|   

النسخة: الورقية - دولي

على رغم بساطة أسلوب هذا النص الذي كتبته الأميركية جرترود شتاين ونشرته في باريس، يضيع القارئ حقاً وسط لعبة المرايا التي شاءت الكاتبة إدخاله فيها. ويبدأ ذلك منذ العنوان. فمن عادة السيرة الذاتية أن تكون من كتابة مؤلف الكتاب وإلا لا داعي لتوصيف السيرة بـ «الذاتية». ومع هذا جرؤت شتاين لتكتب وهي الكاتبة والمثقفة وراعية الفنون، سيرة لامرأة لا شأن لها في هذا كله إذ لم تكن سوى سكرتيرتها وصديقتها. ولكن هل نحن حقاً هنا أمام سيرة حياة أليس؟ العكس صحيح. نحن أمام سيرة حياة جرترود نفسها التي يفترض أن تكون أليس كاتبتها. والأدهى من هذا أن النصّ كله يُروى من طريق أليس التي تبدأه على أي حال بالحديث عن نفسها وطفولتها وشبابها حتى اللحظة التي تلتقي فيها جرترود شتاين فتنضم إليها صداقة وعملاً. ومنذ تلك اللحظة يتحول النص ليصبح سيرة لهذه الأخيرة بقلم الأولى.

> من الواضح أننا هنا أمام لعبة مرايا طريفة شاءت الكاتبة - شتاين طبعاً - أن تستخدمها لكتابة هذا النص الذي ستقول لاحقاً أنها إنما أنجزت صياغته «بمساعدة أليس» خلال ثمانية عشر يوماً. وأنها لم تكتبه إلا لأنها كانت في حاجة إلى المال الذي كانت واثقة أن نشر النص سوف يوفره لها. وشتاين كانت في حاجة دائمة إلى المال كي تنفق على حياتها الفخمة في باريس وعلى أصدقائها الرسامين إذ تشتري لوحاتهم، والكتّاب إذ تنفق عليهم ريثما يتمكنون من نشر أعمالهم. وهذا كله نجده في الكتاب الذي حقق نجاحاً كبيراً أولاً حين نشر على حلقات قبل أن ينشر في كتاب. وهو حقق النجاح على رغم إبداء العديد من أصدقاء جرترود، بمن فيهم أخوها الناقد الفني ليو، استهانتهم به.

> تقسم الكاتبة النص إلى مجموعة من فصول يمثل كل واحد منها فصلاً من حياتها، ولكن قبل ذلك من حياة أليس ب. توكلاس التي «تحكي» لنا كيف كانت حياتها «قبل أن آتي إلى باريس»، هي التي وُلدت في سان فرانسيسكو ومن ثم تعرفت إلى جرترود خلال الحريق الذي اندلع في المدينة في العام 1905 لتقرر بعد ذلك الانتقال إلى باريس. وعن وصولها إلى باريس تتحدث أليس في الفصل التالي مركزة هذه المرة على الدور الذي لعبته خادمة تدعى هيلين في حياتهما المنزلية ثم لقاءاتهما مع بيكاسو... وهنا تبدأ الحكاية انتقالها إلى شتاين نفسها وإلى علاقاتها مع كبار الرسامين ولا سيما أعمال سيزان وماتيس التي راحت تشتريها من آمبرواز فولار. ومن هنا ننتقل في الكتاب إلى جولات قامتا بها في إسبانيا وإيطاليا قبل العودة إلى باريس حيث كانت الخناقة الشهيرة بين جرترود وأبولينير. ويبدو أن الكاتبة تتذكر هنا أنها تحدثت عن جرترود حتى قبل أن تقدم لنا معلومات عن طفولتها، وهكذا تعود بنا إلى سيرة هذه الأخيرة وكأن أليس هي التي ترويها. فتروي لنا كيف ولدت شتاين في بنسلفانيا ثم كيف انتقلت إلى فيينا وعادت إلى نيويورك ثم إلى كاليفورنيا، لتصل بها إلى باريس أخيراً. وهنا يتحول النص إلى سلسلة من الحكايات واللقاءات التي سيدهشنا عدد «أبطالها» ونوعيتهم وصولاً إلى همنغواي وشروود أندرسن وغيرهما...

> في اختصار يبدو النص هنا نوعاً من الوصف للحياة الفنية والاجتماعية المختلطة في العاصمة الفرنسية في جو لا بأس من التذكير هنا بالصورة التي قدمها وودي آلن عنه في جزء بالغ الروعة من فيلمه «منتصف الليل في باريس».

> مهما يكن إذا كانت جرترود شتاين لا تزال تُذكر حتى يومنا هذا في الكتب التي تؤرخ للحياة الأدبية في فرنسا أو في الولايات المتحدة خلال النصف الأول من القرن العشرين، فإنها تذكر كحالة خاصة وكصاحبة صالون أدبي، وكواحدة من ذلك الجيل من الأميركيين والأميركيات الذين آثروا، عند مستهل هذا القرن، أن يعيشوا الحياة الأوروبية بدلاً من الحياة الأميركية. بمعنى أن جرترود شتاين الأكثر أهمية، أي جرترود شتاين الكاتبة ذات الأساليب المتنوعة تكاد تكون منسية. فهل هذا لأن واحدة من أجمل «البورتريهات» التي رسمها بابلو بيكاسو في حياته كانت «بورتريه» لجرترود شتاين ركزت ذكراها كموديل وصديقة وسيدة مجتمع بدلاً من أن تركزها كسيدة من سيدات الأدب المكتوب بالأميركية؟

> على أن جرترود شتاين نفسها لم تساهم كثيراً في إضفاء طابع شديد الشرعية على كونها كاتبة، رعلى غم وفرة ما كانت تكتبه، مفضلة أن تكون جزءاً من الحياة الثقافية، ونوعاً من العنصر الذي يجمع الأدباء والفنانين ويقدم لهم إطاراً يعملون ضمنه ويتحركون. من هنا كان بيتها الباريسي يعتبر على الدوام بيتاً لكل من لديه موهبة كتابية أو فنية. وكانت جرترود شتاين تمضي جل وقتها في مساعدة الآخرين على الوصول، متناسية - وأحياناً لسنوات - أنها هي الأخرى أديبة، وأديبة من طراز استثنائي، قال ريتشارد رايت، الكاتب الأميركي الأسود الكبير، عن واحدة من رواياتها، وهي بالتحديد رواية «ثلاث حيوات» التي تتضمن ثلاثة بورتريهات منها بورتريه عن أميركية سوداء هي «ميلانتشا» قال إنها «أول معالجة طويلة جادة في ميدان الأدب لحياة الزنوج في الولايات المتحدة الأميركية».

> باختصار، كان لدى جرترود شتاين من الحيوية والدفق ما جعلها تعيش حياة كثيفة تتناقض مع الحياة التأملية المنعزلة التي كان يمكن لأديبة منصرفة كلياً لكتاباتها وحياتها أن تعيشها. وهي وُلدت العام 1874 في بنسلفانيا، لأسرة مثقفة وتقدمية ذات أصول ألمانية، ودرست علم النفس باكراً في كلية ردكليف حيث كان أستاذها الأساسي الفيلسوف الكبير ويليام جيمس، شقيق هنري جيمس الروائي الذي سيختار مثلها العيش لفترة طويلة من حياته في باريس. إلى باريس توجهت جرترود شتاين في 1902، بعد أن درست، إضافة إلى علم النفس، تشريح الدماغ في جامعة جونز هوبكنز، وهي ستظل متخذة من العاصمة الفرنسية مكان إقامة لها حتى رحيلها عن هذا العالم في العام 1946، حيث، كما أشرنا، صارت شقتها الفسيحة والأنيقة في شارع فلوريس، منطلقاً لحركة طليعية لافتة في الفن والأدب، وكان من رواد الشقة الدائمين، الرسامون بيكاسو وبراك وماتيس وخوان غري، والكتّاب إرنست همنغواي وفورد مادوكس فورد وشروود أندرسون. وهي كانت تعقد اللقاءات في شقتها ليس فقط بين هؤلاء، ولكن كذلك بين الأدباء والفنانين الجدد ومن تتوخى، هي، أن بإمكانه أن ينشر أعمالهم ويروّج لها. وبالنسبة إلى الأميركيين الذين كانوا يزورون باريس متطلعين إلى النهل من عبقها الفني والأدبي، أصبح بيت جرترود شتاين محطة لا بد من العبور بها.

> أثناء ذلك، كانت جرترود شتاين تجد ما يكفيها من الوقت لكي تكتب، وهي كانت تكتب باستمرار ومن دون هوادة. ولعل أفضل صورة تقدمها لنا ككاتبة هي تلك التي تركها إدموند ويلسون في فصل شهير من فصول كتابه «حصن اكسل» (ترجمه إلى العربية جبرا إبراهيم جبرا). ولعل أشهر وأفضل كتاب وضعته جرترود شتاين كان «السيرة الذاتية لآليس ب. توكلاس». وعلى رغم أن هذا الكتاب وكتاب «ثلاث حيوات» كانا كتابي جرترود الأكثر شهرة، فإن عملها الأساسي والذي عملت عليه طويلاً، من دون أن يكون له حظ كبير من النجاح كان كتاب «هكذا صُنع الأميركيون» (كتبته بين 1906 و1908 ولم ينشر إلا في العام 1925) وهو كتاب تؤرخ فيه للولايات المتحدة من خلال حكاية أسرتها.

> في مجال الكتابة الشعرية، أصدرت جرترود، بخاصة، كتاب «براعم حنونة» (1914)، ولكن يبدو واضحاً أنها لم تكن تقبض نفسها بصورة جدية كشاعرة، لذلك سرعان ما تخلت عن كتابة الوجدانيات لتضع كتباً ودراسات متنوعة وموضوعية مثل كتابها عن «التاريخ الجغرافي للولايات المتحدة»، وفيه عرض متميز للعلاقة بين الطبيعة البشرية والعقل البشري، كما أصدرت كتاباً عن ماتيس اعتبر مرجعاً عن ذلك الرسام الشهير لفترة طويلة من الزمن، كما وضعت عن ماتيس نفسه وعن بيكاسو وعنها هي كتاباً طريفاً عنوانه «ماتيس، بيكاسو وجرترود شتاين». وعلى رغم حياتها الدافقة ونشاطها ماتت جرترود شتاين في 1946 وحيدة ومنسية مع أنها كانت قد وضعت كتاباً أخيراً عنوانه «حروب عشتها» وصفت فيها حياة باريس تحت الاحتلال الألماني.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة