|   

النسخة: الورقية - دولي

لئن كانت الكتابة المسرحية الأميركية قد عرفت نهضة كبيرة طوال القرن العشرين، جعلت كثيراً من الكتّاب الأميركيين يشغلون مكانة متقدمة في تاريخ وحياة المسرح الأميركي والعالمي، ويساهمون في إخراج المسرح الأميركي من «محليته الضيقة» إلى الفضاء العالمي الرحب، فإن الولايات المتحدة، على رغم ازدهار فن المسرح والعروض المسرحية فيها طوال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، على الأقل، لم تشهد ظهور كتاب مسرح كبار تمكن مقارنتهم بالكتاب الأوروبيين أو الروس. فما غلب على العرض المسرحي الأميركي في ذلك الحين، كان التقاليد التقنية وازدهار فن التمثيل، أما النصوص فكانت على الدوام ثانوية الأهمية.

> من هنا، تنبع أهمية الكاتب كلايد فيتش الذي يعتبره كثر من مؤرخي المسرح الأميركي واحداً من أوائل «كتاب المسرح الأميركي الحقيقيين» الذين جعلوا للنص أهميته، وليس هذا فقط، بل كان واحداً من أوائل كتّاب المسرح في العالم الجديد الذين خرجوا عن حدود هذا العالم، فعرفت مسرحياته في أوروبا، بل إنه هو نفسه توجه خلال الردح الأخير من حياته إلى فرنسا حيث عاش، ومات فيها عام 1909.

> غير أن مسرحياته الرئيسية التي عادت ونُسيت بعض الشيء خلال العقود التالية على رحيله، وبالتحديد لأن الكتابة المسرحية الأميركية غاصت بقوة في تقنيات المسرح الحديثة ونهلت من إبسن وتشيخوف وحتى من إنجازات المضاربة التي مثلتها السينما الوليدة ناهيك باستفادتها من التطور الكبير الذي طرأ على العلاقة بين الفنون وعلم النفس، كل هذا أبعد كلايد فيتش إلى الصفوف الثانية من الاهتمام، بحيث إنها قليلة تلك التي من بين إنتاجه المسرحي الكبير، عرفت كيف تعيش وتبقى وتحافظ إلى حد ما على اسمه ومكانته. ومن بين هذه المسرحيات يمكن أن نتوقف في شكل خاص عند تلك التي تعتبر دائماً الأشهر والأجمل والأكثر تماسكاً من بين مسرحياته: «المدينة».

> كتب فيتش «المدينة عام 1909 ذاته، أي العام الذي شهد رحيله ما يعني أنها كانت من بين آخر النصوص التي كتبها. بالتالي، هي تحمل الرقم 56 بين مسرحياته، ما يعني أنه استفاد فيها من ذلك المسار الإبداعي الطويل الذي عايشه وكتب خلاله كل ذلك الكم من المسرحيات التي كانت الفرق تسارع إلى التقاطها وتقديمها. بل يُروى عن «المدينة أن فرقة «نيوهافن» النيويوركية التي قدمت عرضها الأول على الخشبة في أواخر عام 1909، بدأت التدريبات عليها قبل أن يصل نص فصلها الأخير من باريس، حيث كان الكاتب يقيم ويكتب كما أشرنا. والمسرحية عمل درامي تدور أحداثه في بلدة أميركية عريقة قديمة هي ميدلبورغ، حول الشاب جورج راند الصغير الذي يشاطر أمه وشقيقتيه تطلعهن للانتقال إلى نيويورك. أما الوالد فإنه ذات لحظة يخبر الابن بأنه على رغم الاحترام الذي تكنّه له البلدة، يحفظ سرّين يمنعانه من مبارحتها إلى الحاضرة الضخمة: الأول أن أشغاله الناجحة في البلدة ستتعرض لخطر أكيد إن فُحصت في غيابه فحصاً موضوعياً؛ والثاني أن له هنا أبناً غير شرعي يدعى جورج هانوك، قد يكون ثمة التباس حول حقيقة علاقته به، لكنه يظل عبئاً عليه بالنظر إلى أنه مدمن مخدرات ولا يتوقف عن ابتزازه مالياً لكي لا يفضحه. يعد جورج أباه بعدم فضح سره. ولكن، يحدث هنا أن يموت الأب تاركاً جورج حتى وإن قرر الإبقاء على مساعدة أخيه السرّي، يقرر أيضاً نقل العائلة إلى نيويورك.

> وبالفعل، تنتقل العائلة إلى نيويورك حيث سرعان ما تتعرف كبرى الشقيقتين، تيريزا إلى رجل المجتمع فان فرامكن الذي سيتبين أنه صاحب مغامرات نسائية تبعد زوجته عنه تدريجاً، أما جورج فسيتعرف إلى حسناء اشتراكية تدعى إليانور يساند أخوها المناضل آلبرت تطلعات جورج للترشح إلى منصب حاكم المدينة. وإذ يكون جورج قد استقدم أخاه غير المعلن، جورج هانوك معيّناً إياه مساعداً له على رغم مواصلته الإدمان، يبدأ هذا بمغازلة الشقيقة الأخرى ما ينذر جورج بفضيحة تنسف تطلعاته السياسية. فينصحه آلبرت بطرد هانوك وإجبار تيريزا على السكوت عن تصرفات زوجها والعودة إليه، على الأقل حتى تنقضي الانتخابات. يوافق جورج ويجابه هانوك ليعرف أن زواجه بسيسلي قد تم بالفعل عند الصباح. يُجن جنون جورج ويكشف حقيقة علاقة القرابة مع هانوك الذي يبادر إلى إطلاق النار على سيسلي ويقتلها قبل أن يحاول الانتحار. هنا، وعلى رغم معرفة جورج بأن بقاء هانوك حيّاً سيفجر الفضيحة، يساعده على البقاء حياً. وإثر هذا، يتخذ جورج قراره بأن يضحي بكل شيء ويواصل حياته حتى ولو أدى ذلك إلى ترك إليانور إياه. بيد أن هذه تفاتحه بأنها لا ترى أي غبار على سلوكه، بل تجده في منتهى النزاهة والتجرد، وتقرر البقاء إلى جانبه مهما كان الثمن.

> ولد كلايد فيتش عام 1865 في الميرا، نيويورك، وبعد دراسته الابتدائية عكف على دراسة الدراما في كلية إمهرست، وبعد تخرجه توجه إلى نيويورك، بأمل أن يحقق فيها بعض ما كان يصبو إليه من شهرة. وفي المدينة التي كانت تضج بالحياة الثقافية في ذلك الحين، بدأ فيتش نشاطه بكتابة القصص القصيرة التي راح ينشرها في شتى الصحف والمجلات وراحت تلفت النظر بطابعها الاجتماعي التجديدي. وبعد ذلك، كتب مسرحيته الأولى «بوبروميل» (1890) التي حققت نجاحاً فورياً، جعل اسم مؤلفها على شفة ولسان.

> ومنذ ذلك الحين، لم يتوقف فيتش عن الكتابة، وإن كان النقاد يقسمون عمله إلى مرحلتين: مرحلة سيطرت فيها عليه المواضيع الرومانسية وهي مرحلة امتدت من عام 1890 إلى عام 1900؛ ثم مرحلة ثانية هي مرحلة المسرح الاجتماعي الواقعي التي تأثر بها خاصة بالكاتب النرويجي الكبير هنريك إبسن، وبمسرحه الواقعي الاجتماعي.

> من أشهر مسرحيات مرحلة فيتش الأولى: «بوبروميل» بالطبع ولكن أيضاً «ناتان هال» و «باربارا فريتشي»... كل هذه المسرحيات وغيرها من المنتمية إلى الفترة ذاتها حققت للكاتب شهرة كبيرة، لكنه ظل حائراً كمن يبحث عن شيء يفتقده، وهو عثر على ذلك الشيء في 1900 حين اكتشف واقعية الكاتب هويل، وعبره تعرف إلى مسرحية الأفكار كما كتبها هنريك إبسن. وهنا، انقلبت حياة فيتش رأساً على عقب، وراح يدخل في مسرحياته أفكاراً ترتبط بالحياة المعاصرة وبالصراعات الاجتماعية التي كانت سائدة. وكانت أول مسرحية كتبها ضمن هذا الإطار مسرحية «المتسلقون» (1901) التي عالج فيها الصراع الذي ينشأ لدى الناس بعد أن يحققوا الثروة والجاه. وكان ذلك موضوعاً أميركياً حقيقياً وواقعياً في ذلك الحين، أي في زمن كان فيه الحلم الأميركي قد بدأ يصل إلى ذروته ويدفع أصحابه إلى التساؤل: فماذا بعد؟

> صحيح أن مسرحية «المتسلقون» لم تحقق نجاحاً شعبياً يضاهي نجاح مسرحيات فيتش الرومانطيقية السابقة، غير أنها نالت من تقريظ النقاد ما جعل الكاتب يراهن على مواصلة مسيرته في هذا الاتجاه. وهو بالفعل حقق من النجاح الفني في مسرحياته التالية ما جعله يعتبر، من جانب كثير من الدراسين، المؤسس الحقيقي لتيار الواقعية الأميركية الذي أنتج طوال القرن العشرين كتّاباً مسرحيين من طينة كليفورد أوديتس وتنيسي ويليامز، وإدوارد إلبي وآرثر ميلر وغيرهم. وهؤلاء لم يفتهم دائماً أن يذكروا فيتش بصفته رائداً ومعلماً. ولقد واصل فيتش طريقه في التعبير عن القضايا الاجتماعية، ودائماً على غرار أستاذه الكبير إبسن فكتب «عناد جيرالدين» (1902) و «طريقها الخاص» (1903) دفاعاً عن المرأة ومكانتها في المجتمع وكتب «الفتاة ذات العينين الخضراوين» (1902) ليصور تحطيم الغيرة الحياةَ الاجتماعية. هذه المسرحيات وغيرها كانت حافلة بالأفكار والمعاني، لكنها كانت تحمل في الوقت ذاته روحاً مرحة وأبعاداً فنية جعلت النقاد يواصلون تشجيع الكاتب الذي وصل إلى ذروة عطائه في 1909، أي في العام نفسه الذي مات فيه، عبر مسرحية «المدينة» التي كانت واحدة من أولى المسرحيات التي تعالج حياة وسمات الشخصيات بالترابط مع بيئتها العمرانية.

* في جميع الأحوال، كان كلايد فيتش كاتباً غزير الإنتاج، فهو أنتج خلال حياته العملية 33 مسرحية، كما أنه اقتبس 22 مسرحية، ولئن اعتبر الكثير من أعماله ضئيل الأهمية، فإن بعض مسرحياته اعتبر على الدوام، أعمالاً مؤسّسة للكتابة المسرحية الأميركية.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة