|   

النسخة: الورقية - دولي

كان عالم الإناسة الفرنسي كلود ليفي ستروسّ قال في نصه «العرق والتاريخ» أن الحضارات التي نثني اليوم، في صورة جماعية، على أدائها بالنسبة الى منظومة التراتيبات الاجتماعية كما بالنسبة الى منظومة إنتاجها الرمزي – ومنها مثلاً حضارة مصر القديمة، وحضارة بين النهرين وفارس والإغريق والهند والصين، وإمبراطوريات وادي النيجر، وصولاً الى الآزيتك والمايا، كل تلك الحضارات كانت كبيرة وعظيمة «ليس بفضل عبقرية معينة، تمتع بها عرق من الأعراق، بل لأن البشر الذين بنوا تلك الحضارات وعاشوا في إطارها، عرفوا كيف يستفيدون من العناصر التي وفرتها لهم شتى الثقافات، فعمدوا الى توليد توليفة في ما بينها». أي بكلمات أخرى: «إن الحضارات الكبرى هي تلك التي وجدت نفسها عند نقطة تلاقي تأثيرات شديدة التنوع، فعرفت كيف تفتح أبوابها على مصاريعها، وأن تعرض ذاتها الى تلك التأثيرات». ومقابل هذا يرى ليفي ستروسّّ أن «إصرار مجموعة من البشر على أن تبقى وحدها معزولة، فيه مقتلها وفناؤها وفيه ما يمنعها من أن تحقق طبيعتها كما ينبغي». وذلك تعريف يصلح، في رأي المفكر، لكلمة «همجية»: الهمجية في هذا السياق هي عدم الرغبة – أو العجز عن – التلاقح مع الآخر.

> وفي هذا المعنى، يرى الباحث الفرنسي أن الغرب، في صورة عامة، ولكن بخاصة في تعاطيه مع مسألة «اكتشاف» أميركا، كان ولا يزال همجياً الى أبعد الحدود... هذا الغرب المسؤول عن الانحطاط الذي وصل اليه عالم اليوم: ستروسّ يرى أن الهمجية تكمن، بخاصة، في الطريقة التي بها تعامل الغرب، الإسباني – المسيحي، مع سكان أميركا الأصليين (وكذلك مع المسلمين الأندلسيين كما مع يهود إسبانيا بعد سقوط مملكة غرناطة...). تصرف الغرب كان تصرّف مستعمر حقيقي، إذ «عمدت الحضارة الغربية الى تركيز جنودها ومصارفها ومنشآتها وجمعياتها التبشيرية في كافة أنحاء العالم، كما انها تدخلت في صورة مباشرة، أو غير مباشرة، في حياة السكان الأصليين محدثة انقلاباً جذرياً في نمط عيشهم التقليدي، إما عبر تصدير نمط عيشها اليهم، أو عبر خلقها تلك الشروط التي أدت الى انهيار الأطر التقليدية القائمة، من دون أن تحل أية أطر أخرى محلها». ومن الجدير ذكره هنا أن هذا المؤلف يعتبر وجود علم الإناسة نفسه، بدعة غربية... وربما وسيلة عبّر الغرب بها عن إحساسه بالذنب.

> هذه الأفكار العامة التي بثها كلود ليفي ستروسّ، متفرقة في العديد من كتبه، هي نفسها تلك التي سوف يعود اليها، في شكل أكثر توضيحاً، في كتبه الأخيرة مثل «الخزافة الغيورة» و «حكاية اللنكس» و «النظرة المبتعدة». بخاصة في «حكاية اللنكس» الذي كان مساهمة، غير مقصودة منه، في «الاحتفال» باكتشاف أميركا. كتأكيد جديد منه للطريقة التي بها أضاع الغرب فرصته. فهذا الكتاب هو نشيد حقيقي لغنى عالم سكان أميركا الأصليين، ولا سيما في تعبيراتهم الشفاهية، حيث يفتتح ليفي- ستروسّ كتابه هذا بالحديث عن العديد من الأساطير مركزاً، بخاصة، على العلاقة التي تقيمها هذه الأساطير مع الظواهر الطبيعية مثل الريح والضباب؛ كما على التضاد بين بعض مكونات تلك الطبيعة (مثل «القط البري» اللنكس، و «الكلب البري» الكويوت) انطلاقاً من فكرة ثنائية البعد، ظلت دائماً عزيزة على فكر ليفي ستروسّ، تقوم على التضاد الدائم بين عنصرين (التوأمة) لتوليد عناصر الطبيعة واستمرارية الحياة. وانطلاقاً من هذا المبدأ يموضع ستروسّ مسألة العلاقة بين الآخر (الهندي الأحمر هنا) والإنسان الأبيض. هذا الإنسان الذي، حين وصل الى القارة الجديدة، على متن سفن كولومبوس، استُقبل بالترحاب، على عكس ما كان يمكنه أن يتوقع. لماذا؟

> يقوم التفسير المنطقي، كما يقدمه لنا ليفي ستروسّ، على قاعدة أن أهل البلاد الأصليين كانوا ينتظرون ذلك الوصول لأنه مندرج، أصلاً، في أساطيرهم «وذلك واقع تاريخي لا يمكن لنا نفيه» يقول الكاتب مضيفاً: «لقد استقبل الهنود الحمر القادمين البيض بأذرع مفتوحة، الى درجة أن كولومبوس نفسه ذهل لبشاشة ذلك الاستقبال، علماً بأن موقف الغزاة كان على عكس ذلك». كان موقفهم أن اندفعوا يذبحون الناس قبل أن يستعبدنهم. أما موقف السكان الأصليين فقد توصل ليفي ستروسّ، الى تفسيره انطلاقاً من تلك النظرة الإجمالية التي كان توصل اليها إبان اشتغاله على مشكلة تتعلق بجوهر واحدة من الأساطير تتحدث عن أهل الريح والضباب. وكان الاشتغال على هذه الأسطورة مهماً بالنسبة اليه، بخاصة وأن نقطة انطلاقه في رباعيته «أسطوريات» كانت تقوم على مبدأ تحليل الأساطير المتعلقة بمنشأ الماء والنار وتضادهما.

> قول الباحث أن أساطير الريح والضباب تعيد – وإن على صعيد مصغّر – إنتاج الأساطير الكبرى المتعلقة بنار الطبخ. حيث إن الضباب، كما هي حال نار الطبخ، يشغل المسافة بين السماء والأرض. أما الريح فإنها تشتت الضباب تماماً كما أن الماء يشتت النار، «ما يجعلنا، كما يقول الكاتب، نلاحظ توازياً على الصعيد الشكلي بين المنظومتين». وفي رأي ستروس، إن أسطورية الريح والضباب هذه تبرز شخصيتين (في انعكاسها الحكائي): شخصية اللنكس (القط البري) وشخصية الكويوت (الكلب البري). وهما شخصيتان تربطهما علاقات تناحرية، علاقات التعارض بين عنصر القط وعنصر الكلب. ويقول ستروسّ أن «دراسة هذه العلاقة وانعكاسها الحكائي، هو الذي جعلني ألاحظ عنصراً ثابتاً في عناصر الفكر الهندي – الأميركي: فكرة التوأمة... المستحيلة. إن ثمة – دائماً – رغبة – تقوم في النظر الى التوائم على انهم متشابهون. ولكن هذا مستحيل. كان التوأمان متشابهين في الماضي، ربما. لكنهما بعد ذلك وجدا لزاماً عليهما أن يتعارضا». وهذه الملاحظة هي التي دفعت الباحث الى إعادة نظر كلية في تفكيره في مشكلة التوأمة كما انعكست في أساطير الهنود – الأميركيين: التوائم توائم، لكنهم لا يتشابهون ولا يتطابقون أبداً. فمنذ اللحظة التي يولد فيها التوأمان، يدخلان في سيرورة انفصال وتضاد، بمعنى أن الذات هي التي تولد الآخر. فأين الغرب والآخر من هذا كله؟

> «إذا عممنا هذه الفكرة على صعيد البشر، يقول الكاتب، سنفهم كيف أن وصول الرجل الأبيض الى القارة الأميركية، بوصفه الآخر، الضروري لتحقيق الذات الأصلية ذاتها، كان أمراً حاضراً في فكرانية الهنود الحمر، لأن وجود هؤلاء نفسه كان يفترض بالضرورة وجود الآخر، الأبيض، اللا - هندي. فاذا فهمنا هذا البعد في أعماقه، سنفهم ذلك الأمر الذي بدا محيراً في موقف هنود المكسيك والبيرو منظوراً اليه من وجهة نظر القادمين البيض. إذ، حين وصل هؤلاء، تبين لهم أن الهنود ينتظرونهم فاتحين أذرعهم مرحبين بهم. فكيف كان رد البيض؟ المذابح والتدمير. لقد دمروا، خصوصاً، كل ما هو جميل ورائع: دمروا ونهبوا ثم وقفوا يزعمون انهم وصلوا الى أرض خواء لا حضارة فيها ولا حياة».

> أمام هذا كله يتساءل ليفي ستروسّ: ترى ما الذي كان سيحدث لو أن نوعاً من التحالف قام بين أسياد اسبانيا، وأهل المكسيك والبيرو في ذلك الحين «بدلاً من ذلك الدمار العظيم الذي مارسه البيض ضد الملونين؟» لو حدث هذا «لكان من شأننا أن نعيش اليوم في عالم لا علاقة البتة له بالعالم الذي نعيش فيه اليوم بالفعل».

> غير أن كلود ليفي ستروسّ سرعان ما يفيق من سؤاله الخيالي المثالي هذا ليعترف بأنه «إذا كان قبول الآخر والحاجة اليه منخرطين في الفكر الأسطوري للهنود الحمر، كما انخرط ماضياً في تصرفات أصحاب الحضارات القديمة، ما أغنى الحضارات وجعلها تتوالد من بعضها البعض، فإن فعل تدمير الآخر ورفضه، بدا على الدوام منخرطاً في – بل يشكل جزءاً أساسياً من – الحضارات الغربية، منذ العصور الوسطى على الأقل. لقد ألغى الغرب الآخر: ألغاه في اسبانيا كما ألغاه في أميركا. ألغاه – باختصار – في كل مكان تمكن من أن يلغيه فيه.

> بيد أن الأخطر من هذا هو أن الغرب ألغى، في طريقه، وكما يستنتج الكاتب في «حكاية اللنكس»، الفكر الأسطوري الذي كان بالنسبة الى «البدائيين» صورة تعكس التحامهم بالطبيعة. «فالأساطير كانت، بل بالأحرى كانت البنى المؤسسة للأساطير تتضاعف وتتفرع وتتكاثر الى ما لا نهاية، بحيث أن محتوى الحكاية لا يعود ما يهم في الأسطورة، بل يصبح المهم تلك العلاقات (ذات النمط الذي يكاد يكون منطقياً) القائمة بين الحكايات المتنوعة والمنعكسة في اللغات وتنوعها».

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة