|   

النسخة: الورقية - دولي

إضافة الى عمله الأوركسترالي الدنيوي الكبير، «موسيقى الماء» الشهيرة، عُرف الموسيقي الألماني هاندل، خصوصاً، بأعماله الأوبرالية والأوركسترالية المستوحاة من الكتب المقدسة، منها بخاصة أوراتوريو «مسيا» الذي لا يزال يُعتبر الى اليوم، قمة في نوعه، وبين الأعمال الموسيقية ذات البعد الديني الخالص، الى جانب، «الإنجيل بحسب القديس متى» لمعاصره ومواطنه باخ، و»قداس» موزار الأخير. غير أن هناك عملاً لهاندل، قد يقل شهرة عن بقية أعماله، وقد يقل قوة عنها لأنه يعتبر من أعمال حقبة الشباب، يوم لم يكن هاندل قد نضج بعد، لكنه إذ نسمعه اليوم، سيبدو لنا متميزاً، وأكثر من هذا: معبّراً عن العصر الذي عاش فيه هاندل، بداية القرن الثامن عشر خصوصاً، أكثر من أي عمل آخر من أعماله. مع هذا، فإن هذا العمل تاريخي، يعود موضوعه، أكثر من ألفية ونصف الألفية الى الوراء. نعني بهذا مغناة «لوكريشيا» التي لحنها هاندل عام 1806 في فلورنسا، وكان لا يزال في الحادية والعشرين من عمره، ما يعني أنها واحدة من أول أعماله على الإطلاق.

> ولوكريشيا، في هذه المغناة، كما نعرف، هي تلك الشخصية النسائية الرومانية التي طالما سحرت الكتاب والشعراء والموسيقيين منذ تيت - ليف، الذي كان أول من أورد حكايتها، الى الموسيقار بنجامين بريتن في القرن العشرين الذي وضع عنها عام 1946، واحداً من أجمل أعماله «اغتصاب لوكريشيا»، مروراً طبعاً بشاعر الإنكليز الأكبر، ويليام شكسبير، الذي جعلها بطلة قصيدته، المعنونة أيضاً «اغتصاب لوكريشيا»، والتي كتبها عام 1594 في استيحاء مباشر من تيت - ليف، وهي القصيدة الشكسبيرية الأكثر شعبية والأكثر انتشاراً، الى درجة أن ثمة من يعتقدها مسرحية كتبها شكسبير وضاع نصّها... وهذا غير صحيح طبعاً، لأن «اغتصاب لوكريشيا» كما كتبها شكسبير كانت قصيدة درامية لا أكثر.

> أما بالنسبة الى المؤرخ الروماني تيت - ليف، فتعتبر حكاية لوكريشيا السبب المباشر في ثورة العامة ضد الملوك الرومانيين، ما أطاح الملكية الرومانية. ولوكريشيا في نص مؤرخ الإمبراطورية الرومانية هذا، هي زوجة تاركين كولاتين التي جعلت منها فضيلتها شخصية أسطورية في تاريخ روما. وتقول الحكاية التي يميل كثر من النقاد والمؤرخين الى اعتبارها تاريخية حقاً، أنه حدث ذات يوم أن راح ابنا الملك الروماني تاركين العظيم يتجادلان حول الفضيلة وشرف الزوجة. وللتيقن من صحة - أو خطل - نظرياتهما، اتفقا على أن يقوم كل واحد منهما بمفاجأة زوجة أخيه في دارها. وبعد أيام، جاء سكستوس، الابن الأكبر للملك، الى بيت لوكريشيا المنهمكة في واجباتها المنزلية، فأدهشه جمالها وشخصيتها، ثم انفرد بها وهددها بسيفه حتى يغتصبها، مشيراً الى أنها إن لم تستجب، سيقتلها ويقتل عبداً لها حتى يوحي بأن العبد اغتصبها قبل قتلها، وأنه هو قتل العبد دفاعاً عن شرف العائلة. ويتمكن الأمير من تنفيذ مأربه ويغتصب المرأة الفاضلة. وبعد ذهابه، تكتب هذه الى زوجها وأبيها معلمة إياهما بما حدث، فيحضران لتروي لهما الواقعة وتستحلفهما أن يثأرا لها ولشرفها ثم تنتحر. وأمام جثمانها، يقسم جونيوس بروتوس، الذي كان تاركان قد قتل أباه، بأنه سيعاقب الأسرة الملكية كلها. وهكذا تنطلق الثورة الشعبية العارمة التي تطيح الملكية الرومانية وتقيم الجمهورية مكانها.

> من المؤكد أن الحدث نفسه، والتغير السياسي الذي نتج منه، لم يكونا ما فتن الكتاب والفنانين في هذه الحكاية. ما فتنهما كان شخصية لوكريشيا، وفضيلتها وعفّتها، التي تتناقض تماماً مع ما كان عُهد عن الأوساط الاجتماعية المساوية لها في زمن انحطاط الإمبراطورية الرومانية. وهكذا راح الشعراء والكتاب، والرسامون، إذ قرأوا حكاية لوكريشيا يتفننون في التعبير عنها. ولئن كان شكسبير أوصل التعبير الأدبي الى ذروته في جمال اقتباسه لهذا العمل، فإن هاندل، على صغر سنه في ذلك الحين، أوصل التعبير الموسيقي الى ذروته هو الآخر. ورسم منذ عشريناته أسس استخدامه الموسيقى في التعبير عن الروح، ما أوصله بعد عقود الى كتابة موسيقى «مسيّا» - المستوحاة طبعاً من حياة السيد المسيح وآلامه -، التي لا يفوتنا أن نلمح فيها تأثيرات تبقت لديه من بداياته في لوكريشيا.

> كتب هاندل «لوكريشيا» كما أشرنا في فلورنسا الإيطالية، حين كان يزورها، وهناك من خلال علاقته الوثيقة بالمؤلف الموسيقي الإيطالي الكبير، سكارلاتي، والذي سيتأثر به لاحقاً في كتابته الكثير من «الكونشرتو غروسو» التي سيكتبها في بريطانيا حيث سيقيم بعد عودته من إيطاليا، اطلع على حكاية لوكريشيا وفتنته، وحوّلها - خلال أسبوعين على الأكثر - الى ذلك العمل الغنائي الذي نعرف. والحال، أن مؤرخي الموسيقى لم يفتهم لاحقاً أن ينظروا الى «لوكريشيا» هاندل، على أنها العمل الذي به غادرت الموسيقى مناخها السابق الذي كان جعل منها، في القرن السابع عشر على الأقل، أشبه بترجمة ديكارتية لدخول العقل الحسابي عالم الموسيقى في ابتعاد من الروح وعواطفها، لتعود بقوة الى عالم الروح. في «لوكريشيا» هاندل تجلت الروح على أروع ما يكون. لأن الموسيقى هنا امتلأت بالعاطفة، صارت معبرة عن الداخل، كاشفةً كل ما هو مخبأ في ذلك الداخل. لم يعد من الصعب على الفنان أن يستخدم اللحن ليعري الروح وأحزانها وتقلباتها، بعد أن كانت اللغة في محدوديتها وحذرها، المكان الوحيد الذي يمكّن من ذلك.

> هنا في هذا العمل المتفرد، الذي لحنه هاندل على شكل مغناة (كانتاتا) لصوت السوبرانو والكلافيسان (البيانو القديمة)، عرف الفنان الشاب كيف يحقق قطعة شعبية سلسة عاطفية وقوية، التقطتها إيطاليا كلها ما أن عرفت بها وراحت تغنيها منشدة من خلالها توق الإنسان الى الفضيلة وتقديره اهتمام الفنان بذلك. ... ومن بعد إيطاليا، كان من الطبيعي لهذه «الكانتاتا» أن تعبر جبال الألب وتعرف نجاحاً كبيراً طوال سنوات. وهكذا حين وصل هاندل الى لندن ليقيم فيها فترة طويلة من حياته، كانت لندن كلها تعرف هذا العمل وتحس به. وهنا لا بد من أن نذكر أن هاندل استخدم نصاً مجهول المؤلف - يدين بعض الشيء الى نص شكسبير - ويظهر على شكل مونولوغ (مناجاة) طويل، تروي فيه لوكريشيا ما حدث لها على يدي تاركان الفتى سائلة الآلهة «أن تنتفض ضد ذلك العاهر» منتقمة لها منه. وإذ لا تستجب هذه لدعائها، لا يعود أمامها إلا أن تخبر بالأمر أباها وزوجها في روما، منشدة شكواها عبر لحن جنائزي مهيب، في انتفاضات كرامة تطلع بين الحين والحين لتؤجج مشاعر الرجلين وتحرك رغبة الانتقام لديهما.

> كان على الموسيقى هنا، أن تقول في كل وضوح أن الألم الجسدي الذي تعاني منه لوكريشيا، ليس ذا شأن أمام آلامها النفسية، تلك الآلام التي لا يمكن البرء منها، والتي خلقت لديها رعباً وندماً وتمزقاً. النص المكتوب لا يتجاوز الخمسين بيتاً، كتبت في مقاطع ثلاثية ورباعية قصيرة الجمل. غير أن هاندل تمكن من تجاوز هذا، ليعطي العمل كله، مازجاً السطور، مقطّعاً الكلمات، بعداً تراجيدياً واضحاً، زاد من قوته وجدّته في ذلك الحين لجوؤه الى التكرار، مع تغيير في النمط اللحني بالنسبة الى الكلمة والعبارة. وهذا الذي قد يبدو لنا اليوم اعتيادياً، كان رائداً في زمنه.

> على أيّ حال، كان ذلك العمل نقطة انطلاق جورج فردريك هاندل، الحقيقية. وهاندل ولد عام 1685 في مدينة هاللي بمقاطعة ساكسونيا الألمانية، وبدا عليه منذ طفولته شغف وموهبة موسيقيان كبيران. كتب عام 1705، أول عملين له وهما «الميرا» و»نيرون»، ثم سافر الى إيطاليا، ومكث فترة تشبّع خلالها بالثقافة والموسيقى الإيطاليتين، وتجول بين فلورنسا والبندقية وروما، وسيكون لصداقته لسكارلاتي تأثير كبير فيه، كما في هذا الأخير أيضاً. بعد ذلك، توجّه الى لندن، حيث اعتبر المؤسس الحقيقي للحداثة الموسيقية الإنكليزية. وكتب هناك بعض أعماله الكبيرة - ومنها «موسيقى الماء» -، التي كان الجمهور يتابعها بشغف، خصوصاً أنه عبر «شاوول» و»مسيّا» وغيرهما من الأعمال المشابهة، أدخل الى إنكلترا فن الأوراتوريو الذي عشقه الجمهور. وحين مات هاندل في عالم 1759، كان يعتبر مؤسساً كبيراً لموسيقى القرن الثامن عشر، وكانت أهميته تفوق كثيراً أهمية معاصره باخ.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة