|   

النسخة: الورقية - دولي

إذا استثنينا طلاب المدارس الثانوية في فرنسا وغيرها من البلدان الفرنكوفونية، ربما سنجد هذا الكتاب الذي كان ذات يوم، الأشهر في الأدب الفرنسي، منسياً الى حد ما في أزماننا هذه. ومع هذا، ما إن يُستدعى من خلال الذاكرة ويُستدعى كاتبه، حتى ينبثق عصر وجو متكاملان، وتنبثق رواية صحيح أنها كانت العمل القصصي الوحيد الذي خلفه كاتبه، لكن هذا كان يكفي لإدخال عمل كتبه هذا الأخير وهو بالكاد تجاوز الخامسة والعشرين من عمره، عالم الخلود. فرواية «مولن الطويل» لآلان - فورنييه ليست من تلك التي قد تمر مرور الكرام، حتى وإن كانت تقف خارج كل «موضة» وكل زمن. هي رواية الأحاسيس المطلقة ورواية أحلام المراهقة وغرامياتها. رواية كتبت لعمر ندر أن كتب له أحد شيئاً سوى روايات المغامرات والحركة. هنا، في هذه الرواية التي كتبت بلغة شاعرية شديدة الذاتية، توجه الكاتب، من خلال ذاته ومن خلال مرجعيات أدبية وشاعرية، وفي لغة تمزج بين الخيال والواقع، توجه الى مجايليه المراهقين الخائضين أولى تجاربهم الغرامية ولكن الحياتية أيضاً، يكتب لهم وعنهم غير آبه بالآخرين.

> «مولن الطويل» التي صدرت للمرة الأولى عام 1913، عشية اندلاع الحرب العالمية الأولى وقبل عام من وفاة كاتبها هي رواية الحب أكثر منها رواية عن الحب. رواية الحب المستحيل بالأحرى هي التي يضعها كاتبها تحت مظلة أستاذين كبيرين في فن الشعر والخيال سابقين عليه: جيرار دي نرفال وبول فيرلين. فنراه يستعير من الأول عوالم روايته المعرقة في خياليتها «سيلفي» (1853) ومن الثاني أجواء قصيدته «حلمي الأليف» التي يقول فيها: إنني غالباً ما أرى هذا الحلم الغريب والمتغلغل فيّ/ الحلم بامرأة مجهولة أحبها وتحبني/ امرأة ليست في كل مرة هي ذاتها تماماً/ وليست امرأة أخرى تماماً، لكنها تحبني وتفهمني». لكن امرأة «مولن الطويل» ليست مجهولة ولا حتى للراوي، فرنسوا، الذي يبدو هنا وكأنه يحكي لنا قصة حب ليس مؤكداً أنه طرف فيها، إلا إذا أدركنا انه إنما يضع شيئاً من ذاته في كل شخصية من الشخصيات التي تدور هذه الرواية الريفية الفرنسية من حولها: إيفون دي غاليه، المرأة المحبوبة الغامضة/ البسيطة التي لم تُرَ سوى مرتين كانتا كافيتين لتحويلها موضوعاً لذلك العشق الاستثنائي الكبير. ولكن ليس عشق فرنسوا لها بل عشق مولن الطويل الذي يحمل هو الآخر شيئاً من ذات الراوي تماماً كما يفعل البوهيمي فرانتز لي غاليه.... كل هذه الشخصيات تحوم هنا في الرواية إنما منظوراً إليها بعيني ووجدان فرنسوا نفسه الذي ليس في نهاية الأمر سوى صدى الكاتب الذي إنما أراد هنا أن يحكي لنا حكاية الحب المطلق، ذلك الحب الذي لا يبارح صاحبه ما أن يملك عليه شغاف قلبه.

> ولأن الأمور هكذا في «مولن الطويل» لا يعود ما يهم الكيفية التي بها تنتهي الرواية ولا من سيفوز بفؤاد فتاتها في نهاية الأمر. فـ «البطولة هنا ليست للأحداث، ليست للنهايات السعيدة» بل لتلك الصفحات البديعة التي كانت تعلن منذ اكتشاف القراء والنقاد هذا النص البديع، والذي يقف خارج أي زمان ومكان، في مرحلة كان العالم يبتعد فيه كلياً من ذلك النوع من العواطف، أن الحب لا يزال ممكناً، وأن الحب إنما يكتمل في عدم اكتماله. ولا سيما في زاوية مخفية من العالم تعيش على إيقاعها الخاص بعيداً من زحام التطورات الكبيرة، وبما يفترضه ذلك من ليال غامضة وأحداث لا تفسير لها ولقاءات وعلاقات بين الشخصيات اعتبره الدارسون والنقاد جزءاً من إرث دي نرفال البديع الذي عرف آلان- فورنييه كيف يستحوذ عليه مازجاً بينه وبين شاعرية فرلين وربما إدغار آلن بو أيضاً.

> ونعود هنا إلى آلان- فورنييه نفسه والذي يذكرنا دائماً بأن هناك كتّاباً تتحول حياتهم الى أسطورة بسبب أحداثها المدهشة، وبعضهم يتحول الى أسطورة بسبب كتاباته الخارقة التي تأتي لتعوض على حياة لم يعشها فتصبح الكتابات حياة ثانية تغطي تفاهة الحياة الأولى وخواءها. بيد أن هذا الكاتب الفرنسي، تحول هو نفسه الى أسطورة، ولكن من دون أن ينتمي لأي من النوعين اللذين أشرنا اليهما. بل إن أسطوريته لم تأت، حتى، من موته المبكر والغامض على جبهة الحرب العالمية الأولى، منذ الأشهر الأولى لاندلاع تلك الحرب.

> من الناحية الأدبية، لم يخلف آلان فورنييه الذي «اختفى» على الجبهة خلال شهر أيلول (سبتمبر) 1914، وكان لا يزال في الثامنة والعشرين من عمره، لم يخلف سوى تلك الرواية الوحيدة، ومجموعة شعرية غير ذات أهمية، وبعض المتفرقات الأخرى من مراسلات ومقالات يكاد النسيان يطويها اليوم. ما تبقى من حياة آلان - فورنييه أو ما يعطي لتلك الحياة جاذبيتها هو بالطبع روايته «مولن الطويل» التي لا تزال تُقرأ على الأقل في أوساط الطلاب والشبان في فرنسا وخارج فرنسا حتى اليوم. ولكن يتبقى أيضاً من حياة آلان- فورنييه دلالاتها، فهو اذ عاش وترعرع عند المنعطف الفاصل بين القرنين التاسع عشر والعشرين، عكس في شخصيته وحياته وتطلعاته، أحلام وخيبات جيل بأسره، ومهد لتلك التساؤلات الكبرى التي سوف تطبع ذهنيات الشبيبة في القرن العشرين ككل، وستصل الى ذروتها عبر أسئلة سنوات الستين، التي- حتى من دون أن تدري- سوف تستعير من آلان فورنييه شاعريته وقلقه وخوفه الممزوج باحتفال مدهش بالحياة.

> ومع هذا، من المعروف أن آلان- فورنييه عاش حياته كلها «خارج الحياة» أي خارج المسرح الواقعي والملموس للحياة. عاش في أحلامه وأسئلته يبحث عن وجهه في زحام الأيام ويتساءل عما إذا كان موجوداً حقاً. في تلك السنوات، كان نوع من العقلانية الصارمة يحتل العقول، وكان الشعراء بدأوا يجردون لغتهم من شاعريتها (فرلين) ويلجأون في بحثهم عن مثل أعلى شعري، الى الأماكن الغائصة في زحام الأساطير الرومانسية والتاريخ (مالارميه) أو الى البحث عن الغرابة في المناطق النائية (رابمو). في وجه هذا الزحام كله، هرب آلان- فورنييه الى داخله، الى أحلامه الصغيرة والى الأصوات التي كان يخيل اليه أنه يسمعها. هرب الى داخله وهو مدرك أن ليست ثمة وسيلة أخرى للهرب. وهذا الداخل كان يصنع له «العجائب» التي عبّر عنها في أشعاره التي جمعها تحت هذا العنوان في أول كتاب صدر له (عام 1906). وكان اكتشاف آلان- فورنييه أشعار كلوديل ونزعته الإيمانية العميقة أول مورد لغناه الفكري والشعري، وأول ما قاده الى محاولة تجسيد رؤاه في لقطات سريعة وعابرة ينظر بها الى الحياة. فيرى فتاة، ذات مرة، تعبر الشارع أمامه فإذا بخياله يخترع من حولها وحوله حكاية طويلة، لكنه يحاول أن تبقى جزءاً من أحلامه لا من واقعه لأنها لو صارت جزءاً من الواقع لانفرط السحر.

> هذا العـــالم الخيالي الذي نسجه لنفسه رداً على العالم الواقعي، كان هو الذي وفّر لآلان- فورنييه مادة كتابته من دون أن يقع في أحابيل الرومانسية، ومن دون أن يستسلم أمام واقعية العصر. بيد أن اكتشـــافه أدب اندريه جيد بعد ذلك، أتى معادلاً لاكتشافه كلوديل وناقضاً له. وتحت تأثير جيد نراه يكتب قائلاً: «إنني أريد أن أصل، وسط زحام الحياة نفسها، الى أروع ما في داخل ذاتي». والحال ان هـــذه الإرادة هي التي نلمسها ماثلة في ثنايا رواية «مولن الطويل» الرواية التي تخدع قارئها أول الأمر اذ تنكشف أمامه ذات بعد رومانسي كاذب، قبل ان تعود لتظهر على حقيقتها: تعبيراً جلياً عن توق إنسان بدايات القرن العشرين لإنجاز ذاته وتحقيقها، وإيجاد مكان له في الواقع المحيط به على رغم أنف هذا الواقع المحيط به.

> ومن هنا يمكن اعتبار هذه الرواية إرهاصاً أولياً بولادة النزعة الفردية وإرادة البحث عن الهوية، في لعبة صراع الأجيال التي ستسود تيارات الشبيبة خلال الثلث الأخير من القرن العشرين. وهنا تكمن أهمية الرواية، أما ما تبقى من حياة صاحبها الذي أتت الحرب لتقضي على إيمانه بالحياة وتوقه اليها، حتى لو تبدّى هذا أموراً تفصيلية لا يبدو انها تعني اليوم شيئاً لقراء «مولن الطويل» الذين يكتشفونها مرة في العام ويدركون كم ان ثورتهم وتطلعاتهم وجدت من يعبر عنها باكراً في القرن العشرين.

alariss@alhayat.com

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة