|   

النسخة: الورقية - دولي

في أيامنا هذه قد لا يكون «إدغار كينيه» أكثر من اسم لساحة ولمحطة مترو وسط العاصمة الفرنسية يعبرهما مئات الألوف يومياً حتى من دون أن يعبأوا كثيراً بمعرفة من كان صاحب هذا الاسم حقاً. ويمكننا أن نقول أن زمن السرعة والسطحية الذي نعيشه هذا لم يعد يسمح بأكثر من ذلك. ومع هذا، لم يكن إدغار كينيه شخصاً بسيطاً أو عابراً خلال الثلاثة أرباع الأولى من القرن التاسع عشر. فهو كان رجل أدب وسياسة وفكر ناضل طويلاً في سبيل مبادئه الجمهورية والعلمانية والديموقراطية، وتحمّل المنافي والنكران غير متراجع وغير خائف. وكل ذلك من دون أن يتخلى عن إيمان ديني اختاره بنفسه منذ صباه ولم يتخلَّ عنه بعد ذلك أبداً. واللافت في هذا المجال أن كينيه قال دائماً أنه يدين في ذلك إلى أمه التي على رغم كونها كالفينية متشددة، لم تمانع تمسكه بالكاثوليكية. بيد أن كاثوليكيته كانت واعية منفتحة تتقبل الآخرين. ومن هنا دنوه من العلمانية في مجالات السياسة والتربية ودفاعه العنيد عن المبادئ الجمهورية طوال حياته. وإذا كان كتابه الذي كرسه لـ «الجمهورية» يعتبر أساسياً ومعتمداً في الفكر السياسي الفرنسي أواسط القرن التاسع عشر، فإن كتاباً آخر له عنوانه «الثورة» يمكنه أن يستوقفنا هنا حتى وإن لم يكن الأشهر بين عشرات الكتب والدراسات التي وضعها كينيه خلال حياته.

> نشر إدغار كينيه كتابه «الثورة» في عام 1865 وكان قد تجاوز الستين من عمره. ولئن كان من الصعب اعتبار هذا الكتاب واحداً من أفضل الكتب الفرنسية التي أرخت لثورة عام 1789، حيث نعرف منذ ميشليه وعشرات غيره من الكتاب والمؤرخين أن ثمة نصوصاً أساسية تبدو أكثر أهمية في التأريخ لتلك الحوادث العاصفة التي عرفتها فرنسا وغيّرتها نهائياً كما غيّرت العالم في طريقها، فإن ما يميز كتاب كينيه ويجعله عملاً على حدة، كان انطلاقه من البحث في مجريات الثورة الفرنسية ليستخلص العديد من الدروس العامة في ما تمكننا تسميته «علم الثورة» وانطلاقاً من هنا: علم التاريخ. أي أن الهمّ الأساس لكينيه، وكما سنرى، كان الإجابة عن سؤال أساسي هو: كيف نكتب تاريخ الثورة؟ وبالتالي: كيف ننظر الى ذلك التاريخ بصرف النظر عما إذا كنا من أنصار الثورة أو من خصومها؟

> إذاً انطلاقاً من موقفه الجمهوري الذي لم يكن في إمكانه أن يقف موقفاً مضاداً من الثورة الفرنسية، على رغم كل الانتقادات التي يمكن توجيهها لممارسات رجالها، أو في الحقيقة، بعضهم - وهنا يكمن جوهر الكتاب الى حد ما، يغوص كينيه أول الأمر، في دراسة الأسباب الحقيقية للثورة (ولكل ثورة بالتالي). وهو هنا كصاحب مسؤولية تاريخية عما يكتب، يستعرض أول الأمر كل «ذلك الإشعاع الذي يشكل القيمة السياسية والاجتماعية الحقيقية للثورة الفرنسية بخاصة». وهو يقول لنا هنا أنه سوف يكون من الخطأ الفادح حين نحكم على الثورة، أن نضع على قدم المساواة أفعال أشخاص متفاوتي القيمة. حيث إن ذلك الذي «يزعم أن الثورة يجب أن تُقبل أو تُرفض بالجملة إنما يتصرف كمزوّر للتاريخ لا كمؤرخ». وعلى العكس من هذا، يرى كينيه أن أجمل تكريم يمكن أن نقدمه للماضي إنما يكمن في «أن نتطلع بعين الوعي والتبصّر الى الأسباب الكامنة وراء الحوادث كما وراء الأشخاص الخائضين تلك الحوادث». ومن المؤكد بالنسبة الى الكاتب أن «النتائج ستكون بالغة الأهمية، تبعاً لدقة نظرتنا ونزاهتها». وهنا إذ يرى الكاتب أن المراحل التي أعقبت الثورة الفرنسية قد انتزعت بعيداً من التاريخ الوطني تلك الأسباب التي جعلت الشعب يثور، «بات من الضروري اليوم أن نعود الى الدنو من تاريخ الثورة بذهنية علمية» وذلك كي «لا نترك فريسة للضياع ذلك التراث الإنساني وتراث المواطنة، إذ نتركهما لقمة سائغة تحت رحمة الأخطاء التي اقترفت باسم الثورة». وهو بالنسبة الى كينيه تراث مقدس. ومن هنا نراه يشتغل عليه بحميّات مقدسة وغالباً بالاستناد الى عدد كبير من الوثائق التي يبدو أن أكثرها لم يكن قد سبق له أن نُشر من قبل. وبالاستناد الى مثل تلك الوثائق التي لم يكن دحضها ممكناً، يؤكد كينيه بما لا يدع مجالاً لأدنى شك، أن ضروب التعصب والوحشية التي ارتبطت الثورة بها وأدت الى حقبة الإرهاب التي كانت هي ما قضى على الثورة، أتت إلى هذه الأخيرة من خارجها ومتناقضة تماماً مع روحها وأهدافها.

> صحيح، كما يقول كينيه، أن ثوريين من طينة روبسبيير وفي مواجهته دانتون، يمكنهم أن يتسموا بالنسبة الينا بقدر كبير من العظمة بالنظر الى إرادتهم الصارمة في خدمة القضية المشتركة والعامة، بيد أن «تعصبهم انتهى به الأمر الى أن يلحق بالثورة أكبر الأذى». وربما يكون في مقدورنا حتى أن نعتبره المسؤول المباشر عن تدمير المبادئ التي كانوا يريدون، وبالاستناد اليها تحديداً، أن يبنوا إنسانية جديدة يُفترض أن تكون أكثر نقاء وأكثر حرية. ويؤكد كينيه هنا أن ذلك التعصب هو الذي ولّد بعد المرحلة الإرهابية، حقبة اللاشرعية التي كانت هي من أنجب من رحمها وعلى التوالي 18 برومير ونابوليون.

> في شكل أو في آخر، يرى إدغار كينيه أن الثورة، وبعد نقاء ساعاتها الأولى المجيدة والتي كانت حتمية من الناحية التاريخية، إنما عادت وتطورت ضمن سياق الصراع الذي «كان لا بدّ أن يندلع» بين التجديدات الاجتماعية والسياسية من ناحية، والأخطاء القديمة من ناحية ثانية. وهو يعدد هنا بعض تلك الأخطاء على الشكل التالي: العنف، ذهنية التحيز، والأحقاد الشخصية في شكل خاص... غير أنه لا يفوته أن يستدرك هنا قائلاً: «لكن هذا كله وما رافقه، لم يتمكن من الحيلولة دون زرع تلك البذور التي ولّدت، من ناحيتها، تلك الحرية والتوق الى الحرية في آن معاً». ويرى كينيه هنا أن كل مساوئ الثورة وخطاياها ليس في إمكانها أن تمحو هذا المكسب الأساسي الذي «يسري الآن في شرايين العالم وأوردته». إذ مهما يكن من شأن مآل الثورة - الثورة الفرنسية وكل ثورة - ومهما يكن من شأن أحوالها التالية، فإن مجرد اندلاعها يحمل في طياته انتصارها الدائم. ومن هنا ذلك الرهان الذي نجد إدغار كينيه يعبّر عنه بعد ما لا يقل عن ثمانية عقود على اندلاع الثورة الفرنسية، على استمراريتها «في الأذهان على الأقل» على رغم كل شيء. ومن هنا، في نقلة بديعة من «التأريخ للثورة واستعراض أخطائها وخطاياها» الى «استخلاص الدروس الإيجابية من كل فعل ثوري صادق ويسير في خط التقدم الإنساني»، يتوقف كينيه هنا عند ما هو أساسي في كتابه، حيث نجده، وبلغة تحمل قدراً كبيراً من الحماسة والإخلاص، يستعرض منطق الحوادث رافضاً مبدأ الحتمية. فالعامل البشري عامل أساسي هنا، والثورة علم وليست تنجيماً. أما تراجعها فإنه يدخل منطق الأمور من دون أن يكون ذا بعد محتم. وذلك بالتحديد لأن الحوادث الثورية «إذ تباغت المعنيين بها بفعل تراكم الحوادث والمواقف»، تخلق زعماءها من بين ركام الحقب السابقة وهؤلاء يأتون إلى الثورة بأفكارهم وتكوّناتها القديمة المنتمية الى تلك الحقب السابقة. وهنا تكمن المعضلة الأساس وتظهر الحاجة الى أخلاقيات ثورية جديدة ليست الأنانيات جزءاً مكوناً منها... والسؤال بالنسبة الى كينيه يكمن هنا بالتحديد. أما الأجوبة فتمثل في نصوص أساسية أخرى له ولا سيما في العديد من كتبه التي كرّسها لشؤون التربية والتعليم ولقضايا الجمهورية وبنائها وغير ذلك من شؤون عامة من الواضح أن كينيه قد ضحى، للعمل عليها، بمسار أدبي وفكري نظري نجده ماثلاً في أعماله ولكن دائماً بأشكال جنينية.

> وإدغار كينيه (1803 - 1875)، الذي اعتبرت كتاباته الأساسية، والى حد ما كتابه «الثورة» هذا، أعمالاً فكرية تأسيسية تسير، على الأقل في الخط الفكري الذي اختاره الكاتب لنفسه، ضمن الذهنية التي بنى عليها توكفيل مفاهيمه التحليلية في كتابه العمدة في هذا المجال: «النظام القديم والثورة»، تميز عن سلفه الكبير بنزعة رومانسية ونضالية أُخذت عليه عام نشر الكتاب من بعض خصومه، فما كان منه إلا أن ألحقه بكتاب ثان في العام نفسه عنوانه «نقد الثورة» أصدره من منفاه في سويسرا ثم استخدمه لاحقاً كمقدمة للطبعة الخامسة من «الثورة».

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available