربما لم يسمعْه جيداً فكتبت له موضحاً ما قاله الوزير وضرورة الرد عليه. لم يرد طالباني حتى بعد تنبيهي إياه، بل أخذ يشرح بتفصيل ما يحصل في العراق مشيراً إلى الإنجازات التي تحققت ومنوهاً بأن المشاكل التي يعاني منها العراق إنما تحصل في دول أخرى لم تعانِ ما عاناه من ديكتاتورية وحروب وعقوبات دولية، لذلك «لا تمكن تسمية الوضع في العراق فوضى»، مذكراً بأهمية العراق الإقليمية والدولية وضرورة أن تتفاعل الدول جميعاً مع التغيير السياسي إيجابياً كي تضمن تحقيق مصالحها. بعدذاك غيّر الوزير التركي موقفه وربما شعر بأنه تجاوز كثيراً على العراقيين باستخدامه تعبير «الفوضى».

وأثناء زيارتنا إيران، بدا طالباني منسجماً كلياً مع المسؤولين الإيرانيين، وكان يتحدث معهم طوال الزيارة بالفارسية التي يجيدها إجادة تامة، ما ساهم في تهميش أعضاء الوفد الذين لا يجيدون الفارسية. وقد حظي باحترام واهتمام بالغين واستقبله المرشد علي خامنئي والرئيس محمد خاتمي ورئيس الحرس الثوري رحيم صفوي بالإضافة إلى وزيري الخارجية والداخلية.

أهم صفة يمكن إطلاقها على طالباني هي البراغماتية وسهولة تغيير موقفه عندما يرى ضرورة لذلك. ففي أيار (مايو) 1983، أجهز حزبه على سبعين شيوعياً عراقياً معارضاً كانوا يقيمون ضمن مناطق نفوذه في حادث عُرف بـ «مجزرة بشتاشان»، وما زالت تفاصيله غامضة بسبب تجنب الطرفين الحديث عنه، لكنّ كثيرين يدّعون أن طالباني تواطأ مع صدام في قتله حلفاءه الشيوعيين.

وفي شباط (فبراير) 1991، نظمت المعارضة العراقية مؤتمراً في بيروت حضرته كل الأطراف وكان طالباني عنصراً فاعلاً فيه. اتفق الجميع على العمل معاً خلال المرحلة المقبلة لإطاحة النظام وتأسيس حكم جديد. وبعد اختتام أعمال المؤتمر بأيام قلائل، فاجأ طالباني العالم بظهوره في بغداد معانقاً صدام!

تخلى عن حلم إقامة الدولة الكردية «لأنه غير ممكن، والأفضل هو الحصول على الحقوق والعيش ضمن العراق». كما تحالَف مع نوري المالكي ومكّنه من البقاء في رئاسة الحكومة بعد انتخابات 2010 على رغم أن كتلته لم تكن الأكبر، وأعاق سعي 175 نائباً لسحب الثقة من حكومته في أواسط 2012 وكان ذلك آخر موقف سياسي يتخذه قبل إصابته بالجلطة الدماغية.

إن لم يكن رحيل طالباني مفاجئاً، فغيابه النهائي يشكل منعطفاً كبيراً في السياسة العراقية والكردية، وسوف يقود إلى إعادة تشكيلها. لقد ضعف حزبه كثيراً أثناء مرضه بسبب الصراعات الداخلية التي دفعت نائبه، برهم صالح، لأن يؤسس حزباً جديداً، بينما بقي الآخرون في تجمع غير متجانس تقوده فعلياً زوجته هيرو، ونجله قُباد. وفي ظل الأزمة الحالية التي أثارها خصمه مسعود برزاني بإجرائه استفتاء حول الاستقلال، معرّضاً الإقليم لأخطار داخلية وخارجية كثيرة، لم يبقَ حزب كردي قوي، ولديه مواقف واضحة، سوى حركة التغيير التي عانت هي الأخرى بسبب رحيل مؤسسها، نوشروان مصطفى. لقد رحل طالباني، رجل الصفقات والمفاجآت، لكن غيابه سيخلق مفاجآت أخرى قد تكون أخطر وأبقى.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة