|   

النسخة: الورقية - دولي

لا شك في أن القارئ النبيه لمذكرات الكاتب النمسوي ستيفان تسفايغ التي عنونها «عالم الأمس»، سوف يفاجأ بكل ذلك القدر من المديح والتقدير الذي يسبغه هذا الأخير على مواطنه الكاتب المسرحي والروائي هوغو فون هوفمنشتال. وهو مديح قد يصل بالقـــارئ الى العودة الى أعمال هذا الأخير ليكتشف فيها ما لم يكن قــد اكتشفه في قراءات أولى وتمكن تسفايغ من الإضاءة عليه. بيد أن تسفايغ لم يكن الوحيد الذي كانت لهوفمنشال كل تلك المكانة عنــده. فهرمان بروخ، الروائي والناقد المجايل للاثنين يعبّر عن القدر ذاته من الإعجاب وكذلك يفعل كبار كتاب تلك المرحلة. ومع هذا، كان عمر هوفمنشتال قصيراً، فهو وكما سيكون حال تسفايغ من بعده، وضع حداً لحياته وهو بالكاد تجاوز الخمسين من عمره إنما لأسباب تختلف جذرياً عن أسباب تسفايغ الذي انتحر مع زوجته في منفاهما البرازيـــلي احتجاجاً على «انتصارات النازيين». ولئن كنا سنعود بعد قليل الى انتحار هوفمنشتال، قد يكون من الملائم هنا أن نتوقف عند بداياته ككاتب مسرحي لنجد أن تلك البدايات تكاد تنبئ بما سيكون عليه عالمه واحتجاجاته لاحقاً. وكان ذلك عام 1891 حين أنجز وهو بعد في السابعة عشرة من عمره مسرحيته الأولى بعنوان «أمس».

> أجل، من كتب «أمس» يومذاك كان بالكاد قد عبر من أمسه الى غده، ومع هذا نجده في ذلك العمل القاسي والعنيف القاطع في لغته، يرفض الأمس كل الرفض. فبالنسبة الى الشخصية الرئيسة في المسرحية ليس ثمة وجود لما يسمى الأمس: الأمس انقضى وذاب ولم يعد قائماً منذ تجاوزه الحاضر. واللافت هنا هو أن أحداث هذه المسرحية إنما تدور في عالم الرسامين والشعراء، ذلك العالم الذي- ويا لغرابة الأمر! - لا يمكن أن يكون له حضور من دون أمسه. ومع ذلك، ها هو أندريا يرفض منذ تفتح الستار أي إشارة للأمس هو الذي جعل لحياته شعاراً وهدفاً واحداً هو: فلأدع نفسي أندفع دائماً الى الأمام. وبالتالي، فإن الأمس هو بالنسبة إليه العدوّ المطلق الذي لا ينبغي التوقف عن محاربته إن هو أطل برأسه ليقول معانداً أنه موجود على رغم كل شيء! بالنسبة الى أندريه كل شيء له علاقة بيوم أمس ولو لم تمر عليه سوى سبع ساعات، بات شيئاً انتهى أمره: الثياب التي نرتديها، اللوحة التي نتأملها، والطعام الذي أكلناه. فاليوم كل شيء بات آخر... بات مختلفاً. السماء اليوم هي غير ما كانت عليه أمس. والنهر هو غير النهر والطيور غير الطيور. وحتى البشر الذين نعرفهم ويحيطون بنا، هم اليوم مختلفون كلياً عما كانوا عليه في الأمس. وهكذا إن جاءت صديقة لأندريا لتحاول أن تذكره بما كانت عليه حالهما أمس، لن تسلم منه، بل ستضحي شهيدة للزمن العابر بسرعة وقوة. بيد انه حتى حين يتخذ قراره المبدئي بقتلها سيتردد ثم يتراجع وهو يقول لها: «أجل، في الأمس أحببتني، لكنني اليوم لم أعد شيئاً بالنسبة إليك...». ثم حين تبارح المرأة المكان خائبة يواصل أندريا لعبته في تحدي «الأمس» في وجه الشعراء والرسامين والممثلين المتجمعين من حوله. لكنه يلاحظ ويلاحظون فجأة أن كلامه الذي كان أمس مفعماً بالجزل والتفاؤل ها هو اليوم يبدو غارقاً في السواد المتشائم، في اليأس!... والسبب هو الحب. فالحب الذي كان حياً في الأمس ويخاله أندريا اليوم ميتاً، لا يزال في حقيقته حياً ينبض... وبما أن صاحبنا غير قادر على قتله للتخلص نهائياً من آخر ما تبقى لديه من أمس، ها هو يجد أن لا مفر أمامه، بغية تحقيق نظريته، من أن يقتل نفسه. وهو إذاً بهذه الطريقة وحدها يقتل الأمس ويتخلص منه!

> كما أشرنا كانت تلك هي المسرحية الأولى التي كتبها هوغو فــون هوفمنشال ونشرها. وحتى لو كـــان الدارســـون يعتبرونها من أضعف مسرحياته، فإن فضيلة «أمس» الكبرى تكمن، ودائماً في رأي هؤلاء، فـــي أنها قـــادرة على إعطائنـــا مفاتيح لفهم مجمل العمل الإبداعي الذي سينجزه هذا الكاتب طوال عقود قصيرة تالية. ولكن أيضاً لفهم فيينا، تلك المدينة التي من المتفق عليه بين مؤرخي الأدب والفـــن في قرننا العشرين هذا أنها كعاصمة للنمسا، كانت خـــلال الفترة الانعطافـــية بين القرنيــن التاسع عشر والعشرين، ترمز في حد ذاتها، بحياتها الثقافية، بإبداعاتها المتحلقة من حول قلق أسئلة الموت والانهيار الحتمي، والإحساس بـ «الكابوس السعيد»، الى لغة العصر وتعبر عن أزمته أكثر مما بإمكان أي مدينة أخرى أن تعبر. ففيينا كانت في ذلك الحين عاصمة أساسية من عــواصم الحداثة، بل عاصمتها الأساسية، إن أقمنا الرابط الضروري بين الفنون والآداب وعلم الاجتماع وعلم النفس ووضعنا الجميع في بوتقــة واحدة. وإذا كان من فرد يمكنه وحده أن يرمز لكل ما كانـــت ترمز إليه فيينا في ذلك العصر، فإن هذا الفرد لن يكون غير هوغو فون هوفمنشتال، الذي بجذوره البلقانية/ النمسوية/ الإيطالية/ اليهودية وبتربيته البورجوازية على رغم انهيار الأحوال الاجتماعية لأسرته، وبثقافته الرفيعة (كان يتقن خمس لغات ويقرأ بسبع لغات على الأقل)، وبخوضه باكراً معترك الحياة الثقافية، وباستعلائه على كل التيارات التي كان ينخرط فيها ثم يتركها وبنــزعته المطلقـــة إلى أوروبا خارج إطار الإمبراطورية النمسوية/ الهنـــغارية المتداعية، كان يمثل خير تمثيل نمط المثقف الذي كان يرى نفسه في ذلك الحين مساوياً للكون ومتجاوزاً المكان والبشر.

> وإذا اضفنا إلى هذا كله نهاية كاتبنا، الذي لم يصمد طويلاً أمام انتحار ابنه، فإذا به يقع ميتاً يوم دفن هذا الأخير في 15 تموز (يوليو) 1929، نصبح مرة واحدة في مواجهة مصير فيينا نفسها. فيينا مدينة القلق والموت التي كان الجنون والانتحار مصير معظم مبدعيها كما حال أندريا في «أمس»، في تلك المرحلة. غير أن ما يبقى من هوفمنشتال حتى يومنا هذا انما هو مكانته كواحد من كبار كتاب المسرح عند مطالع القرن العشرين، بل ولربما كان واحداً من آخر الحداثيين الذين رأوا أن الحداثة لا يمكن أن تمر إلا من خلال استعادة الكلاسيكية اليونانية.

> ولد هوفمنشتال في فيينا عام 1874، وكان لا يزال في السادسة عشرة من عمره حين انخرط في الحياة الثقافية، بارتياده حلقة كتاب «فيينا الفتاة» المتحلقة في مقهى «غرينشتدل» من حول شنيتزلر الذي قال عنه أول ما اطلع على أعماله إنه «أول عبقري يلتقي به في حيــاته». وفي ذلك العام نفسه، أصدر هوفمنشتال مجموعته الشعرية الأولى بتوقيع مستعار، وكان يغلب عليها طابع روحي واضح يطرح أسئلته حول الموت والخلود وحياة الروح ضمن إطار رومانسي بيّن. غير أن هوفمنشتال سرعان ما انصرف عن تلك الحلقة ليقـع تحت تأثير الكتاب الفرنسيين (كلوديل، بورجيه، وموريس باريس)، وبعد ذلك قام بزيارة قادته إلى فرنسا وايطاليا ثم أسس مع ستيفان جورج مجلة سرعان ما تخلى عنها ليصدر خلال المرحلة التالية مسرحياته الأولى ذات النفس الشعري وأبرزها «موت تيتيان» و «الموت والمجنون» اللتان تطرحان أسئلة لا تنتهي حول معنى الموت والحياة أمام الموت الحتمي. وفي الوقت نفسه غاص الكاتب الشاب في الكلاسيكيات فاقتبس يوريبيدس وقرأ غوته وشكسبير.

> أما أول مسرحية عرضت له فكانت «امرأة عند نافذتها» التي قدمت عام 1898 في برلين. وفي العام التالي، نال هوفمنشتال شهادة الدكتوراه وانصرف ليدرس مسار الفرنسي فيكتور هوغو لكنه عاد وابتعد منه ليستعيد علاقته بالكتابة الأدبية فينشر طبعة ثانية معدلة من كتابه الأساسي «مسرح العالم» ثم «رسائل إلى اللورد شاندوس» التي تعتبر في أساس الحداثة الأدبية في النمسا المعاصرة بسبب تعبيرها عن مناخات القلق والشك أمام اللغة، والشك أمام كل نوع من أنواع التواصل. وفي تلك الأثناء، انصرف هوفمنشتال لكتابة النصوص لأوبرات ريتشارد شتراوس. ثم أتت الحرب لتحدث قطيعة في مساره العملي، قطيعة عاد منها عام 1918 وقد استبدت به نزعة محافظة ورجعية لن تتركه بعد ذلك أبداً. إذ إن أعماله اللاحقة حملت نزعة تؤله الماضي وتحن إليه - على عكس ما دعا إليه البطل الرئيسي أندريا في مسرحية «أمس»! المبكرة في مساره الكتابيّ، وتحاول أن تنقذ ما يمكن بعد إنقاذه من حضارة وثقافة ومدينة تموت...

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة