|   

النسخة: الورقية - دولي

لم يكن مؤرخ الفلسفة الفرنسي والفيلسوف إميل برهييه أول من تحدث عن الفلسفة الإسلامية في الغرب. فهناك كما نعرف، عدد كبير من الدراسات والكتب المتحدثة عنها راوية تاريخها. لكن المشكلة تكمن في المكانة والمكان المعطيين لها في سياقات تاريخ الفلسفة في العالم، إذ إن نحن استثنينا فرنسوا شاتليه وإدماجه الفلسفة الإسلامية من ناحية، والأيديولوجيا المرتبطة بها من ناحية أخرى، في عملين جماعيين كبيرين أدارهما في سبعينات القرن العشرين، سنجد أن برهييه كان واحداً من أوائل مؤرخي الفلسفة على الصعيد العالمي، الذين أخرجوا الفلسفة الإسلامية من الغيتو الذي لطالما حُصرت فيه في معظم الدراسات السابقة. فالمستشرقون الذين كانوا الوحيدين الذين اهتموا بالتأريخ لها كانوا هم من وضع عنها دراسات مطوّلة وافية أعادت إليها اعتبارها، لكن في كتب على حدة. أما الآخرون فكانوا بالكاد يذكرونها وغالباً من طريق ذكر ابن رشد وحده وبوصفه مناوئاً للأكويني وغالباً بوصفه ليس أكثر أو أقل من شارح لأرسطو...

> مع إميل برهييه تبدّل الوضع، ولو جزئياً. فهو إذا كان لم يفرد لما سماه «الفلسفة في الشرق» سوى دزينتين من الصفحات في كتابه العمدة «تاريخ الفلسفة» الذي نقله الى العربية جورج طرابيشي، فإنها كانت صفحات منوّرة على إيجازها وربما تكون دفعت كثراً من قراء تلك الموسوعة، ولو من باب الفضول، الى طلب المزيد في دراسات أكثر إسهاباً وتخصصاً. بخاصة أن الباحث ربط تاريخ الفلسفة التي يتحدث عنها بالتاريخ والجغرافيا الشرق أوسطيين. وهكذا نراه يبدأ بتحري الفكرة القائلة بأن «مصير الغرب قد تحدد جزئياً بالفتح العربي». وهو إذ يلفت الى قلة عدد العرب الأقحاح في ذلك الحين، يفسّر بهذا كيف أن الفاتحين العرب/ المسلمين لم يمسوا الأجهزة الإدارية والاجتماعية للبلدان التي فتحوها(...) وشبيه هذه الواقعة يُلحظ، وفق ما يرى، في الميدان العقلي أيضاً، حيث يفيدنا بأن «الفلاسفة المسلمين ممن اهتدوا الى الإسلام وكتبوا بالعربية وما كان كثيرون منهم من أصول ساميّة، وجدوا شطراً من مناهجهم ومن موضوعات تأملهم إما في الكتب اليونانية التي نقلها النساطرة النصارى القاطنون في آسيا الصغرى وفارس، الى السريانية والعربية منذ القرن السادس، وإما في المأثورات المزدكية بما يخالطها من فكر الهند». ويستطرد برهييه: «على أن انتماء أولئك الى الإسلام يبقى هو الواقعة الأساسية» ما يقوده الى الحديث عن «المتكلمين المسلمين»، لينصرف بعد ذلك الى دراسة ما سماه «تأثير أرسطو والأفلاطونية المحدثة»، وذلك قبل أن يفرد صفحات متتالية لكل من الكندي، «أول المشائين العرب» منتقلاً منه الى الفارابي الذي «يلتقي لديه ويتقاطع فكراً أرسطو وأفلاطون»، ثم ابن سينا الذي ينطلق من فكرة «وجود إله من عقل خالص يعرف جوهر ذاته فيعرف الأشياء قاطبة»، واصلاً الى الغزالي الذي «تشهد آثاره على القلق الذي ابتعثه انتشار المشائية في ديار الإسلام». وهو ينتقل هنا من الغزالي الى الأندلس حيث يلتقي ابن رشد بعد تمهيد يتحث فيه عن ابن طفيل...

> صحيح أنها صفحات قليلة وأحكام سريعة، لكنها كانت مهمة في إثارة الاهتمام العام بفكر وفلسفة كانا دائماً محصورين في غيتو يشبه غيتو «أدب الشعوب». ومن الواضح أن برهييه انطلق في اهتمامه ذاك مما كان يسمّيه «وحدة العقل البشري، واستمرارية تطوره: ذلك هو اليقين القبلي الذي يفرض نفسه على المؤرخ حتى قبل أن يبدأ بحثه، ويضع بين يديه الخيط الذي سيمكّنه من الاهتداء الى بغيته». هذه الفقرة التي يوردها إميل برهييه في مقدمة سفره الضخم «تاريخ الفلسفة» تكاد وحدها تلخص ليس فقط نظرته الى تاريخ العمل العقلي الذي مارسه الإنسان منذ نشأته، وحلّ عند لحظات الوعي التاريخي بماهيته باسم «فلسفة»، بل كذلك فلسفة برهييه نفسه، هذا الذي لكثرة ما قرأ طلاب الفلسفة وهواتها، أجزاء كتابه الضخم في تاريخ الفلسفة، نسوا في أحيان كثيرة أنه، هو الآخر، فيلسوف، وأن كتاباته لأجزاء «تاريخ الفلسفة» كانت أمراً عارضاً في حياته التي امتلأت بالمجادلات والكتابات الفلسفية الضخمة.

> بل لعل برهييه لم يسع الى التأريخ للفلسفة، إلا على سبيل رغبته في عرض فلسفته نفسها، كما قال من قبله المعلم الكبير هيغل، حيث كان إميل برهييه من المؤمنين بأن الفلسفة وتاريخ الفلسفة إنما هما شيء واحد في النهاية، وأنه لئن كان ثمة من يؤرخ للفلسفة انطلاقاً من منطق سردي تقني بحت (أي حيادي وصفي بمعنى من المعاني) - من أمثال ويل ديورانت -، فإن تواريخهم هذه لا تعدو كونها ملخصات مدرسية بدائية. أما التاريخ الضخم الذي وضعه برهييه فإنه، في حقيقته، عمل فلسفي خالص، ولو لمجرد أننا نكتشف ونحن نقرأه أن من كتبه كان في داخل اللعبة الفلسفية لا مجرد مراقب لها.

> هذا الكتاب الضخم الذي نُقل الى العربية خلال سنوات السبعين والثمانين، كما أشرنا أعلاه، من جانب الباحث والكاتب الراحل قبل فترة، جورج طرابيشي، ساهم كثيراً في الشهرة التي يتمتع بها برهييه لدى القراء العرب، لكنها - كما حال برهييه دائماً - تظل شهرة ناقصة، لأن نقل الأجزاء السبعة من «تاريخ برهييه» لم يؤد الى توضيح علاقة هذا الأخير بالفلسفة نفسها. ومع هذا كان برهييه، منذ بداياته وحتى رحيله عن عالمنا في عام 1952، عنصراً فاعلاً في الحياة الفكرية في فرنسا، ناصر أفلوطين وغاص في أعمال شوبنهاور، وساجل الوجوديين، وناقش بلونديل، وترأس تحرير «المجلة الفلسفية» وكان عضواً في العديد من الأكاديميات، ودرّس الفلسفة وتاريخها في السوربون طوال ما يقرب من ثلاثين عاماً، وأصدر - الى موسوعته الفلسفية الضخمة - عدداً كبيراً من الكتب والدراسات.

> ولد إميل برهييه في نيسان (أبريل) 1876 في شرق فرنسا، ونال دراسة اعتيادية قادته الى الحصول، أوائل القرن الحالي، على شهادة الدكتوراه في الفلسفة، وكان تخصصه في الفلسفة الأخلاقية، وهو كان في الثالثة والأربعين من عمره حين التحق بجامعة السوربون بكرسيّ للفلسفة، وهو منصب لن يتركه إلا غداة الحرب العالمية الثانية عام 1946 حين كان بلغ السبعين من عمره وأحيل على التقاعد. وخلال تلك الفترة، مارس برهييه تأثيراً كبيراً في الحياة الفكرية الفرنسية، من خلال كتبه ودراساته كما من خلال أسلوبه الحاذق في تعليم الفلسفة، وهو أسلوب شبهه كثيرون بأسلوب أرسطو في مدرسته الاثينية. مهما يكن فإن برهييه كان يكتفي في أكثر الأحيان بعرض آرائه الفلسفية وفلسفته، من خلال عرضه للفلاسفة الذين يتماشى فكره مع فكرهم، وهو كان في موقفه الفلسفي - وفق ما يقول الباحث شي - روي في نبذة كتبها عنه في «قاموس المؤلفين» - «أقرب الى العقلانية الصوفية منه الى العقلانية المجردة». وهو الى هذا كان من دعاة التأمل الفلسفي الهادئ حيث كان يحلو له أن يقول في آخر أيامه «إن دعوة الفلسفة كانت ولا تزال إدخال الروية والتروي في التفكير»، ومن هنا نراه دائماً وقد فضّل الحكمة الصرف على الممارسة الفاعلة، ما وضعه على تناقض مع أطروحة ماركس الشهيرة «أن الفلاسفة لم يفعلوا حتى الآن أكثر من أنهم فسروا العالم، وما يتعين عليهم عمله إنما هو تغييره».

> عبّر برهييه عن فلسفته في العديد من الكتب، التي تكاد تكون اليوم منسيّة لحساب سفره الأضخم «تاريخ الفلسفة» (1927 - 1932)، ومن تلك الكتب «الفلسفة وماضيها» وأطروحته للدكتوراه حول «الأفكار الفلسفية والدينية لدى فيلون الاسكندري» (1901)، وكتاباه عن «شيلينغ» و «أفلوطين» و «تاريخ الفلسفة الألمانية» و «تحولات الفلسفة الفرنسية» و «القضايا الراهنة في الفلسفة» الذي كان آخر كتاب يصدر له على حياته. وفي 1944، وكتتويج لمساره الفلسفي، انتُخب إميل برهييه عضواً في أكاديمية العلوم الأخلاقية، وصار رئيساً للأكاديميين في 1950، وهو منصب ظل يشغله حتى وفاته في 1952. ولقد جمعت مقالاته المتفرقة بعد وفاته ونشرت في مجلد واحد أثار الكثير من الأسئلة حول ما إذا كان يجب اعتباره فيلسوفاً أو مجرد مؤرخ للفلسفة.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available