|   

النسخة: الورقية - دولي

«يا إلهي... إنها حقيقية أكثر من أية لوحة حقيقية أخرى!». هكذا كانت صرخة واحد من النقاد وهو يشاهد للمرة الأولى عام 1937 تلك اللوحة «التكعيبية» التي صوّر فيها بابلو بيكاسو صديقته «الجديدة» في ذلك الحين، دورا مار، واسمها الحقيقي دورا ماركيفتش وكانت في ذلك الحين في الثلاثين من عمرها قدّمت نفسها للأوساط الثقافية والفنية كمصوّرة فوتوغرافية مبدعة آتية من موطنها الأصلي يوغوسلافيا وقد آلت على نفسها أن تصبح جزءاً من الحياة الفنية في عاصمة النور. وقد لا نكون في حاجة الى الإشارة هنا إلى أن رسم بيكاسو لها في تلك اللوحة، كان طريقها الى تحقيق غايتها. لكننا نذكّر في الوقت ذاته بكم أن «بورتريه دورا مار» هذه اعتُبرت دائماً واحدة من أجمل البورتريهات النسائية التي رسمها بيكاسو في حياته. فهي لوحة عرفت كيف تجمع تماماً بين التكعيبية في أحلى تجلياتها وبين الواقع. فالحال أنه على عكس ما قد يحدث في البورتريهات التكعيبية الأخرى حيث قد يجهد المتفرج طويلاً قبل التعرف الى الشخص المرسوم، كان في هذا البورتريه العديد من العناصر التي جعلت التعرف الى دورا من خلاله فوريا. ومن المؤكد أن هذا يعود الى قدرة بيكاسو الفائقة على التوفيق هنا بين نظرته الخاصة الى تلك السيدة، وواقعها الموضوعي. بل أكثر من هذا الى المزاوجة بين روحها الداخلي وسماتها الخارجية.

> لقد اعترف بيكاسو دائماً بأن توصّله الى هذا الإنجاز أتى لديه عفوياً. وبالتالي قال ما معناه أنه لئن كان كثر من النقاد والدارسين قد اعتبروا «بورتريه دورا مار» فاتحة لمسار جديد غني في تلوينيته وخطوطه، بالنسبة الى مساره التكعيبي الذي كانت أعماله في ذلك الحين تشي بقرب اضمحلاله لمصلحة انعتاق أكبر من الالتزامات المفهومية، فإن هذا البورتريه بدا علامة أساسية على ذلك. مهما يكن، يبقى أن علينا أن نتوقف هنا بعض الشيء عند دورا نفسها وما مثلته بالنسبة الى بيكاسو الذي كان يدنو حينذاك من عامه الستين بخطى حثيثة وفتنته تلك المرأة الثلاثينية بصباها وزينتها وتعاملها الحرّ مع الحياة - وهي أمور لا شك في أن التمعّن في اللوحة يوصلنا إليها. ولسوف يتحدث بيكاسو كثيراً عن دورا لاحقاً، راوياً كيف أنها في أحد لقاءاتهما خلعت قفازيها ووضعت يدها على الطاولة ثم تناولت سكيناً حاداً خبطت به الطاولة بين أصابعها خبطات متلاحقة، ويقول بيكاسو مبهوراً: «لقد حققت نجاحاً في معظم محاولاتها، لكن إخفاقها في مرات قليلة جعل يدها مخضبة بالدم». فهلا يحق لنا أن نقول أن بيكاسو عرف في لوحته هذه كيف يعبّر عن نظرته الى جرأة دورا وذكائها وسحرها؟

> مهما يكن من أمر هنا، لا بد من التذكير بأن بيكاسو لم يرسم لدورا هذا البورتريه فقط، بل إنه خلّدها في عدد من اللوحات الأخرى ولكن دائماً ضمن إطار همّ لم يفارقه: همّ التركيز على ما يسمها من عنف داخلي. ومن الممكن لنا هنا أن نفترض أن الخطوط الأفقية والعمودية التي جعلها تهيمن على خلفية اللوحة إنما تبدو وكأنها محاولة من الرسام لاحتواء موديله داخل إطار ضيق... ولسوف يقول دارسون لحياته وعمله إن هذا الأسر هنا يكاد يكون في حقيقته كناية عن ذاك الذي يحيط به كل نسائه في لوحاته. ومع هذا علينا ألا ننسى كم أن هذا الأسر يتناقض مع الوظيفة التي كانت دورا مكلفة بأدائها في ذلك الحين: فهي كمصوّرة بارعة كانت الوحيدة المسموح لها بأن تتابع بكاميراها لحظة بلحظة مراحل إنجاز بيكاسو لوحته الأشهر «غيرنيكا» التي كانت صرخة مدوية من أجل حرية الشعب الإسباني وضد الفاشية الهتلرية التي قصفت تلك البلدة الإسبانية الصغيرة لمصلحة فرانكو!

> وفي الأحوال كافة، وكما قد يكون في إمكان هذه اللوحة التي نتحدث عنها هنا، أن تقول لنا، كانت دورا واحدة من أولى «نساء بيكاسو» اللواتي عرفن كيف يقمن علاقة الند بالند مع هذا المبدع الذي، ومنذ بداياته الباريسية على الأقل، حرص دائماً على أن يقيم مع المرأة علاقة سيطرة. أما عن تلك البدايات فنعود بالذاكرة أكثر من ثلث قرن من إنجاز «بورتريه دورا مار» لنلتقط ذلك الفتى العشريني الذي كان لا يعرفه أحد في باريس، ويعلن هو بكل وضوح أنه لا يعرف أحداً فيها، من دون أن يخفي عمن يحب أن يصغي اليه انه إنما أتى الى العاصمة الفرنسية غازياً لا متفرجاً، وانه يعول كثيراً على إقبال الناس على لوحاته. وفي البداية، لم يقبل الناس على لوحاته بالصورة التي كان من شأنه أن يتوقعها. لا نقول إنهم تجاهلوه كلياً، نقول بالأحرى إنه لم يلفت أنظاراً كثيرة. فالعصر كان عصر جنون وعصر تجديد في باريس بداية القرن. فما الذي جاء يفعله ذلك الشاب الإسباني النحيل والمعتد بنفسه وما الذي يمكن أن تفعله لوحاته المغرقة في حزنها الأندلسي الأصيل.

> لقد كان ذلك الفتى العشريني أندلسياً ما في ذلك شك: أندلسياً بسحنته وكبريائه، ولكن أيضاً بألوانه وخطوطه وعوالم لوحاته. وإسبانيا لم تكن على الموضة في فرنسا ذلك الحين. ومن هنا اعتبر ذلك المعرض الباريسي الأول لبابلو بيكاسو، والذي نظمه امبرواز فولار في الغاليري الخاص به، تحدياً لحياة فنية تعيش حبوراً حقيقياً. ولكن لئن تجاهل الجمهور العريض ذلك المعرض الذي افتتح يوم 24 حزيران (يونيو) 1901، فإن لوحات بيكاسو المولود في ملقة في 1881، والذي كان في ذلك الحين بالكاد ينطق جملة صحيحة باللغة الفرنسية، عرفت كيف تجتذب، على الأقل، اهتمام النقاد، وفي مقدمهم الناقد الشهير فيليسيان فاغوس الذي كتب يقول متحمساً: «إن بيكاسو رسام، رسام في شكل مطلق وواضح. إنه يبجل الألوان لذاتها». ولم يكن فاغوس الناقد الوحيد الذي أبدى مثل تلك الحماسة، إذ تبعه في الأيام التالية نقاد وفنانون بهرتهم لوحات بيكاسو بخطوطها البينة وعنف ألوانها.

> وهكذا، يوماً بعد يوم، راح زوار المعرض يتزايدون. وحدثت المعجزة الصغيرة. إذ ما إن مضى الأسبوع الأول حتى كان معرض الفنان الإسباني الشاب بابلو بيكاسو، حديث باريس، وتحققت نبوءة الشاب: إذ ها هو الآن بفضل النقد الذي عرف كيف يكتشفه، ها هو يغزو باريس. وبهذا المعنى غزا بيكاسو باريس، لكن غزوه لها كان مزدوجاً، اذ في الوقت الذي راحت فيه باريس تكتشفه، اكتشف هو كبار فنانيها الذين كانوا على «الموضة» في ذلك الحين من تولوز - لوتريك الى ديغا الى فوييار. وكان اكتشافه لهم وغوصه طوال شهور في الحياة الباريسة نقطة تحول في حياته الفنية، اذ ولدت لديه حينذاك تلك المرحلة التي عرفت باسم المرحلة الزرقاء، وتواكب ذلك مع قراره المتخد بالإقامة في باريس منذ ذلك الحين.

> إذاً، علاقة بيكاسو بباريس بدأت مع ذلك المعرض الأول الذي افتتح فنون القرن العشرين بأسره. ولكن، هل كان بيكاسو يدرك في تلك اللحظات الحاسمة من حياته أنه إذ يفتتح بألقه وألوانه الإسبانية هذا القرن العشرين الوليد، سيظل متربعاً بعد ذلك على عرش فنونه طوال عقود وعقود من السنين؟ وهل كان المتفرجون والنقاد الذين أموا قاعات غاليري امبرواز فولار في أيام الصيف الباريسي تلك انهم انما كانوا يشهدون في تلك اللحظات ولادة حقيقية (ولادة ثانية بعد ولادته البرشلونية الاولى على أي حال) لفنان سيطبع فنون القرن العشرين بطابعه؟

> أبداً بالتأكيد. لقد كان الكثيرون، ومنهم ابولونير - الذي كان الى جانب شاعريته ناقداً تشكيلياً وهنا - مدركين حقا انهم هنا أمام فنان كبير، وربما رأوا انه استثنائي بعض الشيء. ولكن من المؤكد ان أياً منهم لم يكن مدركاً ان ثمة في الأفق معجزة فنية حقيقية تتكون في تلك العلاقة التي قامت منذ ذلك الحين بين عيون مدهوشة ولوحات تحمل سمات إسبانية لا شك فيها تبدو وريثة شرعية لغويا وزورباران وبيلاسكويث، بين آخرين.

> بيكاسو الذي كان- بحق- فنان القرن العشرين الأول، كان من حظه أن افتتح معرضه الباريسي هذا القرن، وشهدت باريس من خلاله بداية تطور سيعرف بعد ذلك مراحل عديدة متلاحقة، طور بيكاسو خلالها فنه تطويراً أساسياً، من دون أن ينسى للحظة معرضه الباريسي الأول الذي حمل له فألا حسناً، ولفنون العصر زخماً جديداً.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة