|   

النسخة: الورقية - دولي

خلال العقد ونصف العقد الأخيرين من حياته، انصرف الرسام النهضوي تيشيانو (تيتيان) وهو مستقر ينعم بالمجد والمكانة في مدينة البندقية التي تبنته، فاعتبر دائماً رسامها الكبير، انصرف الى رسم لوحات إما تمثله هو شخصياً أو تمثل بعض أفراد عائلته. وهو في بعض الأحيان كان يستخدم أبناءه وبناته وأقرباءه الآخرين موديلات للوحات لا يُفترض بها أصلاً أن تكون لوحات خاصة. ومن هنا مثلاً استخدامه صغيرته المفضلة لافينيا التي سترحل باكراً بعد ذلك، والتي كانت سيرة تيشيانو تقول انه كان شديد التعلق بها، في لوحتين بديعتين له هما «الصبية مع طبق الفاكهة» و «صورة الصبية مع مروحة»، تعودان الى سنوات الخمسين من القرن السادس عشر الذي كان رسامه الكبير. غير أن اللوحات الأساسية الخاصة التي تعود الى سنوات تيشيانو الأخيرة والتي صوّر فيها نفسه في مراحل عمره المتقدمة، تبقى من أجمل ما حقق من أعمال. ويمكن أن نذكر في هذا السياق لوحة ذاتية له تعود الى ما قبل ذلك وتدعى «أوتوبورتريه برادو» على اعتبار أنها معلقة منذ زمن في متحف برادو الإسباني في مدريد. وهي لوحة تصور لنا الرسام في وضعية جانبية غارقاً في تأملاته، لكنه كما يبدو منكب في الوقت نفسه على رسم لوحة ما، وربما اللوحة نفسها على اعتبار انه يبدو كما لو انه يحدق في المرآة – وهو الأسلوب الذي كان االرسامون يرسمون به لوحاتهم الذاتية في ذلك الحين توخياً للدقة -. والحال إننا إن قارنا بين هذه اللوحة ولوحة أخرى للرسام نفسه تعود لفترة أسبق وتدعى «أوتوبورتريه برلين»، سنجدنا أمام الرسام وهو يتسم بحيوية أكبر إنما غير منصرف هذه المرة الى الرسم، فيما يقترح علينا دارسو أعماله أنه ربما يكون في هذه اللوحة منصرفاً الى تفحص لوحة انتهى من رسمها وينظر اليها نظرة ناقدة (تحديداً بحسب إقتراح الباحث إيان كنيدي الذي وضع أكثر من دراسة عن الرسام، تميّزت جميعها بالتركيز على الجانب السيكولوجي المبكر في أعماله).

> المهم أن تيشيانو اشتغل خلال تلك السنوات المجيدة و«المريحة» من حياته – ونضع «المريحة» بين معقوفتين لأنه إذا كان الرسام عاش اسمى درجات المجد خلال تلك السنوات وبات اسمه ضمانة لقوة عمله، فإن المآسي العائلية لم تبارحه في الوقت نفسه -، على عدد لا بأس به من لوحات صور فيها نفسه في حالات سيكولوجية متنوعة اشتغل عليها الدارسون طويلاً كما سيكون شأنهم مع غيره من كبار الرسامين الذين رسموا انفسهم في عدد كبير من اللوحات الدالّة، من أمثال دورر ورمبرانت وفان غوغ وصولاً الى ماكس بكمان وغيرهم. غير أن اللوحة «الذاتية» التي توقف عندها الباحثون طويلاً وأمعنوا فيها تحليلاً ودرساً، إنما هي اللوحة المعروفة بـ «أمثولة الحكمة» أو «رمزية الفطنة» وهي لوحة أنجزها الفنان أواسط سنوات الستين بعد أن ظل يشتغل عليها، كعادته بالنسبة الى لوحاته الكبرى، طوال سنوات عديدة.

> صحيح أنها لوحة صغيرة إذ لا يزيد ارتفاعها إلا قليلاً عن خمسة وسبعين سنتمتراً، فيما يقل عرضها عن السبعين، لكن هذه اللوحة المعلقة اليوم في ناشنال غاليري في لندن وتعتبر من مفاخره، ربما تكون لوحة تيشيانو التي أسالت القدر الأكبر من الحبر على مدى القرون الأخيرة. ومن الواضح أن الاهتمام البحثي لا ينصبّ على شكل هذه اللوحة بقدر ما ينصبّ على مضمونها. وكثر هم الباحثون الذين يرون أنها تكاد تمثل وصية أخلاقية حاول الفنان تركها لخلفائه، لا سيما لأبنائه في أعوامه الأخيرة، تحتوي على أمثولة تتعلق، كما يدل العنوان المقترح لها، بالحكمة والفطنة أو هذا على الأقل، ما تقترحه شتى الدراسات التي تناولتها انطلاقاً من كتابة فازاري – مؤرخ الفن النهضوي – عنها. ولكن قبل العودة الى هذا لا بد من أن نوضح أننا هنا أمام بورتريه ثلاثية – إن لم تكن سداسية بالنظر الى وجود رؤوس ثلاثة حيوانات الى جانب الرؤوس البشرية الثلاثة في اللوحة. فما الذي تفعله كل هذه الرؤوس هنا؟

> إنها بالتأكيد تصور لنا أطواراً ثلاثة من العمر ومن صنوف السلوك، وذلك عبر التوازي المقام في اللوحة بين كل رأس بشري وكل رأس حيواني. أما الرجال الثلاثة الذين نراهم في اللوحة فهم، من اليسار الى اليمين: الرسام تيشيانو نفسه وقد صور نفسه صورة جانبية تقريبا وهو في سن متقدمة جداً – ما لا يقل عن سبعين سنة -، ثم ابنه أوراتزيو الذي صوره وجاهياً، ثم أخيراً، وعلى الأرجح هذه المرة، ابن أخيه الشاب المراهق ماركو. ومن الواضح هنا أن الكتابة باللاتينية في بقاع متنوعة من خلفية اللوحة، ناهيك بوجود الرؤوس الحيوانية أمور تقول لنا إننا هنا في صدد أمثولة فنية/فكرية تتعلق بالزمن وبالتالي بالحكمة التي يكتسبها المرء بمرور هذا الزمن. والحكمة هنا هي، بالطبع، صنو الفطنة التي هي ما يدعو الفنان متفرجي اللوحة الى توخيها في كل مراحل الحياة. صحيح انه يعطي هنا، لكل حقبة من العمر حقها في أن تكون مختلفة عن اية حقبة أخرى – من خلال اختيار حيوان معيّن يربطه بها – لكنه يبدو كمن يتمنى على من ينظر الى لوحته، أن يختصر المراحل ويتوخى الحكمة في كل مرحلة من تلك المراحل، فيجنب نفسه بذلك، مغبة الخوض في متاعب الحياة. ومن الواضح هنا أن المسافة الفاصلة بين الوصية والموعظة، مسافة عرف الرسام كيف يجتازها. فبالنسبة إليه، إذا كان الزمن يعلمنا شيئاً فهو إنما يعلمنا الحكمة والتعاطي مع الأمور بفطنة. ومن هنا ما يقترحه بعض الدارسين من أن تيشيانو، عبر هذه اللوحة وإدماج ابنه وابن أخيه فيها على قدم المساواة كتتابع في خلافته، أراد أن يدعو العائلة الى التعامل مع إرثه بحذر واحترام، ليس فقط من موقع مادي، لم يكن على أية حال في حاجة الى لوحة لها كل هذه القوة التعبيرية كي يعبر عنه، بل من موقع معنوي وأخلاقي. وكأنه يريد هنا أن يقول: لا تحسبوا إرثي لوحات لها قيمتها المادية وحسب، بل هي أفكار وإبداعات حافلة بالمعاني... هي إرث فكري صيغ على شكل أعمال فنية.

> لقد توقف الباحثون طويلاً عند التظليل الذي جعله الرسام لوجهه وكأنه يقول أن الأمر قد انقضى وهو الآن بات غائصاً في ماضٍ لن يعود، أما وجه أوراتزيو المتأرجح بين النور والظل فهو كناية عن الحاضر الذي يعيش اليوم تحديداً مرور الزمن الى درجة ان نظرته الحالمة تكاد تقترح علينا ذلك الطابع غير المؤكد للزمن نفسه. هذا فيما نرى ماركو الذي يشع وجهه بضياء لا لبس فيه، يعبق بأمل من ينتظر بشوق ما ستحمله اليه الأزمان المقبلة. أما رؤوس الحيوانات هنا فإنها للتعبير، في ارتباطها بكل من الوجوه البشرية الثلاثة، عن سيكولوجية كل شخصية من الذئب العجوز المرتبط بالرسام نفسه، الى الأسد الصارم المرتبط بابن الرسام، وصولاً الى الكلب المستنفر، كما حال الشباب دائماً، والمرتبط بوجه ماركو.

> منذ انجازها وعرضها، لم تكف هذه اللوحة عن إثارة مخيلة الباحثين. أما بالنسبة الى تيشيانو نفسه، فإنه من بعد ما رسمها رأى أنه أبلغ كلمته/وصيته الى من يرى أن الأمر يعنيهم. بالتالي كانت على الأرجح واحدة من آخر «البورتريهات» الذاتية التي حققها. بل بالتحديد كانت واحدة من آخر لوحاته حيث نعرف انه من بعدها لم يرسم كثيراً. كان قد بلغ السبعين من عمره وبات واحداً من المحكّمين في المسابقات الكبيرة – كان هو من سلم فيرونيزي واحدة من أولى الجوائز التي نالها هذا الأخير. كما صار عضواً في لجنة ديزينيو في فلورنسا. وهو خلال السنوات التالية صمم وبدأ في رسم لوحة «البييتا» الأخيرة التي كان يريد منها أن تزين قبره. في وقت راح فيه يتأمل مسار حياته الذي قاده خلال سنوات طويلة (1490 -1976) من قريته الصغيرة في بييفي دي كادوري الى البندقية وفلورنسا، ليصبح بعد تتلمذه على الأخوين بلليني، ثم بخاصة على جورجوني – مشاركه حتى في بعض اللوحات المبكرة -، واحداً من أربعة يعتبرون كبار الكبار في الرسم النهضوي الإيطالي، الى جانب دافنشي ومايكل آنجلو ورافائيل...

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available