|   

النسخة: الورقية - دولي

من المؤكد في أيامنا هذه، بل منذ ما يزيد عن أربعين عاماً هي الآن عمر مركز جورج بومبيدو للفنون والثقافة في وسط باريس (والمعروف شعبياً باسم «بوبور»)، أن شهرة المثّال الروماني الأصل برانكوزي الشعبية الواسعة، إنما تعود الى كون محترفه المتحوّل منذ زمن طويل متحفاً لحياته وأعماله يجاور المركز الفني الكبير بل يلتصق به، ما يجعل كثراً من زوّار بوبور يعرّجون عليه حتى وإن لم تكن لدى كثر منهم فكرة مسبقة عن حياة الرجل وفنه. وتلك وضعية يتفرد برانكوزي بها في فرنسا وقد يحسده عليها أي فنان آخر.

> فالحال أن برانكوزي، قبل ذلك التكريم البوبوري الذي لم يكن في الأصل مقصوداً، كان فناناً نخبوياً لا تعرف عنه العامة شيئاً. وربما كان فقره ما جعله خلال السنوات الأخيرة من حياته يقيم محترفه في تلك المنطقة الشعبية البائسة التي كانتها أسواق الخضار واللحوم في باريس (الهال) التي اختيرت ليقام مركز جورج بومبيدو عليها بعد إزالة أسواقها. فأزيلت الأسواق دون أن يُمسّ محترف برانكوزي. وبهذا ارتبط اسمه باسم بوبور الى الأبد.

> لكن برانكوزي سيحظى في المقابل بشهرة واسعة في وطنه الأصلي رومانيا، وإن في زمن متأخر من حياته، وذلك تحديداً لأنه حظي في العام 1938 بأن يُفتتح في الساحة الرئيسة لبلدة تارغونو المجاورة مباشرة لمسقط رأسه في بلدة هوبيتزا، ذلك النصب الهائل الذي أقامه كنوع من التكريم للمنطقة التي ولد وترعرع فيها. علماً بأن النصب قد أقيم أصلاً تكريماً لذكرى الشهداء الرومانيين الذين سقطوا خلال الحرب العالمية الأولى. وحتى لو كان النصب ذا شكل تبسيطي يذكر بعموده المرتفع بحو ثلاثين متراً عن سطح الأرض بالشواهد الأنيقة التي تقام فوق قبور الميتين في رومانيا، فإن كثراً رأوا فيه تأثراً غير معهود من لدن برانكوزي بالمسلات المصرية التي كثيراً ما كان الناس يرونه واقفاً في ساحة الكونكورد يتأمل نموذجها الأجمل المنقول الى تلك الساحة وسط العاصمة الفرنسية.

> وفي عودة هنا الى صاحب النصب نفسه، قبل أن نستأنف الحديث عن ذلك الإنجاز الفني الذي يرى كثر أنه بالكاد أن يخمن أحد أنه حقاً من صنع برانكوزي إذ إنه يختلف كلياً عن فنه المعهود، لا بد من الإشارة إلى أنه عندما أقيم في العاصمة الفرنسية قبل نحو عقدين من الآن، معرض - كان الأول من نوعه حتى ذلك الحين - لمنحوتات الفنان قسطنطين برانكوزي، كان الفنان حقاً في حاجة ماسة الى مثل ذلك التكريم حتى تخرج ذكراه من شبه النسيان الذي كان من نصيبه منذ رحل عن عالمنا في العام 1957 وقد جاوز الثمانين من عمره. فالحال أن برانكوزي كان واحداً من أولئك الفنانين الذين لم يعرفوا كيف يثيرون الضجيج من حولهم ومن حول أعمالهم، على الرغم من أنه عاش القرن العشرين، عصر الضجيج والإعلام الكبير، بكل زخمه، وعلى الرغم من أن نحته الذي تميز بحداثته المطلقة وباعتماده على المسطحات الهندسية في قوالب تتوزع بين نمط معين من التكعيبية وتوجه تصويري تكراري، كان هو الذي مهد الطريق للحداثة النحتية كما تمثلت لاحقاً في القرن العشرين على أيدي نحاتين قلّ من اعترف من بينهم بأستاذية برانكوزي له.

> وتقول سيرة حياة برانكوزي أنه ولد في العام 1876 في تلك البلدة الرومانية، التي يزين أجواءها اليوم ذلك النصب الخشبي الضخم الذي يحمل توقيع الفنان، ويعتبره كثيرون واحداً من أجمل أعماله، ويقف شامخاً، مثل المسلات المصرية التي مارست تأثيراً كبيراً في برانكوزي كما أشرنا أعلاه، غير بعيد من المنزل الذي شهد ولادته وتحول منذ سنوات الى متحف يروي سيرة حياته وأعماله.

> كان والد برانكوزي مزارعاً، أما أمه فكانت نسّاجة، وهو منذ صباه كان مقدراً له أن يصبح راعي مواش، حيث إن أهله بعثوا به وهو بعد يافع، الى بعض الرعاة حتى يمرنوه على ذلك. لكن الفتى الذي كان يمضي جل وقته وهو طفل في تركيب حبات الحصى فوق بعضها البعض وفي حفر الصخور لتحويلها الى أشكال مدهشة، كان يهرب من معلميه الرعاة، وظل يهرب حتى اقتنع والداه بعدم أهليته لذلك العمل فألحقاه بمدرسة الصنائع والمهن، ثم التحق بعد ذلك بكلية الفنون الجميلة في بوخارست حيث برزت مواهبه في الرسم والنحت، ما دفع المدرسة نفسها الى تشجيعه على التوجه الى باريس، وهناك تعرف الى النحات الكبير رودان الذي أدخله عالم النحت الكلاسيكي. لكن برانكوزي سرعان ما ترك رودان، لماذا؟ بكل بساطة لأنه لتواضعه الجم قال للمعلم الكبير يوماً انه لن يستطيع تكوين شخصية مستقلة لنفسه إن ظل الى جانبه فـ «في ظل الشجرة العملاقة، بالكاد يمكن لحبات الفطر الصغيرة أن تنمو، وللحلزونات أن تتسلق...».

> كان من الواضح أن برانكوزي يريد أن يحلق بجناحيه ففعل. لكنه بقدر ما عرف كيف يكوّن لنفسه مكانة أساسية في فرنسا، وفي أوروبا في شكل عام، بقدر ما تم تجاهله في رومانيا أول الأمر طبعاً، على الرغم من عودته الى موطنه في الثلاثينات ومحاولته بث روح نهضة فنية كبيرة فيها. وكانت تلك العودة هي المناسبة التي جعلته ينشئ المحترف الذي أصبح متحفاً لأعماله في ما بعد، وهو كان في الثانية والستين من عمره في العام 1938 حين حقق لبلدته آخر عمل كبير حققه في حياته: المجموع النحتي المقام في بارك مدينة تيرغوجو في الجوار المباشر لمسقط رأسه هوبيتزا، وهو يتألف من ثلاثة عناصر تحمل الأسماء التالية: «طاولة التأمل» - «باب القبلة» - وأخيراً «العمود الذي لا نهاية له». والنصب يتكون في مجمله من ثلاثة أشكال هندسية: الدائرة، المكعب والهرم، وترمز ثلاثتها الى الانطلاق في اللانهائية.

> ومن الواضح أن هذا النصب الذي حققه برانكوزي، كهلاً، وخص به مسقط رأسه، انما كان تعبيراً عن ارتباطه بوطنه الأم، رغم أنه عاش معظم سنوات حياته في الخارج. وفي رومانيا، سواء أكان ذلك خلال العهد الفاشي، أو خلال الحكم الشيوعي بعد ذلك، ظل برانكوزي من المغضوب عليهم، أو وفق تعبير ناقد فرنسي كان «الطليعي الذي يفضل أهل وطنه نسيانه». بل حاولت السلطات في العام 1949 عند بدايات الحكم الاشتراكي أن تحطم نصب تيرغوجو، معتبرة إياه عملاً بورجوازياً انحطاطياً، لكنّ الأميركيين سارعوا يحتجون عارضين على الحكومة الرومانية شراء النصب فقررت هذه الإبقاء عليه، و «ربما كي تفاوض على بيعه بسعر أفضل لاحقاً» وفق ما قال مازحاً أحد النقاد الرومانيي الأصل المقيمين والعاملين في فرنسا حينها. ومهما يكن من أمر لا بد من أن نذكر أنه بين العامين 1998 و2000 تمكنت السلطات الرومانية، وبعد عقد من زوال حكم الديكتاتور الراحل تشاوشسكو الذي كان، كما يقال، يكنّ لذلك النصب محبة استثنائية رغم وقوف معظم أركان حكمه ضد برانكوزي وعمله، تمكنت من أن ترمم النصب وتعيد اله بعض حجارة وأشكال كان فقدها مع مرور الزمن، وذلك بدعم مالي مباشر من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وتبرعات جمعت من رومانيين يعيشون في الخارج، ما ساهم في جعل النصب، أكثر وأكثر، رمزاً وطنياً.

> من الطبيعي القول إن نحت برانكوزي لا يقتصر على ذلك النصب الذي بدأ يشتهر في كافة أنحاء العالم في الآونة الأخيرة، بل إن ذلك النحت تميز بالأشكال البيضاوية والرؤوس المنحنية كدلالة على شرط إنساني لم يكف برانكوزي عن فضحه والتنديد به. وهكذا بين الأشكال الهندسية والرؤوس البشرية ذات الملامح الدقيقة نما وترعرع فن ذاك الذي كان بالنسبة الى النحت، ما كانه يونسكو في الكتابة المسرحية وسيوران في الفلسفة وميرشيا ايلياد في تاريخ الأديان: المبدعون الذين حفظوا لرومانيا كرامتها في الأزمان الصعبة، والمنفيون الذين أدخلوها زمن العالم في وقت كان كل شيء فيه يؤهلها لأن تبقى خارج ذلك الزمن.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available