|   

النسخة: الورقية - دولي

لكل «فاوست»ـه الخاص به، وحتى من قبل كتابة غوته لذلك العمل المسرحي الضخم الذي لم يغير فقط في تاريخ المسرح، بل كذلك في تاريخ نظرة الإنسان الى نفسه، كانت فنون عديدة ومتنوعة قد استحوذت على الحكاية لتحولها إبداعاً. ومن هنا، لم يكن مستغرباً من السينما، كما المسرح والرسم والأوبرا والموسيقى، أن تصل الى «فاوست». ولكن على رغم أن الاقتباسات السينمائية لهذا العمل الكبير، وغالباً بالاستناد الى غوته، كانت لا تعد ولا تحصى، سواء كانت مباشرة أو مواربة، فإن هناك فيلماً حُقق باكراً وصامتاً في العام 1926 يظل متفوقاً عليها جميعاً، وبالتحديد لأنه جعل من الاستناد الأكثر مباشرة إلى المسرحية، عملاً معاصراً يتحدث بالتحديد عما يحدث وقد يحدث أكثر في البلد الذي كان معنياً به ولكن في العالم كله أيضاً.

> كان الفيلم المعني «فاوست»، من كتابة هانز كايزر وإخراج فردريك مورناو وبطولة إميل جاننغز في دور مفيستو وغوستا إيكمان في دور فاوست وكاميلا هورن (غريتشن- مرغريت). وكان هذا الفيلم آخر ما حققه مورناو في ألمانيا قبل انتقاله الى هوليوود ليحقق في العام التالي واحداً من أجمل أفلامه، «الفجر». وطبعاً نعرف جميعاً حكاية «فاوست» النص الذي يروي قصة العقد الذي يقيمه العالم فاوست مع الشيطان مفيستو، كي يبقيه على شباب دائم مقابل تسليمه روحه يفعل بها ما يشاء. ونعرف أن ذلك «العقد الفاوستي» بات مع مرور الزمن وتطور الإنسان الحديث، نوعاً من كناية عن كل ما ينتاب الإنسان من مخاوف واستسلام للقدر أو محاولة التصدي له. ونعرف طبعاً فوق هذا وقبله أن من المستحيل على بضعة سطور أن تلخص عملاً لا يكف عن سكن الإنسان ومساءلته. ولكن أكثر من هذا نعرف أن فيلماً سينمائياً في أقل من ساعتين لا يمكنه أن يفي الرواية حقها هي التي احتاج غوته الى مئات عديدة من الصفحات ليرويها. ومع هذا، وكما فعل شارل غونو في الأوبرا حين أخذ جوهر العمل وموسقه، فعل مورناو كذلك في السينما حيث أخذ جوهر «فاوست» ولكن ليس فقط ليؤفلمه، بل ليجعل منه تلك الصرخة المدوية التي انطلقت لتنبه الألمان والإنسانية عموماً الى ذلك العقد الفاوستي التي كانت في طريقها لتوقيعه مع ... الفاشية المقبلة على صورة حزب نازي وزعيم شيطاني آت ليتحكم بالبلاد والعباد الذين يسلمونه رقابهم ومصيرهم. ولم يبد هذا البعد خفياً في ذلك الحين، ومن هنا كان ذا دلالة أن يقول مورناو كلمته فيه ويمشي هو الذي كان ما برح يطلق الصرخة تلو الصرخة في أفلامه.

> مهما يكن، فإن حادث سيارة بسيطاً حدث أحد أيام العام 1931، بالقرب من مدينة لوس انجليس الأميركية، كان كافياً لوضع حد لحياة ذلك المخرج السينمائي الألماني الذي كان، قبل لجوئه الى الولايات المتحدة، واحداً من السينمائيين الأساسيين الذين أعطوا السينما الألمانية ذلك التيار الذي عرف باسم «التعبيرية»، وكان نسيج وحده بين التيارات كافة التي عرفها الفن السابع، ليس فقط بسبب الأشكال الفنية التي ابتكرها، ولا كذلك بسبب تعامله الخلاق مع ميتافيزيقية الأسطورة، بل لأنه كان التيار الذي عبر أكثر من أي تيار آخر عن ذلك الرعب الذي استبد بألمانيا بعد هزيمتها الكبرى خلال الحرب العالمية الأولى.

> من هنا كان هذا التيار الأكثر درساً وتحليلاً من جانب مؤرخي السينما، ولكن أيضاً من جانب مؤرخي الذهنيات والظواهر الاجتماعية، لأن السينما التعبيرية الألمانية، بقدر ما كانت فناً وتعبيراً عن حساسيات فنية لدى السينمائيين، كانت كذلك انعكاساً لذهنيات شعبية ولظاهرة اجتماعية، وأكثر من هذا وذاك، كانت ناقوس الخطر الذي دق غير مرة، وعلى أكثر من شكل، منذراً بوصول النازية. فشعب أصابه من الهزائم ما أصاب الألمان، وركبه من الخوف ما ركب الألمان، وناله من الإحباط ما نالهم، لم يكن له في نهاية الأمر إلا أن يبحث عن الأساطير يلجأ اليها جاعلاً من فنانيه مرآة لهذا البحث عما يمكنه أن يكون التعويذة.

> أما مورناو الذي قضى على ذلك النحو الفاوستي بعدما حقق فيلمين أميركيين أنهى بهما حياته، كان صاحب مسار سينمائي بدأ في ألمانيا قبل ذلك بنحو عشرين سنة وجعل لصاحبه مكانة مرموقة بين أقطاب السينما التعبيرية الألمانية، تلك السينما التي كان أحد مؤسسيها عبر أفلام قصيرة صامتة فقد أكثرها، ولكن بخاصة عبر أفلام معروفة كانت قد حققت نجاحاً كبيرة في اوروبا ومن بينها بخاصة «نوسفراتو» (1922) المقتبس عن رواية «دراكولا» لبرام ستوكر، ولكن أيضاً وفي المقام الأول «فاوست» (1925) المقتبس عن غوته، و «آخر الرجال» (1924) و «طرطوف» المأخوذ عن مسرحية موليير، و «شبح» وغيرها.

> هذه الأفلام وغيرها كانت تنتمي الى تلك السينما الخاصة التي عرفت كيف تمزج بين علم النفس والمسرح، بين الأدب والميتافيزيقا، بين الأسطورة والواقع، في لعبة ظلال وأضواء. ولكن لماذا كل هذه الأساليب التعبيرية؟ لتقديم الفن بوصفه «حواراً داخلياً منفرداً» وبالتحديد كما يعلمنا فيلم «فاوست»، الفيلم الذي تكشف طبيعته عن أمور عدة من بينها التعبير عن القلق والارتباك العظيمين اللذين كانت تعيشهما الأمة الألمانية بأسرها اثر الصدمة الكبيرة التي تمثلت في الهزيمة ومعاهدة فرساي. ازاء هذا كله حفلت السينما التعبيرية الألمانية - ممثلة خاصة بـ «فاوست» الذي بدا معبّراً عن العقد «الشيطاني» الذي قام بين الأمة الألمانية والنازية -، بشتى ضروب الإحباط والعدوانية، وبكثير من التشاؤم الرافض - بكل هلع - فكرة قيام أي ثورة ضد نظام الأمور القائم. فإذا كان الواقع مرفوضاً، وإذا كانت الثورة مرفوضة، فما الحل؟ بكل بساطة: لا بد أن يأتي الرجل القوي. لا بد أن يأتي من قلب المجهول، من قلب الليل ومن قلب الأسطورة. باختصار من قلب التاريخ الألماني وميتافيزيقاه.

> هذا الترقب كان يمثل بالنسبة الى كثر من أبناء الشعب الألماني أملاً، ولكن بالنسبة الى العديد من المثقفين والكتاب والفنانين كان هذا الترقب حافلاً بكل ضروب الرعب والخوف. كان هؤلاء يعلمون علم اليقين أن الكارثة مقبلة، وأن الكارثة سوف تتخذ شكل «بطل» - غول يمكنه أن يجمع الشعب من حوله مستخدماً أساليب الإبهار الجماعي (من هنا لم يكن من الصدفة أن يطلق الباحث كراكور على كتاب له عنوان «من كاليغاري الى هتلر» مشيراً بهذا الى أن الدكتور كاليغاري صاحب العيادة الشيطانية المشؤومة في فيلم روبرت فاين «عيادة الدكتور كاليغاري» ليس سوى هتلر، الغول المقبل من رداءة الأسطورة الى ظلام الواقع). وبالنسبة الى مورناو وجدناه يحقق ثلاثة أفلام على الأقل تدق ناقوس الخطر. فـ «نوسفراتو/ الغول» في فيلمه الذي يحمل الأسم نفسه ليس سوى الزعيم الآتي من عالم الشياطين ليقبض على الروح الألمانية (كما سوف يحدث لاحقاً بالطبع)، وفي «فاوست» يبدو العقد بين الدكتور والشيطان وكأنه عقد بين النازية المقبلة والشعب الألماني الذي بات على وشك أن يفقد روحه بعد أن فقد في الحرب كرامته. وفي «طرطوف» واضح أن المنافق ليس سوى ذاك الذي يستبد بعقول الناس عبر لفظية تخفي مساوئه التي من المدهش انها غائبة عن الإدراك على رغم وضوحها.

> لسنا في حاجة الى القول هنا إن هذه التعبيرية السينمائية، كانت من أولى ضحايا النازية وأن بعض أبرز صانعيها اضطروا الى الفرار ما إن استتبت السلطة في أيدي النازيين، وذلك بكل وضوح لأن النازيين أدركوا فحوى ذلك التيار الذي وصفوه بأنه تيار انحطاطي يحاول ان يدمر الروح الألمانية ومنعوا أفلامه ودمروا منتجيه. وحده فريتز لانغ (رغم يهوديته) نال رضاهم، لأنه حين استخدم الأسلوب التعبيري جيّره لمصلحة فكرة تلتقي في نهاية الأمر مع الفكر النازي. لكن لانغ، لخوفه الشديد، فضّل الهرب لاحقاً بزملائه، بخاصة مورناو، الذي كان الأوضح والأصرح في تعبيره عن قلقه من قدوم النازية، وكان الأكثر عبقرية بين أبناء جيل أصر على أن يجعل من الفن السابع ناقوس خطر يدق، حتى لو لم يجد من يصغي اليه.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available