|   

النسخة: الورقية - دولي

في رسالة بعث بها سيّد الرواية البوليسية الأميركية رايموند تشاندلر إلى صديقته بيرينيس باومغارتن في العام 1949، يتحدث صاحب «السبات العميق» و «وداعا يا حبي» عن الكاتبة الإنكليزية دوروثي صايرز قائلاً: «لقد حاولت أن تتحوّل في كليّتها من صفّ أولئك الذين يعرفون كيف يركّبون حكاية لكنهم لا يعرفون كيف يكتبون، إلى صف أولئك الآخرين الذين في أغلب الأحيان، يعرفون كيف يكتبون لكنهم لا يعرفون كيف يركّبون حكاية». كان الحكم قاسياً. ومن هنا ظلّ كثر من المعنيين لفترة طويلة يتساءلون عن الدافع إلى إصداره، خصوصاً أن صايرز كانت، وبشهادة الجميع، تعرف كيف تركّب حكاية بقدر ما تعرف كيف تكتب هي التي لم تكن، وكما سنرى بعد سطور، مجرد كاتبة للأدب البوليسي، بل أيضاً عالمة وشاعرة ومترجمة ضليعة للآداب الكلاسيكية. والحقيقة أن صايرز أكّدت عمق مواهبها وتنوعها منذ كتبت روايتها البوليسية الأولى والتي صدرت في العام 1923 بعنوان «جسد من؟»، معلنة في الوقت نفسه ولادة بطلها اللورد بيتر الذي سرعان ما استحوذ على مخيّلات القراء في العديد من روايات أخرى كتبتها.

> تبدأ رواية «جسد من؟» (التي ترجمت إلى الفرنسية بعنوان «لورد بيتر والمجهول») مع الدوقة دنغر والدة اللورد بيتر ويمزي نفسه، إذ تتصل بهذا الأخير لإعلامه بأن المهندس ثيبس الذي كلفته بإجراء بعض التصليحات في كنيستها المحلية، قد اكتشف في حمام شقته جثة لرجل مجهول وقتيل عارياً تماماً إلا من سدادة أنف. وهنا نعود في الرواية إلى المحقق ساغ، الخصم المباشر والمنافس الرئيسي للورد بيتر، والذي سيعود في روايات تالية لصايرز. فساغ هذا يكلَّف بالتحقيق ليشتبه من فوره بأن مقترف الجريمة لا يمكن إلا أن يكون المهندس ثيبس، كما يشتبه بأن القتيل إنما هو السير روبن ليفي الذي يملك، تقريباً، مواصفات القتيل ناهيك بأنه قد اختفى من غرفة نومه في الليلة نفسها إثر انكشاف فضيحة تتعلق بامتيازات وأسهم تعود إلى شركة النفط البيروفية... وهي فضيحة يحقق فيها المفتش باركر صديق اللورد بيتر.

> غير أن اللورد بيتر يعتبر تلك النتيجة متسرعة، لكنه يترك المحقق ساغ على جهله ويتجه في تحقيقاته ناحية أخرى تماماً، مستنداً إلى تفصيل صغير كان بادياً للعيان، لكن أحداً لم يعطه الأهمية الكافية، فالجثة العارية لـ «المجهول القتيل» لا يمكن أن تكون جثة اللورد روبن ليفي. لماذا؟ بكل بساطة لأن اللورد ليفي يهودي صاحب تقوى ومن عائلة شديدة الإيمان تتبع كل التقاليد اليهودية بدقة لا غبار عليها. فكيف حدث أن الجثة العارية غير مختونة؟ هذا مستحيل سيقول اللورد بيتر في سرّه، ومن هنا يتجه في تحقيقه ناحية أخرى تماماً من دون أن يبتعد عن إمكانية أن يكون السير روبن قد قُتل. أما ما يلفت نظره هنا فإنما هو الشبه البادي بين جثة القتيل وسمات السير اليهودي. إذاً؟ بكل بساطة ستقود التحريات السير بيتر إلى مستشفى تعليمي يقع في جوار شقة المهندس. حيث يتولى تدريب الطلاب في مشرحة المستشفى الطبيب الجراح سير جوليان فريك المعروف بعدائه مع السير روبن بسبب حكاية نسائية قديمة حيث أن هذا الأخير كان قد انتزع من الطبيب الجراح امرأة حسناء كان يريد الاقتران بها لكنها في النهاية فضلت عليه السير روبن ليفي.

> على هذا النحو إذاً تجمعت للورد بيتر مجموعة خيوط وحقائق راح يوالف بينها حتى توصّل إلى النتيجة التي كشفت في نهاية الأمر عن حقيقة ما حدث. فالحقيقة أن ما سيتبين هو أن فريك هو الذي دبّر الحكاية كلها منذ تركيبه «فضيحة» الأسهم البيروفية ضد ليفي، وصولاً إلى التخلص من هذا الأخير بقتله، ولكن بعد أن أتيحت له في عمله التشريحي جثة رجل فقير جرى التبرع بها للمستشفى. فالسير جوليان إذ لاحظ الشبه بين الجثة وملامح غريمه دبّر خطته بحيث يقتل هذا الأخير ليستخدم جثته في التشريح فيما تمكن من أن يوصل جثة الفقير إلى حمام بيت المهندي ثيبس القريب واضعاً إياهاً هناك في شكل تبدو معه وكأنها جثة ليفي. وهو بهذا كان يعتقد أنه حقق الجريمة الكاملة. ولكنه سهى، طبعاً، عن ذلك التفصيل الصغير الذي ما كان من شأنه أن يتنبه إليه. والحقيقة أن هذا التفصيل اعتُبر في رواية كتبتها امرأة في ذلك الحين جرأة ما بعدها من جرأة، لكنها أعطت الرواية نجاحها الكبير فوراً. نجاح فضيحة بالأحرى!

> مهما يكن فإن دوروثي صايرز تذكرنا بكم كان لبعض الشخصيات الفنية والأدبية الكبيرة في القرن العشرين، ذلك الحضور الذي ألقى بظله الكثيف على شخصيات أخرى لم تقل عنها أهمية، من الناحية الإبداعية، لكنها لم تعرف أبداً كيف تحول قيمتها الابداعية إلى حضور كثيف. ينطبق هذا على بيكاسو كما ينطبق على تشارلي شابلن وعلى عشرات غيرهما. أما في مجال الرواية البوليسية الإنكليزية، وهي الأشهر بين الروايات البوليسية في العالم، فإنه ينطبق خصوصاً على آغاثا كريستي - «سيدة الجريمة» التي كان حضورها من الطغيان بحيث لم يلتفت كثيرون إلى واقع أن فن الرواية البوليسية هو فن إنكليزي لم تختص به آغاثا كريستي متفردة، بل شاركها الكثيرون. ولئن كانت الحياة الأدبية قد انتظرت رحيل هذه الكاتبة لكي تطلق عشرات الكاتبات، النساء خاصة، فإن دوروثي صايرز، حين رحلت عن عالمنا عام 1957 رحلت من دون أن يتنبه إليها الكثيرون لأن الزمن كان - بالتحديد - زمن آغاثا كريستي.

> ولعل المشكلة الأولى مع دوروثي صايرز تكمن في كونها وزعت موهبتها وأيامها بين نوعين أتقنتهما من أنواع الكتابة الروائية والأدبية: الرواية البوليسية، والشعر الكلاسيكي، بل إنها كانت أيضاً رئيسة لتحرير مجلة «الشعر» التي كانت تصدرها جامعة أوكسفورد. وهي حين كانت في أوج ازدهارها ككاتبة بوليسية لم تتردد دون إصدار رواية فاوستية كاثوليكية بعنوان «الشيطان الذي يوقع»... ناهيك عن أن إنجازها الأكبر خلال حياتها كان ترجمتها «الكوميديا الإلهية» لدانتي إلى اللغة الإنكليزية. غير أن هذا كله لم يمنع دوروثي صايرز من تكريس معظم سنوات حياتها للروايات البوليسية هي الحائزة أصلاً على ديبلوم دراسات أدب القرون الوسطى.

> ولدت دوروثي عام 1893 في بريطانيا. أما عملها البوليسي فقد ولد في 1923 حين ابتكرت بطلها التحري الخاص اللورد بيتر ويمزي، عبر رواية «جسد من؟». ومنذ تلك الرواية شاءت دوروثي أن تجعل من بطلها «شرلوك هولمز أحياء الأغنياء» في لندن. ولم يكن من قبيل الصدفة أن يكون لورد بيتر من عشاق أدب دانتي والموسيقى (باخ وسكارلاتي اللذين يعزفهما جيداً على البيانو وهو يفكر في حل الألغاز البوليسية التي تنطرح عليه).

> معظم روايات دوروثي صايرز البوليسية تدور في لندن الصمت والليل والضباب، وتتحلى بمذاق العيش المخملي ناهيك بأن شخصياتها الأساسية شخصيات مثقفة تستشهد بأشعار القرون الوسطى ولا تكف عن ذكر أفلاطون ووليام بليك، وكأن السيدة، التي كانت واحدة من أولى النساء اللواتي تخرجن من جامعة أوكسفورد، شاءت أن تثبت دائماً أنها سيدة ثقافة رفيعة حتى ولو كتبت روايات بوليسية ستباع بأثمان زهيدة.

> طوال أكثر من خمسة عشر عاماً، أصدرت دوروثي صايرز نحو ثلاثين رواية بوليسية، ولقد حُوّل بعض رواياتها إلى أفلام سينمائية حققت شهرة لا بأس بها، خصوصاً أن هذه الكاتبة المثقفة كانت تتوقف طويلاً عند التحولات السيكولوجية لشخصياتها، ما أضفى على عملها مسحة أنيقة وأدبية لا لبس فيها. وفي بعض رواياتها غاب لورد بيتر، الذي كانت في بعض الأحيان تعلن سأمها منه ومن تصرفاته، ليحل محله تحرٍ آخر حمل اسم مونتاغ ايغ، لكنه لم يحقق من النجاح ذلك القدر الذي كان لورد بيتر قد حققه.

> خلال العقدين الأخيرين من حياتها، كفت دوروثي صايرز عن كتابة الروايات البوليسية لتنصرف إلى كتابة مسرحيات دينية انطبعت بطابع كاثوليكي واضح، وكان ذلك في الوقت الذي انكبت فيه على ترجمة «الكوميديا الإلهية» التي أصدرت منها خلال حياتها جزءين: «الجحيم» و «المطهر» وكانت في صدد الانتهاء من ترجمة الجزء الثالث «الفردوس» حين رحلت عن عالمنا في العام 1957.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available