|   

النسخة: الورقية - دولي

بالنسبة الى المفكر اللبناني العروبي نجيب العازوري، كانت ظاهرتان تتضحان خلال السنوات الأولى من القرن العشرين وسوف تتناحران في ما بينهما: يقظة الأمة العربية من ناحية، وجهد اليهود الخفي لإعادة تكوين مملكة إسرائيل القديمة. لقد رصد العازوري هاتين «الظاهرتين» في وقت لم يكن وعد بلفور قد ظهر فيه، ولا كان الاستيطان اليهودي في فلسطين قد بدأ يتوضح. فالرجل كان رؤيوياً بالتأكيد وكان مدركاً الإشارات والتفاصيل الصغيرة التي كانت قد بدأت تلوح هنا وهناك. ومن هنا ذلك النص الذي نشر في الفرنسية أولاً وبالتالي لم يلفت نظر كثر من العرب. ولاحقاً حين ترجم ونشر وصار علامة على نوع من فكر عربي متبصر، كان الوقت قد تأخر. الكتاب هو، طبعاً، «يقظة الأمة العربية» الذي حمل في حينه واحدة من أولى الدعوات ليس فقط كي يتيقظ العرب مما يُدبّر ويُحضّر لهم، بل كذلك دعوة الى وحدة عربية تقوم على مبادئ غير دينية. صحيح أن تينك الدعوتين لم تكونا جديدتين في ذلك الحين، غير أن صياغة العازوري لهما أتت من مواقع واقعية وعملية، وليس كنتاج فكر تأملي، بل على شكل برنامج عملي، مصاغ انطلاقاً من أبعاد جيو - استراتيجية متكاملة. ومن هنا يبدو هذا الكتاب أشبه ببرنامج عمل منه بوجهة نظر في الشؤون السياسية والقومية، مع أن صياغته بغير اللغة العربية تطرح العديد من الإشكالات والتساؤلات.

> يستهل العازوري كتابه بالتوجه مباشرة الى الموضوع الذي كان يثير قلقه أكثر من أي موضوع آخر في حينه: فلسطين التي يوضح أهميتها وعروبتها وكونها نقطة المركز في أي مشروع للنهوض العربي. وهو بعدما يرسم صورة علمية مفصلة لتاريخ فلسطين القديم والحديث وكذلك لجغرافيتها وأهميته على الصعد الدينية والاقتصادية والاجتماعية، نراه يوضح تباعاً في الفصول التالية، السياسات الدولية الرئيسية تجاه فلسطين كما تجاه المنطقة العربية عموماً، والتي يشملها مشروعه «الوحدوي»، ومن هنا نراه تباعاً يتناول السياسات الروسية ثم البريطانية والفرنسية والألمانية - النمسوية والإيطالية وصولاً الى سياسة الولايات المتحدة الأميركية من دون أن يفوته التوقف عند سياسة «الكرسي الرسولي» التي يبدو واضحاً مقدار تعويله عليها، ليس فقط لأنه هو نفسه كان كاثوليكياً، بل لأنه رأى باكراً أن عروبة فلسطين مسألة مسيحية أيضاً، ولأنه كان مدركاً تأثير الفاتيكان في السياسات الأوروبية الجنوبية. وهكذا نراه يستهل هذا الفصل قائلاً: يرتبط التأثير الديني للبابوية الرومانية تماماً بالقضايا السياسية ويندمجان معاً. وبالتالي فهو يلعب دوراً ضخماً في العلاقات الدولية على امتداد الإمبراطورية العثمانية وفي شكل خاص في البلدان العربية. وينتهز العازوري فرصة ما يتناوله في هذا الفصل ليقول كيف أن «العرب الذين هاجموا آسيا وأفريقيا» احتووا كل الشعوب والعناصر و «لم يجدوا صعوبة في فرض اللغة العربية على السوريين والكلدان الذين كانوا من جنسهم وتشبه لهجاتهم اللهجات العربية». ويؤكد العازوري في هذا السياق أن «الخلفاء العرب احترموا الطوائف المسيحية تماشياً مع الوضع الراهن. ومع أن المسيحيين تعلموا العربية فقد استمروا في تأدية صلواتهم بلغاتهم الأصلية واحتفظوا بنظامهم الديني القديم».... والمؤلف بعد أن يوضح هذا، يعود في فصل تال من الكتاب الى السياسة التركية، فيرسم أول الأمر صورة للعثمانيين قد تليق اليوم بمقدمة عن مسلسل «حريم السلطان»، ليصل الى رسم صورة مريعة للسلطان عبد الحميد الذي يعتبره وحشاً شريراً، ويمتدح في المقابل الثنائي المصري - الإنكليزي، خالصاً من هذا الى دعوة الأوروبيين الذين يتوجه الكتاب اليهم أصلاً الى مساعدة العرب على الحصول على استقلالهم المشروط ببقاء فلسطين عربية.

> «آمن العازوري بأصالة الحضارة العربية وأبعادها الحضارية، وبأنها الإطار الذي يجمع المسلمين والمسيحيين. فمن أجل ذلك دعا الى خلق مذهب قومي عربي، والى تعريب المذهب الكاثوليكي وتأسيس بطريركية خاصة لهذه الكنيسة متسائلاً: وأي ضير يتأتى من أن تصبح العربية - لغة القرآن والإسلام العالمي - لغة المذهب الكاثوليكي؟ (...). لقد دعا العازوري الى إقامة إمبراطورية عربية تمتد من الفرات ودجلة الى خليج السويس، ومن المتوسط حتى بحر عُمان، ويكون في هذه الإمبراطورية حرية المذاهب ومساواة المواطنين كافة أمام السلطان. ولتحقيق ذلك دعا الى فصل السلطة المدنية عن السلطة الدينية...». بهذه الكلمات تحدثت الدكتورة زاهية قدورة عن نجيب العازوري في تقديم كتابه «يقظة الأمة العربية» الذي ترجمه وقدمه قبل أكثر من عقد ونصف العقد من السنين الباحث اللبناني أحمد أبو ملحم، فأعاد الى ساحة الاهتمام يومها واحداً من أبرز الوجوه اللبنانية التي عملت من أجل اليقظة العربية واستقلال الشعوب العربيّة. بل أكثر من هذا، واحداً من أبرز المفكرين العرب الذين تنبهوا باكراً الى خطر الظاهرة الصهيونية، حيث نجده يقول في كتابه ذلك: «ظاهرتان مهمتان لهما نفس الطبيعة بيد أنهما متعارضتان، لم تجذبا انتباه أحد حتى الآن تتوضحان في هذه الآونة في تركيا الآسيوية أعني: يقظة الأمة العربية، وجهد اليهود الخفي لإعادة تكوين مملكة اسرائيل القديمة على نطاق واسع، إن مصير هاتين الحركتين هو أن تتعاركا باستمرار حتى تنتصر إحداهما على الأخرى، وبالنتيجة النهائية لهذا الصراع بين هذين الشعبين اللذين يمثلان مبدأين حضاريين، يتعلق مصير العالم بأجمعه».

> نجيب العازوري الذي توفي في شهر حزيران 1916، قبل أن يتحقق أي من تنبؤاته السياسية المهمة، ولد في قرية عازور في جنوب لبنان. والتحق يافعاً بمدرسة الفرير في بيروت ثم سافر الى فرنسا عند نهايات القرن الفائت لمتابعة دراساته العليا في العلوم السياسية، ويقول جورج انطونيوس أن نجيب العازوري باشر نضالاته السياسية في شكل جدي خلال السنوات الأخيرة من حكم السلطان عبدالحميد، ولئن كان تبوأ منصب مساعد حاكم القدس ابتداء من العام 1898 بمساعدة من الأخوين ملحمة عضوي مجلس «المبعوثان» والبطريرك الحويك، فإنه سرعان ما اعتزل ذلك المنصب في العام 1904، وقرر أن يتفرغ للعمل السياسي المنادي بتحرير الأفكار العربية من الاستعمار العثماني. ولما كان مثل ذلك النضال متعذراً على أمثاله في منطقة الشام، سيسافر الى فرنسا حيث يرتبط بالأوساط العربية المناهضة للعثمانيين هناك، وكذلك سيرتبط بالأوساط الفرنسية التي يبدو أنه سوف يعمل بالتنسيق معها. وهو، في باريس، أسس، في العام 1904 «عصبة الوطن العربي» التي يقول خير الدين الزركلي في «الاعلام» أن أحداً غيره لم ينتسب اليها. وفي العام التالي أصدر كتابه «يقظة الأمة العربية» الذي سيعتبر أشبه بدستور قومي للحركة العربية في ذلك الحين. وفي العام 1907 أصدر العدد الأول من مجلة «الاستقلال العربي» باللغة الفرنسية وهي مجلة استقلالية عاونه فيها العديد من الكتّاب العرب والفرنسيين وظلت تصدر حتى حزيران (يونيو) 1908.

> كان العازوري يعتبر أن معركته الأساسية هي ضد السلطان عبدالحميد، ومن هنا حين قامت ثورة تركيا الفتاة وسقط عبدالحميد عاد العازوري الى فلسطين وهو عازم على خوض الانتخابات والعمل في سبيل الاستقلال العربي، غير أن الأتراك الاتحاديين سرعان ما حكموا عليه بالإعدام بتهمة «القيام بنشاطات تمس أمن الدولة» فما كان منه إلا أن هرب الى القاهرة، حيث سيعيش السنوات الأخيرة من حياته. وهو في القاهرة ترأس تحرير جريدة «يومية مصر» باللغة الفرنسية، كما أسس محفلاً ماسونياً استقى مبادئه - كما يقول أحمد أبو ملحم - من أسلوب عمل جماعة الكاربوناري الايطالية التي كانت نشيطة في العديد من المدن العربية في ذلك الحين. وظل نجيب العازوري في مصر حتى رحيله في العام 1916 اثر إصابته بجلطة دموية، كان لا يزال في مقتبل العمر وفي عز العطاء. ويعزو احمد أبو ملحم الى العازوري تنظيم ما لا يقل عن مؤتمرين عربيين أساسيين أولهما المؤتمر العربي الأول سنة 1905 والثاني المؤتمر السوري - العربي سنة 1913، كما يعزو اليه العمل على توفير الأسلحة والذخائر للثوار العرب ضد الأتراك. أما أهم كتابات العازوري إضافة الى كتابه «يقظة الأمة العربية» فهي «الوطن العربي، دراسة معمقة للوضع الراهن ودراسة مستقبل الأقطار العربية الآسيوية»، و «الخطر اليهودي العالمي، تصريحات ودراسات سياسية» و «الدول الأجنبية ومسألة المقدسات المسيحية في الأراضي المقدسة».

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة