|   

النسخة: الورقية - دولي

أربع روايات كبيرة على الأقل، عرفت كيف تجعل من المسار المهني للكاتب الروسي إيفان تورغنيف مساراً مميزاً. بل تجعل من صاحب هذا المسار حتى واحداً من أكبر الكتّاب الروس الذين عرفوا كيف يجعلون من السير على نمط الكتابة السائدة في الغرب الأوروبي فعل إيمان أساسي يطبع عملهم. ولئن كان قد قيل دائماً إن تورغنيف يشكل ضلعاً في مثلث الكتابة الروسية الروائية على النمط الغربي، الى جانب تولستوي الذي كان يصغره بعشرة أعوام ودوستويفسكي الذي يصغره بثلاثة أعوام، فإن تورغنيف بـ «آباء وأبناء» و «الحب الأول» و «عش النبلاء» و «رودين»، على الأقل، بزّ الجميع في منحاه «الغربي» هو الذي يلفت نظرنا طبعاً كونه عاش في الغرب سنين عديدة من حياته ليرحل عام 1883 في بوجيفال الفرنسية حيث عاش أمراضه المستعصية خلال السنوات الأخيرة من حياته. وهو كان حين مات في الخامسة والستين من عمره وكان لا يزال يحلم بمزيد من السفر وبمزيد من المجد. ولكن أيضاً بمزيد من الحكايات الغرامية. وفي هذا السياق الأخير قد يكون ممكناً أن نضع لمسة المجد الأخيرة التي عاشها ذاك الذي أمّن على أية حال ذلك الرابط الأدبي بين بوشكين ومعاصرَيه الكبيرين - دوستويفسكي وتولستوي -، تلك اللمسة التي تجسدت في تقديم نجمة المسرح الروسي في ذلك العصر ماري سافينا عام 1879 لمسرحية كان تورغنيف قد كتبها من دون أن يهتم كثيراً بتقديمها على الخشبة منتظراً فرصة سانحة لذلك. وهو بعد انتظار تسعة وعشرين عاماً، إذ كان كتبها أول الأمر عام 1850، قدمها الى ماري لتقوم ببطولتها كنوع من عربون تقدير ومحبة!

> تقدير لقيمة ماري التي كانت صاحبة المكانة الأولى في المسرح الروسي حينها، كما أشرنا. ولكن عربون محبة لها أيضاً لأن الكاتب الذي كان قد أضحى كهلاً عام 1879، ما إن التقى ماري بعد غياب حتى أُغرم بها كعادته فكانت العودة الى المسرحية وعنوانها «شهر في الريف». ويروى أن الكاتب قبل أن يدفع هذه المسرحية الى ممثلته المفضلة، أحدث فيها من التعديلات بحيث تحضر ماري في كل مشهد ودقيقة على الخشبة يحيط بها الجميع ويحبها الجميع، بل تنتهي المسرحية نهاية قوية تظهر مقدرة تلك الفنانة الإستثنائية جمالاً وأداء. في نهاية المطاف بدت المسرحية في حلتها الجديدة وكأنها خُلقت لماري وللتغني بجمالها وذكائها وفضائلها حتى وإن بدت طوال أحداث المسرحية وكأنها تمزج بين إيما بوفاري - في رواية الفرنسي فلوبير - وآنا كارينينا - في رائعة الروسي تولستوي -، لتنقل على الخشبة صورة المرأة الخالدة في كل تقلباتها وحالاتها مرغوبة كانت أو راغبة. ولئن أدركت ماري سافينا زخم هذا العمل الفني ومدى رغبة المؤلف في أن يكون عمله مرتبطاً بها، بادلته كرماً بكرم فقدمت، كما سيقول النقاد، ذلك الأداء للدور الذي بدا إستثنائياً وأعطى النص وحواراته، ثم دقائق صمته الطويلة، زخماً مدهشاً على الخشبة الروسية سيعتبر ممهداً لمجيء تشيخوف ومسرحه السيكولوجي، وهو ما لم يكن واضحاً على أية حال في الصياغة الأولى للمسرحية التي كتبها تورغنيف وكان بعد في الثانية والثلاثين من عمره.

> كما قد يوحي عنوان المسرحية، فإن هذه لم تحمل أحداثاً معينة، بل أتت أشبه بمدونات أسابيع عدة توبعت خلالها حياة عائلة روسية من الفئة المثقفة خلال إقامتها في دارتها الريفية، وكيف تتشابك العلاقات وتبدأ الغراميات لتنتهي، إنما من دون مآسٍ كبيرة هنا، ومن دون خبطات مسرحية هناك، بل حتى من دون تبدلات حاسمة في حيوات الشخوص. كل ما يجري أمامنا هو هنا أشبه بغيوم صيف تعبر مهما كان سمكها. وعلاقات تتركب وتنفرط مهما بدا أول الأمر أنها عميقة ودائمة. فالمهم بالنسبة الى الكاتب هنا إنما هو دراسته الشخصيات وسيكولوجيتها تحت وقع اللقاءات والأهواء التي دائماً ما تحمل خلف عاديتها إمكانات بناء وتدمير.

> على هذا النحو إذاً، يأخذنا النص ذو الفصول الخمسة الى الدارة الريفية الجميلة الواقعة عند طرف منتزه ساحر. ونقابل هناك أول ما نقابل سيدة البيت الحسناء ناتاليا بتروفنا، الثلاثينية المثقفة التي سرعان ما سنلاحظ إهمال زوجها لها وألمها الناتج من ذلك... غير أننا لن نتمكن أول الأمر من إدراك ردود فعلها الحقيقية على ما تعيش. ولكن سرعان ما يدخل في الصورة الطالب الشاب والوسيم آلكسيس الذي يؤتى به كمعلم خاص لابن السيدة ويقيم معهم في الدارة حاملاً معه زهو الشباب وحيوية لم يدرك وجودها هو نفسه حتى ينعكس ذلك على ناتاليا التي سرعان ما ستشعر بانجذاب نحوه. لكنها لن تكون الوحيدة في ذلك إذ إن الصبية فيروشكا ابنة السابعة عشرة وتلميذة ناتاليا ستشعر بدورها بنفس هذا الانجذاب نحو الشاب ذاته. غير أن هذا الانجذاب المزدوج لن يخلق لا صراعاً عنيفا بين المرأتين. ولا أي بعد دراميّ. كل ما في الأمر أن شيئاً من المرارة سوف يعتصر ناتاليا دافعاً إياها الى دفع الصبية بصورة غامضة الى اختيار عريس يكبرها في السن بين عدد من طالبين تقدموا اليها. فناتاليا لا تفصح قط عن عواطفها، ربما هي تتصرف بتأثير تلك العواطف وإنما بصمت لا يخلو من مكر نسائي لطيف. ولسوف تكون هي أول المتنبهين الى ما تفعل من استبعاد «غير واضح» لغريمة لها، فتلمّ بها دهشة من أدرك يوماً أنه يتكلم نثراً... وهنا إذ تريد ناتاليا أن تسرّ الى أحد بما ينتابها من مشاعر، يقع اختيارها على آلكسيس نفسه، الذي ما إن تفاتحه بما انتابها من مشاعر مفاجئة تجاه فعلتها، حتى يُذهل الشاب أمام اعترافها الذي يبدو في منتهى البراءة ويقرر الإفلات من شرك أحسّ أنه يُنصب له لكنه سرعان ما يقع في ذلك الشرك وتبدأ حكاية غزل لطيف بين ذينك الكائنين. غير أن ما كان يبدو في البداية سراً تواطؤياً يتقاسمه كائنان «بريئان» سرعان ما يُحدث من دون قصد انقلاباً في مناخ الدارة كلها. إذ لا شيء يبدو الآن كما كان. وكل العلاقات تصبح غير مؤكدة. وفاروشكا مثلاً، التي كانت واثقة من مبادلة آلكسيس لها حباً بحب، تكتشف ان الأمور ليست على ذلك النحو فتبادر الى الابتعاد راضية بالزواج من المكتهل الذي كانت ناتاليا قد نصحتها به. والشاب راكيتين الذي كان يتطلع في شكل سري وغامض الى لفتة تجاهه من لدن ناتاليا التي يمضي أيامه وهو مولع بها، سيكون فجأة موضع اتهام من قبل زوج هذه الأخيرة بأنه يحاول إغواءها والمساس ببراءتها، فلا يكون منه إلا أن يمتزج الغضب باليأس لديه ويقرر مبارحة المكان بأسرع ما يكون هو الذي كان هيامه بالسيدة مجرد هيام بريء. أما آلكسيس الذي يجد ان حضوره في هذا المكان قد تسبّب في قدر لم يرده ولم يتوقعه من الاضطراب في هذا البيت الذي شعر بأنه كان يعيش هدوءاً مثالياً قبل مجيئه اليه، فإنه يقرر بدوره الرحيل منقذاً البيت من الإزعاج الذي تسبب فيه ومنقذاً روحه من تلك الخطيئة التي كاد يغرق فيها. أما ناتاليا فإنها سرعان ما تستعيد تألقها وهدوئها كربة بيت وكأن شيئاً لم يكن... وبذلك ينتهي ذلك الشهر العادي جداً والهادئ جداً الذي نمضيه مع تلك العائلة الروسية المثالية في ريف روسي مثالي، ولكن من دون عنف العواطف والأهواء الروسية المعتادة والتي تهيمن عادة على مثل تلك المواقف. فإذا كان ما تبقى من شهور الصيف سيمضي وديعاً هادئاً، فإن هذا الهدوء وتلك الوداعة هما ما اعتبرا تجديداً في مزاجية المسرح الروسي في ذلك الحين.

> لقد اعتبر النقاد هذه المسرحية عملاً استثنائياً يدور «من حول سلسلة من أزمات تندلع لكن الكاتب عرف كيف يخنقها في مهدها». والحقيقة ان مثل هذا الحكم يمكن أن يُطلق على معظم أعمال إيفان تورغنيف (1818 - 1883) الذي ولد لأب عسكري لا معنى له، كما سيقول هو نفسه، وأم غنية صارمة حرمته من المال لتغرّبه وغرامياته، حتى انتهى بها الأمر الى الوفاة تاركة له ثروة مكنته من العيش والتجوال، لكنها لم توفر له السعادة إلا بعيداً عن روسيا حيث عاش في برلين وباريس مصادقاً الفلاسفة التقدميين والكتاب الكبار الذين سرعان ما اعتبروه واحداً منهم.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available