|   

النسخة: الورقية - دولي

خلال المراحل الأخيرة من مساره الكتابي الطويل والذي تركز أساساً على الكتابة للمسرح، اشتغل الكاتب الإيطالي لويجي بيرانديللو على عدد من مسرحيات أحدثت ثورة في عالم فن الكتابة للخشبة، من ناحية انها انتمت الى نوع لم يكن رائجاً في ذلك الحين، يمكن أن نسميه «المسرح داخل المسرح»، بمعنى أن ما يدور على الخشبة أمام أعين المتفرجين إنما هو مسرحية يحاول بعض الممثلين أن يلعبوها مندمجين فيها متخذين من المتفرجين الحقيقيين شهوداً على ما يفعلون، وذلك ضمن إطار المسرحية الأصلية التي جاء هؤلاء المتفرجون، أصلاً، كي يتفرجوا عليها. ولئن كانت مسرحية بيرانديللو «ستّ شخصيات تبحث عن مؤلف» اعتبرت دائماً ذروة هذا النوع ونموذجه الأفضل، فإن الكاتب الإيطالي المجدّد عاود الكرّة وكتب غير عمل لاحق يسير في الاتجاه نفسه. ويمكننا أن نعتبر مسرحيته التي كُتبت وقُدّمت في العام 1930 «هذا المساء نرتجل» ثاني أعماله في هذا المجال من ناحية الأهمية والشعبية بعد «ستّ شخصيات...».

> صحيح أن كثراً من النقاد والدارسين اعتبروا المسرحيات الثلاث الأساسية التي كتبها بيرانديللو في هذا السياق، أعمالاً ذهنية حاكمين بأنه قد يكون من الأفضل قراءتها بدلاً من مشاهدتها إذ إنها «قد تفقد خلال الأداء المسرحي الفعلي كثيراً من معانيها»، وفق تحليل أحدهم، لكن الجمهور، والجمهور العريض تحديداً وليس في إيطاليا وحدها، دائماً ما نقض هذا الحكم معتبراً المسرحيات داخل المسرح ثورة حقيقية في المسار المسرحي في القرن العشرين، علماً أن المسرحيات البيرانديللية الأساسية التي تنتمي الى النوع كانت الأكثر ترجمة وتقديماً في دزينات من اللغات. بل أحياناً كانت هي الوحيدة المعروفة عالمياً بين أعمال هذا الكاتب الذي ذُكرت هذه المسرحيات في حيثيات نيله جائزة نوبل للآداب في العام 1934 قبل عامين من رحيله عن عالمنا.

> كما يمكننا أن نتوقع، تتمحور «هذا المساء نرتجل» من حول فرقة مسرحية يديرها المدعو دوتّوري (الدكتور) هنكفوس، وهي تستعد لارتجال عمل مسرحي مقتبس من نصّ للكاتب بيرانديللو عنوانه «وداعاً ليونورا!»... غير أن الأمور، ومنذ البداية لا تسير على ما يرام بين المدير وممثليه الذين لا يوافقون على مفاهيمه المسرحية لا سيما انه، هو، لا يتوقف عن أن يطالبهم بأن يكونوا، في تقديم العمل، شخصيات أكثر منهم ممثلون. فإذا كان يطالبهم بذلك لماذا تراه يملي عليهم حركاتهم وسكناتهم ... أوليس في هذا تناقض أساسي ينسف اللعبة بأكملها؟ مهما يكن سيتمكن الجميع ذات لحظة من تجاوز هذا الخلاف الأساسي للبدء في تقديم العمل وقد تلبّس كل ممثل شخصية من شخصيات الحكاية. والأساسيون بين هؤلاء هم السنيور بالميرو كروتشي وزوجته المتسلطة سنيورا إغناتسيا وبناتهما الأربع مومّينا وتوتينا ودورينا وأخيراً نيني. وكانت العائلة كلها انتقلت من نابولي حيث كانت الفتيات ينعمن بقسط من الحرية، الى صقلية المحافظة حيث ليس ثمة ما يبعث سروراً في النفس... فيما عدا حامية من جنود سلاح الجو تتألف أساساً من ضباط وسيمين سرعان ما تصبح فتيات العائلة فائقات الشعبية بينهم ما ينطبق على الأم الحسناء أيضاً. غير أن هذا الوضع لا يريح واحداً من الضباط هو ريكو فيرّي، ولا بقية سكان المدينة.

> في المقابل لا نجد الأب مبالياً. بل هو منصرف الى لهوه اليومي في كاباريه المدينة حيث يبدو انه هائم بواحدة من المغنيات الى درجة انه سيقع ميتاً ضحية لمحاولته الدفاع عمن حاولوا تلويث شرفها. وعندما تصل الأحداث الى هذه النقطة، يندلع الخلاف من جديد بين مدير المسرح وممثليه الذين يطرحون هنا أسئلة شائكة حول مقدار ما يتوجب عليهم التمسك بالنص أو الخروج عنه. ولسوف ينتهي هذا الفصل بإلقاء الممثلين المدير خارجاً معلنين أن في إمكانهم الاستغناء عنه، طالما أنهم يرتجلون.

> يدور الفصل التالي بعد تلك الأحداث بسنوات، كانت مومّينا خلالها تزوجت من الضابط المحافظ فيرّي الذي سيؤكد بسرعة ما كانت تتوقعه منه أصلاً: غيرته الفائقة عليها وتخيّله الدائم إنها على علاقة بالضباط الآخرين. ولما كانت مومّينا انجبت طفلين من زوجها هذا، واصطدمت معه بعنف تقودها تعليمات أمها وأخواتها، تكتشف في جيب معطفه بعد خروجه بطاقة لأوبرا «إبل توبادوري» لفيردي من بطولة اختها توتينا التي كانت أضحت مغنية أوبرا مشهورة في تلك الأثناء. وهي لتأثرها تنطلق شارحة لطفليها شؤون المسرح وتقنياته في وقت تغني فيه نشيد «وداعاً لينورا!» ثم تندمج في الغناء الى ان تقع ميتة. وهنا يتراكض الممثلون الآخرون في المسرحية بعد أن ينهوا الارتجال، كي يتبيّن لهم ما يحدث حقاً لمومّينا فيعتقدون انها لم تمت تمثيلاً، بل ماتت بالفعل. غير انهم سرعان ما يفاجَأون بها تنهض، فيختلط الحابل بالنابل إذ لم يعد أحد يعرف الآن اين الحقيقة وأين الخيال. وفي اللحظة نفسها يحدث أن يعود دوتّوري هنكفوس محاولاً استطلاع ما يجري، فيتحلق الممثلون من حوله ضاجّين صاخبين مطالبين بأن تكون هناك من الآن وصاعداً نصوص مكتوبة مسبقاً يؤدون أدوارهم إنطلاقاً منها، فهم لم يعودوا، في الحقيقة، قادرين على الإرتجال لأنه يخلط الأمور ببعضها البعض. وهكذا يقفل المدير الستار وهو يعتذر من المتفرجين «إذا كانوا قد لاحظوا بعض الأمور غير المنتظمة في هذا العمل الذي قُدّم لهم للتو!».

> من الواضح هنا أن لا موقف الممثلين المتمردين على مديرهم والذين لا يتوقفون عن محاولة استمالة الجمهور كنصير لهم في مواقفهم، ولا المدير نفسه، يحاولون الاستنتاج مما حدث أن لعبة الإرتجال فشلت. كل ما في الأمر ان الممثلين ليسوا دمى تتحرك بفعل محرك خارج عنها طالما أن العبء الأساس يقع عليهم. فالدخيل هنا هو المدير الذي يحاول أن يفرض القواعد وهو يزعم أنه لن تكون هناك قواعد ولا هم يحزنون. غير أن من الواضح فيما وراء هذا كله أن ما يقدمه بيرانديللو في هذه المسرحية، ليس مجرد مسألة تقنية وصراعاً من حول حدود الصلاحيات بين فنانين وفنيين، بل جوهر لغته المسرحية وفلسفته الفنية.

> فنحن إذا تمعّنا جيداً في «هذا المساء نرتجل» سنجدنا أما التيمات الرئيسة الثلاث التي كانت تهيمن في ذلك الحين على مسرح بيراديللو: ففيما وراء تصويره للشخصيات المتصدعة النابضة مع ذلك بالحياة مقيمة علاقة مباشرة مع جمهور المتفرجين، يحاول الكاتب أن يقول لنا في المقام الأول، إن الإنسان هو الذي، في نهاية الأمر يخلق شخصيته وحياته، لكنه سرعان ما يضحي أسيراً لما يخلق، وبعد ذلك يؤكد لنا الكاتب أن الواقع نسبي، وهو يتغير تبعاً لوجهة النظر التي منها ننظر اليه، ثم في المقام الثالث، يفيدنا الكاتب، بما لم يتوقف عن التأكيد عليه في كل كتاباته ومنذ البدايات، من أن الفن إنما هو الواقع الأخير، واقع يسمو على الحياة نفسه وتحديداً بفضل ديمومته طالما اننا نعرف أن الفن دائم فيما الحياة عابرة، ولكن في الوقت نفسه يبقى الفن أدنى أهمية من الحياة لأنه ثابت فيما هي متغيّرة. ونحن يمكننا في هذا السياق، أن ندرك من خلال تتبعنا لأعمال بيرانيللو، ولكن في شكل خاص لمسرحيات «المسرح داخل المسرح»، أن ثمة خلف هذه التيمات الأساسية جملة من صراعات هي التي تحرك الدينامية المسرحية لديه: الصراع بين قوة الحياة البدئية، وقوة تلك التي صنعها الإنسان والمجتمع (أي بين الطبيعة والثقافة)، والصراع بين الطبيعة في عفويتها والأشكال المبتكرة، ناهيك بالصراع الأساسي بين الحقيقة والمظهر، وبين الوجه والقناع...

> والواقع أن الإمعان في التركيز على مثل هذه الأفكار التحليلية، كان هو الذي جعل الباحثين يتطلعون دائماً الى مسرح لويجي بيرانديللو (1967 - 1936) باعتباره مسرحاً ذهنياً. مهما يكن، سواء وافقنا على هذه النظرة أو لم نفعل، فإن بيرانديللو يبقى واحداً من كبار كتاب المسرح في القرن العشرين، ولكن ليس فقط بمسرحياته «داخل المسرح»، بل كذلك بمجمل أعماله التي منها ما هو أكثر كلاسيكية أو أكثر تجريبية مثل «هنري الرابع» أو «كسو العرايا» أو «لكل طريقته» أو «كما تريدني»، ناهيك بكتاباته الروائية أو القصصية ومن أشهرها طبعاً «المرحوم ماثياس باسكال» و «دفاتر سيرافيم غوبيو، مصوراً» و «واحد، لا أحد ومئة ألف».

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة