|   

النسخة: الورقية - دولي

لا نعرف بالضبط المدى الحقيقي لمساهمة الفنان الإنكليزي المقيم في هوليوود ذلك الحين، تشارلز لوتون، في التعديلات اللافتة التي أجراها برتولد بريخت في العامين 1945 - 1947، على مسرحيته الكبيرة «حياة غاليلي» - أو «غاليلي» فقط - التي كان كتبها في العام 1938 لتقدم للمرة الأولى في لغتها الألمانية الأم في زيوريخ بسويسرا بعد ذلك بخمسة أعوام. أما النسخة الأميركية فافتتحت يوم 30 تموز (يوليو) 1947 على خشبة مسرح كورونيت في لوس أنجليس تحت إدارة المخرج السينمائي جوزف لوزاي. يومها لعب لوتون، بالطبع، دور العالم المشاكس الذي اضطهدته الكنيسة وحاكمته حتى اضطر للإذعان أمام جبروتها إنما دون أن يفوته أن يختم القصة كلها هامساً لمن يريد أن يصغي إليه: «... ومع هذا فإنها تدور». ونعرف أن تلك التي تحدّث غاليلي عن دورانها إنما هي الكرة الأرضية التي كان أكد علمياً دورانها حول ذاتها وحول الشمس فيما كانت الكنيسة تريد منه أن ينكر ذلك ويقول أن الشمس ثابتة في مكانها على الضد ليس فقط من قناعاته العلمية، بل كذلك على الضد من كل منطق كان معروفاً على أية حال، منذ أيام اليونان وربما من قبل ذلك.

> لا نعرف مدى مساهمة لوتون في النص الإنكليزي الذي يختلف الى حد ما، وأحياناً الى حدّ كبير، عن الأصل الألماني. لكننا نعرف أن المساهمة كانت كبيرة. بل إن فكرة تقديم المسرحية في اقتباس إنكليزي، كانت أصلاً فكرة تشارلز لوتون الذي كان قد ارتبط قبل ذلك بصداقة متينة مع الكاتب الألماني الذي كان في ذلك الحين يعيش منفياً في الولايات المتحدة، لكنه وإذ انتهت الحرب بدحر هتلر ونازييه الذين كانوا وراء نفيه الى تلك القارة التي لم يحبها لكنه مع ذلك اضطر الى المساهمة في سينماها الهوليوودية دون أن يستسيغ ذلك، ثم بعد حين لم تتوان عن اضطهاده بسبب أفكاره، عاد بسرعة الى دياره الألمانية. ونعرف أن تقديم «حياة غاليلي» كان دافعاً إضافياً للاضطهاد، وكذلك ملاحقة جوزف لوزاي الذي سيضطر لاحقاً الى اللجوء الى بريطانيا... الى آخر هذه الحكاية التي تعتبر لطخة سوداء في تاريخ أميركا.

> ونعود الى لوتون لنشير الى أن بريخت يفرد للحديث عنه وعن تعاونهما معاً على إعادة كتابة المسرحية، صفحات وفقرات عديدة في يومياته، مشيداً به ومتحدثاً عن استضافة لوتون له بكرم في منزله الفسيح ما ربطهما بصداقة عائلية. كذلك يتحدث بريخت في اليوميات عن أحاديث طويلة دارت بينهما خلال العمل المشترك، وفيها اشتكى لوتون من الوضعية السيئة التي يعيشها الفنانون في بريطانيا، رغم سمعتهم الهائلة كأساطين تمثيل حقيقيين، مؤكداً أن ذلك ما كان يدفعهم الى البحث عن الرزق والمكانة في القارة الجديدة «فيضخّون هوليوود بمواهب سرعان ما تتحطّم على صخرة التفاهة الهوليوودية» وفق تعبير لوتون.

> مهما يكن نعرف أن لوتون الذي كان أحد عباقرة التمثيل في السينما كان ممثلاً مسرحياً رائعاً. لكنه عُرف كذلك بإخراجه فيلماً سينمائياً واحداً يعتبر من العلامات في هوليوود. وهو في هذا الصدد له شبيه في السينما العربية، في ناحية واحدة على الأقل من نواحي حياته، هو الراحل شادي عبدالسلام الذي، بفيلم طويل واحد حققه طوال هو «المومياء»، يعتبر اليوم واحداً من أفضل السينمائيين العرب، كما يشغل فيلمه الذي تحوّل الى أسطورة مع مرور الزمن، مكانة في الصف الأول بين أعظم عشرة أفلام سينمائية عربية. ووجه الشبه بين شادي عبدالسلام والفنان البريطاني تشارلز لوتون يكمن ها هنا، فلئن كان لوتون قد عُرف على مدى تاريخ فن السينما في بريطانيا كما في الولايات المتحدة بكونه ممثلاً كبيراً قام بأدوار خالدة، فإن شهرته الأساسية، أي شهرته الأسطورية، قامت انطلاقاً من ذلك الفيلم الواحد، لا غير، الذي حققه طوال حياته ويعتبر واحداً من أفضل عشرين فيلماً حققت في تاريخ السينما. الفيلم هو «ليلة الصياد» الذي حققه لوتون، على سبيل النزوة، في العام 1955 من بطولة روبرت ميتشوم وليليان غيش. ترى هل كان تشارلز لوتون حين حقق هذا الفيلم يعرف أنه سيقف ذات يوم في مصاف «المواطن كين» و «الدارعة بوتمكين» بين قمم إنتاجات فن السينما؟

> أبداً. لقد أصر هو على أن يقول دائماً انه حين أقدم على إخراج ذلك الفيلم، من دون أن يمثل أي دور فيه وهو الممثل الشكسبيري الكبير، إنما كان يحل مشكلة ويتسلى في الوقت نفسه، من دون أن يأخذ عمله الإخراجي فيه مأخذ الجدية. ومع هذا ها هو «ليلة الصياد» يدخل الأسطورة من بابها العريض، وها هو يُنسي الناس في بعض الأحيان حتى أن تشارلز لوتون كان واحداً من كبار ممثلي الفن السابع، هو الذي ظل يقوم بالأدوار الكبيرة حتى الأسابيع الأخيرة قبل رحيله عن عالمنا في العام 1962.

> صحيح أن لوتون قد أمضى الجزء الأكبر من حياته الفنية في هوليوود، لكنه كان على الدوام بريطانياً أصيلاً في بريطانيّته. فهذا الفنان الذي ولد في العام 1899 في سكاربورو بمقاطعة يوركشاير، درس الفن الدرامي في أكاديمية لندن، وأمضى سنوات شبابه الأولى يقوم بأدوار مسرحية نالت شهرة كبيرة خلال العشرينات، ولا سيما في المسرحيات الشكسبيرية. غير أن نجاحه المسرحي في بريطانيا لم يضاهه أي نجاح سينمائي هناك عند بداية حصوله على أدوار معقولة في بعض الأفلام البريطانية المبكرة. فكان عليه أن ينتظر وصوله الى نيويورك ليمثل على بعض مسارحها، حتى تكتشفه هوليوود وتكتشف طاقاته الهائلة كممثل وتسند اليه دوره الكبير الأول في فيلم أميركي هو «البيت المعتم العتيق» (1932). غير أن الشهرة الحقيقية لم تطله إلا مع الدور الذي لعبه في «إشارة الصليب» (من إخراج سيسيل بي دي ميللي) حيث لعب دور نيرون بإتقان لفت اليه الأنظار حقاً.

> ومنذ ذلك الحين لم يعد يخلو فيلم تاريخ جدي من دور يلعبه فيه تشارلز لوتون بقامته العملاقة ونظراته الثاقبة وتعابير وجهه المتغيرة. أما هو فإنه بعد نجاحاته الهوليوودية الأولى، وجد لزاماً عليه أن يعود بين الحين والآخر الى بريطانيا ليشارك في سينماها، بخاصة أن الدور الأساسي الذي لعبه في فيلم «حياة هنري الثامن الخاصة» تحت إدارة الكسندر كوردا جعله يفوز بأول اوسكار تمنحه هوليوود لممثل غير أميركي. وبعد ذلك كرّت سبحة الأدوار والأفلام الكبيرة التي جعلت لتشارلز لوتون تلك الشهرة العالمية التي جعلت متفرجي السينما في العالم أجمع يعتبرون رحيله في العام 1962 خسارة كبيرة لفن التمثيل الأصيل، فمن «البؤساء» تحت إدارة ريتشارد بورسلانسكي (1935) الى «اختيار هوبسون» (1953) من إخراج دايفيد لين، ومن دوره الكبير في «رمبرانت» (1936) بإدارة الكسندر كوردا الى دوره الأكبر في «سبارتاكوس» (1960) من إخراج ستانلي كوبريك، مروراً بأفلام مثل «نزل جامايكا» من إخراج الفريد هيتشكوك، و «أحدب نوتردام» حيث لعب دور كازيمودو بإتقان، و «ثورة على ظهر السفينة بونتي» (1935) في نسخته الأولى من إخراج فرانك لويد، عرف تشارلز لوتون كيف يكون فناناً مثالياً ومتوازياً مع نفسه، لا يهمه أن يكون الفيلم كبيراً أو صغيراً، أو دوره فيه رئيسياً أو ثانوياً، كان ما يهمه في المقام الأول أن يعطي أدواره كل زخمها وأن يسخّر كل طاقاته الشكسبيرية لمد فن السينما بما كان ينقصه من قوة في الأداء وتفاعل للشخصية أمام الكاميرا.

> والحال أن تشارلز لوتون نجح في ذلك كله، وتمكن من أن يجعل من كل دور يمثله على الشاشة، أسطورة في الأداء السينمائي الى درجة أن فناناً كبيراً من طراز اورسون ويلز لم يتردد دون الإقرار بأن حين لعب دور «فالستاف» في فيلمه الذي يحمل الاسم نفسه، اضطر لمشاهدة تشارلز لوتون في عدة أفلام قبل أن يقرر الوجهة التي سوف يتخذها أداؤه دور «فالستاف». ومع هذا، لئن اعتبرت كل أدوار تشارلز لوتون أسطورة في تاريخ السينما فإن أسطورته الأساسية تظل أداءه الآخر في الفيلم الكبير «ليلة الصياد» الذي يعتبر أسطورة سينمائية حقيقية.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة