|   

النسخة: الورقية - دولي

نعرف طبعاً أن المخرجين الأميركيين الذين اشتهروا ليس فقط بأفلامهم الكبيرة، والتي تعتبر علامات في تاريخ السينما الأميركية والعالمية، بل بكونهم كذلك، وفق التعبير السائد «أصحاب اللحى الذين غيروا السينما وثوّروا هوليوود»، جورج لوكاس، فرانسيس فورد كوبولا وستيفن سبيلبرغ، قد بدأوا حياتهم السينمائية متجمعين متضامنين، لكنهم سرعان ما عادوا بعد ذلك وتفرقوا، كل منهم في طريق يجمعهم دائماً نجاح مشترك ومكانة على القمة لم ينازعهم فيها أحد سوى الضلع الرابع من مربّع مدهش، هو مارتن سكورسيزي. هم لم يتجمعوا معاً بعد بداياتهم الشابة الأولى، ومع هذا حين استدعى منهم «الواجب السينمائي» أن يعودوا إلى العمل معاً ذات يوم، ركضوا من دون تردد واشتركوا في إنتاج فيلم... ياباني، كان واحداً من آخر الأفلام الكبيرة التي حققها «إمبراطور» السينما اليابانية آكيرا كوروساوا. بل إن «الضلع» الرابع، إذ لم يشارك في إنتاج الفيلم الذي مولته شركة «وارنر براذرز» قام بأداء دور تمثيلي في واحد من الاسكتشات التي تألف منها الفيلم. وهذا الفيلم الذي نتحدث عنه هنا هو عمل يتألف من ثمانية اسكتشات، صيغ كل واحد منها من حلم رآه كوروساوا ذات ليلة وسجله على الورق في صبيحة اليوم التالي، نصّاً ولكن رسماً تشكيلياً أيضاً. ويبدو أن السينمائي الياباني الكبير لم يكن يتوخى من تلك المدونات أن تتحول إلى فيلم لصعوبة تنفيذه ولأنه في تلك المرحلة المتأخرة من حياته (أوائل تسعينات القرن العشرين) كان بالكاد يعثر على من يمول له، في اليابان، فيلماً ذا حكاية عادية، فكيف بفيلم تجريبي مجزأ على هذا النحو يغوص في أحلام بعضها كابوسي من نوع ما كان من شأنه أن يستهوي جمهوراً عريضاً يسد كلفة العمل التي يفترض أن تكون باهظة؟ من هنا، كان جلّ ما يأمله كوروساوا، أن يقام معرض للرسوم الناتجة عن تلك الأحلام مصحوبة بالنصوص التي دوّنها.

> غير أن السينمائيين الأميركيين إذ اطّلعوا على المشروع، أقسموا أن يضفروا جهودهم كي يتمكن المعلم الكبير من تحقيق الفيلم مهما غلت التضحيات. هكذا، وُلد فيلم «أحلام» ليعرض خارج المسابقة في دورة عام 1990 من مهرجان «كان» السينمائي وينال تصفيقاً صاخباً ويعتبر من جانب النقاد واحداً من أجمل الأفلام الذاتية في تاريخ السينما الحديثة. كما يمكن القراء أن يتخيلوا أن كل قسم من الأقسام الثمانية يتألف التي يتشكل منها الفيلم من حلم كوروساوا يدور في الطبيعة غالباً ويتراوح بين مشاهد حروب ومشاهد رعب وأخرى تلعب فيها الطبيعة دوراً أساسياً. ولعل من أبرز الاسكتشات - الأحلام ذاك الذي يفتتح الفيلم وعنوانه «شمس مشرقة عبر الأمطار» وهو مبني على حلم للسينمائي ينطلق من أسطورة يابانية عريقة تقول أنه عندما تبرز الشمس والمطر هاطل فمعنى هذا أن ثمة عرساً للثعالب. وفي المشهد صبيّ، لعله السينمائي نفسه حين كان فتياً يتحدى رغبة امرأة ربما تكون أمه في أن يبقى في البيت في يوم كهذا كيلا تلتهمه الثعالب، فيقصد مكان العرس حيث تدرك الحيوانات وجوده... وفيما يدور الحلم الثاني حول احتفال للدمى، يتحدث الثالث عن أربعة رجال جبليين بينهم كوروساوا المراهق يحاولون صعود جبل عنيد صعب المسالك وسط عاصفة مرعبة. وبعد هذا، يأتي الحلم المعنون «النفق» ويدور حول مجموعة من جنود أشبه بالموتى عائدين من هزيمتهم في الحرب العالمية الثانية إلى ديارهم وهم يعبرون نفقاً مرعباً. ويقود هذا الحلم إلى تاليه «العقبان» الذي يلعب فيه سكورسيزي دور الرسام فان غوغ وهو يرسم واحدة من أشهر لوحاته وآخرها تلك التي تحوم فيها العقبان فوق حقل القمح وتكاد تلتهم الرسام. وفيما يقدم الحلم السادس صورة بديعة لجبل فوجي، لكنه ملون بلون الدم الأحمر القاني، ينقلنا الحلم السابع إلى منطقة جبلية عزلاء ونائية يتجول فيها رجل، لعله كوروساوا نفسه، حتى يلتقي شيطاناً بقرن واحد، لنعلم بعد ذلك وبعد أن نرى الشيطان يبكي، أن التقاليد البوذية تتحدث عن كون كثر من الأثرياء ورجال الحكومة يتحولون بعد موتهم، وللتكفير عن خطاياهم وفسادهم، إلى شياطين تتوه في البراري باكية. من هنا، ننتقل إلى الحلم الثامن والأخير الذي يبدأ بوصول شاب إلى منطقة قروية شديدة الجمال والسكينة، لكنه بعد لقاء الشاب مع عجوز ينتهي المشهد والفيلم على جنازة كئيبة لامرأة عجوز...

> على رغم الطابع الحلم أي شبه السوريالي لمشاهد الفيلم، نجد كثراً من النقاد وقد حاولوا تفسيره، إما فرويدياً وإما في ضوء ارتباطه بسينما كوروساوا وحياته. بيد أن هذا الأخير نفسه أكد في كل أحاديثه الصحافية أنها مشاهد منتزعة فعلاً من أحلام يعجز هو نفسه عن تفسيرها «بالتالي لا داعي لهذه المحاولات» داعياً إياهم إلى التمتع بجمال الفيلم وغرابته لا أكثر.

> والحقيقة أن تلك هي الدعوة التي لم يتوقف كوروساوا عن توجيهها إلى النقاد منذ تعرّف إليه العالم من خلال الفيلم الأول الذي شوهد له خارج اليابان «راشومون» الذي عرض أوائل الخمسينات في مهرجان البندقية، وصولاً إلى فيلمه الأخير «لست مستعداً بعد» الذي عُرض عام 1996 في مهرجان «كان». ولئن كان كوروساوا اشتهر على نطاق عالمي واسع مع عرض «راشومون»، فإنه بدأ عمله السينمائي قبل ذلك بكثير، مساعد مخرج أولاً، ثم مخرجاً بعد ذلك. وهو حين حقق «راشومون» عن رواية تعود إلى بدايات هذا القرن، كان أضحى معلماً من معالم السينما في بلده، عبر سلسلة من الأفلام التي كانت ذات بدايات تقليدية، لكنها سرعان ما راحت تتخذ منحنيات أخرى وتغوص في كثير من الأساليب.

> غير أن شهرة كوروساوا، لا تعني أبداً أنه كان ناجحاً في بلده، إذ، منذ البداية، اختار هذا الفنان الطريق الصعب. لأنه جاء من السينما إلى السينما، وليس من أي إبداع ياباني تقليدي آخر، إذ من المعروف أنه، منذ صباه، اعتاد مرافقة شقيقه الذي كان يعمل معلقاً على الأفلام الصامتة. وحين أصبح شاباً كان من المحتم أن يتجه إلى فن السينما، وعمل مساعداً مع المخرج ياماموتو منذ أواسط الثلاثينات. وفي عام 1943، حقق فيلمه الأول «سوغاتا سانسيرو»، وهو منذ ذلك الحين لم يتوقف عن العمل في أفلام متنوعة، وإن كان فيلم «الملاك الثمل» الذي حققه عام 1948، شكّل بدايته الفنية الحقيقية. بعد ذلك الفيلم، حقق كوروساوا 21 فيلماً يعتبر بعضها من كلاسيكيات السينما العالمية، إذ، إضافة إلى «راشومون» كان هناك «الكلب المسعور» (1949) و «الأبله» (1951) و «أن تعيش» (1952) و «الساموراي السبعة» (1954)، ثم «عرش الدم» و «الحضيض» و «ذو اللحية الحمراء» حتى «درسو أوزالا» و «ران» وكاغيموشو» و «سوناتا آب» و «لست مستعداً بعد» (آخر فيلم حققه بنفسه).

> في شكل عام، يقسم المؤرخون أفلام كوروساوا إلى أنواع عدة، فهناك الأفلام المعاصرة التي تناولت أحداثاً اجتماعية راهنة، وهناك الأفلام التاريخية الكبرى التي نهل فيها من التاريخ الياباني ذاته، وهناك الأفلام الأدبية، أي المقتبسة في شكل عام عن أعمال أدبية كبرى تحمل تواقيع غوركي ودوستويفسكي وشكسبير. ونتيجة اشتغال كوروساوا على هذه الأعمال، كان في اليابان يعتبر «غربياً»، حتى وإن كان حرص دائماً على أن يضفي على مقتبساته أجواء يابانية تقليدية.

> واتهام كوروساوا بـ «النزعة الغربية» كان يؤلمه كثيراً، ويشعره بأنه في الوقت الذي يعترف العالم كله بأهميته، عجز عن فرض سينماه في بلاده. ولعل هذا ما جعله يشعر باليأس عام 1970، ما دفعه إلى محاولة الانتحار. تلك المحاولة هزت وقتذاك العالم كله، فتدافع السينمائيون العالميون ومؤسسات الإنتاج الأجنبية إلى دعمه، وعلى هذا النحو مولت له الهيئات السوفياتية الرسمية واحداً من أجمل أفلامه «درسو أوزالا»، كما مول جورج لوكاس الأميركي، جزئياً، فيلمه «كاغيموشا»، وساهم كوبولا ولوكاس وسبيلبرغ ومارتن سكورسيزي في تحقيق «أحلام» (أحد أجمل أفلام كوروساوا وأكثرها ذاتية)، بينما أنتج له الفرنسي سيلبرمان فيلم «ران» المقتبس بتصرف عن «الملك لير» لشكسبير. يذكر أن كوروساوا ظل حتى أيامه الأخيرة مفعماً بالنشاط، مصمماً مشاريعه، وفيلم «أحلام» كان واحداً من تلك المشاريع، أعده وصممه بدقة ورسم كل خطوة فيه.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة