|   

النسخة: الورقية - دولي

حتى إن كان كثر من الباحثين يعتبرون رواية آليخو كاربانتييه المعروفة في ترجمات أوروبية عديدة لها بـ «اقتسام المياه» كتاباً في أدب الرحلات أكثر منها رواية، أو بمقدار ما هي رواية، فإن معظم المعنيين بأدب هذا الكاتب الكوبي الكبير المعتبر أحد مؤسسي ما يسمى بالواقعية السحرية، ينظرون إليها معتبرينها واحدة من أجمل رواياته بل حتى من أكثر تلك الروايات ذاتية. هذا دون أن يغرب عن بالنا أنها تكاد تكون الرواية الكبرى التي حقق فيها كاربانتييه ما كان يصبو إليه دائماً في أدبه من كتابة عمل يدنو فيه من عوالم إرنست همنغواي الذي كان في بداياته يتخذه مثلاً أعلى له. فالرواية التي تحمل في الأصل الإسباني عنواناً مختلفاً تماماً هو «الخطوات الضائعة» ما يقربها أكثر من عوالم همنغواي الغارقة في فلسفة الإخفاق، تقوم على ثلاثة أبعاد أساسية: العاطفة والمغامرات وصعوبة مبارحة المرء تاريخه. أما الجانب الذي يجعل بعضهم يعتبرها أقرب إلى أن تكون كتاباً في أدب الرحلات، فيؤمنه لها كونها تسير في حركة لا تهدأ من بلد إلى آخر ومن منطقة إلى أخرى حتى داخل البلد الواحد، وذلك بالتوازي مع بعد أساسي آخر فيها يجعلها في الوقت ذاته أشبه بأن تكون رواية تعليمية من النوع الذي من المؤكد أن الشخصية- أو الشخصيات- الأساسية فيه لن تكون في نهاية المطاف ما كانت عليه في بدايته.

> أما الشخصية المحورية والتي تعنينا هنا أي شخصية بطل الرواية، فهي عالم في الموسيقى نلتقيه أول الأمر في حياته الزوجية في مدينة غير محدد تماماً، لكن الدلائل كلها تشير إلى أنها نيويورك. إن الرجل يضجر في حياته وقد تدهورت علاقته بزوجته الممثلة روث إلى درجة بات يشعر معها أن كل خطوة ولحظة عاطفة بل جملة حوار بينهما إنما هي واجب عائلي يشبه القيد. ومن هنا يقرر ذات يوم أن يغادر إلى بلد في أميركا اللاتينية، القارة التي أتى منها أصلاً، في صحبة عشيقته موش، التي كان يمضي وقته معها في المدينة الكبيرة أيضاً وها هي ترضى بمرافقته إلى حيث يهرب من واقعه ويبحث عن إلهامات موسيقية جديدة يأمل منها بأن توفّر له مبرر وجود جديد. صحيح أن البلد الذي يقصده الآن لا يحمل اسماً كما حال المدينة التي جاء منها، لكن كل الدلائل تشير إلى أنها فنزويلا التي كان كاربانتييه على أي حال مقيماً فيها يوم كتب «اقتسام المياه» عام 1950، ما يعزز طبعاً الشعور بأن ثمة الكثير مما هو منتم إلى السيرة الذاتية في هذه الرواية، إضافة طبعاً إلى ما نعرفه عن كاربانتييه ذاته من أنه كان، إضافة إلى عمله الكتابي، عالماً موسيقياً له العديد من المؤلفات في هذا المجال.

> إذاً يصل بطلنا وصاحبته الى هذا البلد الجديد وذريعته الأولى البحث عن آلة موسيقية قديمة من الآلات الهندية التقليدية، وهو لهذا يبدأ التجوال في المناطق النائية، لكنه في الوقت ذاته يبدأ بالإحساس بأن صاحبته موش ليست صادقة في ادعاءاتها الموسيقية والثقافية التي كانت في البداية قد بهرته بها، ومن هنا، بالتوازي مع فرحه بالحياة الجديدة المملوءة بالحث والمغامرة، ها هو يسأم من جديد من امرأته الثانية هذه التي بمقدار ما تعبر له عن سرورها بخوض المغامرة «في بلاد المتوحشين هؤلاء» وفق تعبيرها، يبدو عليها الندم لمرافقته في تلك الرحلة التي تزداد صعوبة يوماً بعد يوم، ما يؤثر فيها صحياً وجمالياً فتفقد بريقها وحماسها تاركة الرجل غير مبال بها بمقدار ما يغوص أكثر وأكثر في ثنايا مغامراته واستكشافه المناطق النائية. بل إنه سرعان ما يلتقي امرأة حسناء صبية من أهل البلاد تدعى روزاريو ويغرم بها ما يجعل موش خارج كل حساباته، فتقرر هذه أنها لم تعد قادرة على تحمله. وحين تصاب لاحقاً بجرح خلال خناقة لها مع روزاريو تمرض وتنقل إلى نيويورك. وعلى هذا النحو تبدأ بالنسبة إلى بطلنا حقبة جديدة من حياته علاماتها ثلاث: أولاً حريته المطلقة المستعادة، ثم غوصه أكثر وأكثر في التقاليد والموسيقى الشعبية الهندية محققاً اكتشافات في هذه المجالات ما كانت لتخطر على باله أول الأمر، وبعد ذلك إحساسه بالإنفصال التام عن كل ما يمت إلى حياته السابقة بصلة، ولا سيما بالنسبة إلى التناقض المذهل الذي «يكتشف» وجوده بين كل الموسيقى التي سبق له أن اشتغل عليها، وهذه التعابير الموسيقية الجديدة التي يعثر عليها في هذه المناطق من العالم. المناطق التي كلما كان يتوغل فيها أكثر، كان يتعرف إلى مزيد من أشخاص متنوعي المشارب والأصول راح يحس بأنهم يزيدون حياته غنى. ولا سيما منهم ثلاثة قُدّر له أن يرتبط بهم في مرحلة متقدمة زمنياً وجغرافياً من ترحاله، وذلك بالتزامن مع وقوعه حقاً هذه المرة، في غرام روزاريو التي وجد فيها أصالة لا تتمتع بها أي من امرأتيه السابقتين.

> فهو تعرف من ناحية إلى الأخ بيدرو دي هنيستروزا، وهو عالم متدين يشتغل في تلك المناطق من العالم بالاحتكاك بالسكان المحليين، ثم تعرف إلى باحث عن الذهب يوناني الأصل يدعى يانيس، ثم أخيراً، إلى المدعو آدلانتادو الذي كان قد أقام مدينة جديدة في أعماق الأدغال أطلق عليها اسم سانتا مونيكا دي لوس فينادوس. وهو سرعان ما دعا بطلنا وصديقته الهندية إلى الإقامة في تلك المدينة. وبالفعل توجه هذان إلى سانتا مونيكا حيث عاشا في سعادة ورخاء وأحس باحثنا الموسيقي بأنه قد وجد نفسه أخيراً، وأن في إمكانه من الآن وصاعداً أن يشتغل على موسيقاه كما يشاء، ويرفض كما يشاء أيضاً، كل الموسيقى الغربية التي كانت قد شغلته طوال العقود الأولى من حياته، بخاصة أن فتاته الهندية ازدادت تألقاً وصدقاً مع الوقت فكانت الجانب الإنساني في عملية اكتشافه لأصالته. غير أن حياته السابقة كانت له هنا بالمرصاد...

> فالذي حدث أن زوجته الأولى، في المدينة التي تكاد تكون نيويورك، رأت أنه قد غاب أكثر كثيراً مما يمكنها احتماله، فاعتقدته مفقوداً وأبلغت عنه الصحافة والسلطات التي راحت تبحث عنه حتى علمت أخيراً بمكانه وبأنه على قيد الحياة. وهكذا، ذات يوم فيما كان صاحبنا يعيش أوج سعادته وعودته إلى جذوره، تحط طائرة غير بعيد من وسط سانتا مونيكا والغاية استعادته. صحيح أنه يرضخ لذلك صاغراً، لكنه يخلف وراءه في سانتا مونيكا مسودات العمل الموسيقي الذي يشتغل عليه، كما يخلف طبعاً روزارياً واعداً بالعودة ما إن يسوي أموره القانونية والضمانة، طبعاً، أوراقه الموسيقية.

> ولكن بما أن الرياح لا تجري، مرة أخرى، كما تشتهي السفن، يجد صاحبنا في المدينة الكبيرة أن الإجراءات الإدارية لعودته ليست بالسهولة التي كان يتوخاها، كما يعجز عن العثور على من يمول له عودته فيتأخر. وأخيراً حين يتمكن من العودة يصل فقط إلى بلدة هي الأخيرة قبل سانتا مونيكا حيث يلتقيه صاحبه يانيس ليبلغه بأن كل شيء تبدل وبخاصة منذ يئست روزاريو من عودته فتزوجت إبن أخ صاحب المدينة.... وأنها تنتظر وليدها. وإذ يعجز صاحبنا عن إكمال الرحلة الى مدينة أحلامه لأن النهر الفاصل بينها وبين مكان وجوده الآن بات موحلاً ويجب لاجتيازه انتظار موسم الجفاف، يقبع وحيداً وقد أدرك أنه لم يكن بالنسبة إلى كل الآخرين، سوى زائر موقت.

> من الواضح أن موضوع رواية آليخو كاربانتييه (1904- 1980) شديد الذاتية، لكنه في الوقت ذاته يكاد يعبر عن مجموعة كبيرة من أفكار ترتبط بالسفر والأصالة والمعاصرة والحب. لكن التيمة الرئيسة تبقى هنا فكرة «انسحاق إنسان هذا الزمن» تحت وطأة الحضارة الحديثة. صحيح أن بطل الرواية هنا استشعر هذا من خلال ارتباطه بالطبيعة في تعبيرها الأكثر وحشية وبدائية، لكنه ظل عاجزاً عن الانفصال عن كونه «إنساناً متحضراً»، هو الذي يأخذ عليه الكاتب أنه، في الوقت الذي كان يعيش ويستمتع في صحبة الشعوب البرية هنا، ظل يعود في أحاديثه إلى هوميروس وشيلي والكتاب المقدس وموسيقييه الكلاسيكيين المفضلين. ومن هنا نراه يعلق في الصفحات الأخيرة بين عالمين وقد خسرهما معاً.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available