|   

النسخة: الورقية - دولي

ثمّة أمر غامض من الصعب معرفة كيف وُلد، يجعل كُثراً من علماء الاجتماع يعتبرون مسألة التقسيم الاجتماعي للعمل أمراً مرتبطاً بحداثة فكرية معينة قد لا تغوص زمنياً إلى أبعد من عصر سان سيمون وكتاباته الثاقبة حول مثل هذه الأمور، وتصل إلى ذروتها مع الجهود الفكرية لعالم اجتماع كبير من طينة إميل دوركهايم. ومع هذا، فإن الحقيقة العلمية تقتضي أن نعود في البحث عن التقسيم الاجتماعي للعمل إلى صفحات رائعة تبدو بالغة الحداثة من «جمهورية» أفلاطون من دون أن تبارحنا كتابات أكثر حداثة بكثير وضعها جورج دومزيل في ألوف الصفحات حول «الوظائف الثلاث». لكن مهما يكن من أمر، يبقى أن دوركهايم سيظل يعتبر واحداً من أوائل المفكرين في الأزمان الحديثة، الذين نظّروا لذلك التقسيم وأعطوه أبعاده العلمية في عدد من مؤلفاته لكن في شكل خاص في كتاب رئيسي له في هذا المجال هو «حول تقسيم العمل في المجتمع» أو بالأحرى «عن التقسيم الاجتماعي للعمل»، الذي لا يمكن فصله على أي حال عن مؤلَّف رئيس له هو «قواعد المنهج الاجتماعي».

> وانطلاقاً من هنا يمكن القول أن الحديث النظري والمفصل عن هذا التقسيم، وبالمعنى الحديث للكلمة، إنما نجده بأفضل أبعاده وأعمقها، لدى إميل دوركهايم، الفيلسوف الفرنسي وعالم الاجتماع، الذي تبع في ذلك سلفه أوغوست كونت. ومن هنا أهمية كتاب دوركهايم الذي كان من بين أول كتبه التي أصدرها ما إن بدأ نشاطه الفكري بعد تخرجه... ولا عجب في هذا، طالما أن كتاب دوركهايم لم يكن سوى تطوير لأطروحته الجامعية حول مسألة «تقسيم العمل الاجتماعي».

> صدر كتاب «حول تقسيم العمل في المجتمع» لدوركهايم عام 1893، ليصبح من فوره مرجعاً أساسياً في هذا المجال. وذلك لأن هذا الباحث لم يكتف في هذا الكتاب باستعادة كلام نظري، معروف منذ قديم الزمن حول المجتمع وتقسيماته، بل طبّق ما هو معروف وسائد من نظريات، على مجتمعات كان يعيش فيها ويرصدها، لا سيما في حقبة تغيّرات كبرى نحو العمرنة والتصنيع، وهما أمران رأى دوركهايم باكراً أنهما يسهمان في إحداث تبدلات جذرية على الصعد الاجتماعية، لكن أيضاً على الصعد الأخلاقية، وخصوصاً على صعيد علاقة الفرد بالمجتمع.

> والحال أن هذه العلاقة الأخيرة كانت هي ما يهم دوركهايم خصوصاً، بحيث أن رصده تطورّها أدى به إلى البحث عن جذور وأسباب ذلك التطور علمياً. وما نص هذا الكتاب سوى خلاصة الملاحظات التي توصل إليها. ولعل في إمكاننا أن نقول هنا أن في خلفية هذا الاهتمام كله- كما يؤكد دارسو حياة دوركهايم وأعماله- القلق الذي كان المفكر يستشعره (ويمكن رصده في مجمل أعماله اللاحقة على أي حال)، إزاء مسألة التلاحم الاجتماعي في زمنه، أو في الأزمان الحديثة كلها، والتي طغت عليها، كما أشرنا، مسألتا التصنيع والعمرنة. ومن هنا كان اشتغال دوركهايم على رصد كيف أن الأفراد في المجتمعات الحديثة يزدادون تفرقاً عن بعضهم بعضاً. وهذا التفرّق إنما يشمل في طريقه ازدياد استقلالية وعي كل إنسان عن وعي غيره في شكل دؤوب. فإذا كانت الحال على هذا النحو، تساءل دوركهايم، وفي عمق صعود النزعة الفردية، فكيف يمكن الحفاظ على التلاحم الاجتماعي؟

> منذ مقدّمة كتابه، يقدّم إلينا دوركهايم الفرضية القائلة أن «في الوقت الذي يتفرّق الأفراد أكثر وأكثر عن بعضهم بعضاً، يتطور التقسيم الاجتماعي للعمل بالوتيرة ذاتها في شتى مجالات العيش، اقتصادية كانت أم إدارية أم فضائية أم علمية وما إلى ذلك، بحيث أن التخصّص وازدياد الفروق العمودية بين الأفراد تجعلهم، كأمر واقع، مستقلين إلى حد كبير عن بعضهم بعضاً». وعلى هذا النحو يرى دوركهايم أن تقسيم العمل يصبح في مثل هذه الحال مصدراً حقيقياً للتضامن والتلاحم الاجتماعيين، ما دام ذلك التقسيم، في الوقت ذاته الذي يُحدث بين الأفراد فروقاً عميقة، يجعل هؤلاء يكمّلون بعضهم بعضاً... أي يصنع تكاملاً ما بينهم لم يعد للمجتمعات والأفراد غنى عنه. من هنا يرى دوركهايم أن التقسيم الاجتماعي للعمل هو بخاصةٍ مسألة أخلاقية، لأنه على الأقل يجبر الأفراد على أن يعيشوا معاً معتمدين على بعضهم بعضاً. وهكذا، مع تطور التقسيم الاجتماعي للعمل، نشهد تحوّلاً جذرياً نحو الأحسن في العلاقات الاجتماعية، وبالتالي في التضامن الاجتماعي الذي يفرضه هذا كله.

> للوصول إلى براهين علمية ومسهبة حول صحة هذه الفرضية التي يطرحها دوركهايم كمسلّمة منذ أول كلامه، يقسّم الباحث كتابه إلى ثلاثة أبواب: في أولها يعالج «وظيفة تقسيم العمل»، وفي ثانيها «أسباب التقسيم وشروطه»، أما في الباب الثالث فنراه يتحدث، وحسناً فعل، عن الأشكال غير العادية للتقسيم، أي ما يتعلق بتقسيم العمل، ليس انطلاقاً من المجتمع وأخلاقياته واجتماعيته، بل بخاصةٍ عن التقسيم الذي يتم فوقياً وبالقوة. في الباب الأول إذاً، يحلل دوركهايم كيفية انتقال المجتمع عبر مسألة التقسيم الاجتماعي للعمل، من المجتمع البدائي إلى المجتمع الحديث الذي فيه «لا يعود الأفراد مرتبطين ببعضهم بعضاً برابط ميكانيكي، أي بفعل التشابه في ما بينهم، بل يصبح كل فرد منهم مستقلاً عن الأفراد الآخرين»، ليربط بينهم، وفق دوركهايم، رابط جديد يسميه «الرابط العضوي «كنقيض للرابط الميكانيكي (القائم على مفهوم الهوية والقرابة وما شابه)... ومن هنا، فإن دوركهايم يشرح لنا أن وظيفة تقسيم العمل لا تكون اقتصادية أكثر منها اجتماعية، بحيث أن مهمتها الأولى لا تكون في زيادة ربح الإنتاجية، بل جعل الأفراد أكثر تلاحماً وتضامناً في ما بينهم...

> أما في الباب الثاني، والمتحدث خصوصاً عن أسباب تقسيم العمل وشروطه، فإن دوركهايم يصل إلى دراسة معمقة لهذه الأمور، ليستنتج في النهاية بأن تقسيم العمل اجتماعياً يصبح في المجمعات الصناعية والعمرانية، ضرورة: حيث بدلاً من وضع الناس وسط ظروف توجِد تنافساً في ما بينهم، يوضعون في ظرف يعطي كل واحد منهم استقلاليته كي يتكاملوا بعد ذلك. أو بكلمات أخرى، وفق تعبير دارسي دوركهايم، ينجم عن هذا كله زيادة استقلال الأفراد، وبالتالي زيادة الترابط في ما بينهم. وهذا ما يجعل دوركهايم يرى أن «تقسيم العمل اجتماعياً يشكل الحل الوحيد والسلمي للوصول إلى تقبل الحياة المشتركة وممارستها في المجتمعات الصناعية الحديثة».

> غير أن دوركهايم لا يفوته هنا أن يشير إلى أن بعض أنماط تقسيم العمل اجتماعياً قد تؤدي إلى فتن وشرور. فمثلاً، إذا دُفع تقسيم العمل الفوقي إلى حدود قصوى، سيصبح سبباً للتمزّق الاجتماعي، لا سيما إذا لم يتنبه الأفراد- وبالغوا في تخصصهم وتعزيز الفروقات في ما بينهم- إلى اعتمادهم الضروري على بعضهم بعضاً، ومن شأن هذا أن يوجد تنافراً وتناحراً بين الأفراد، كما بين المجموعات، لا سيما في غياب نظم وقوانين تضبط العلاقات بينهم أو بينها. وهذه النظم والقوانين هي التي يستوجب وجودُها وجودَ الدولة، طبعاً، كناظم أعلى، من طريق سن القوانين والسهر على تنفيذها، واحتكار السلاح وتثبيت الأمن، والإمساك بالقرارات المصيرية لشؤون المجتمع وحياته وسلامة أفراده والانسجام في ما بينهم.

> إميل دوركهايم الذي عاش بين 1858 و1917، يُسمى عادة الأب الشرعي لعلم الاجتماع الحديث، حتى وإن كان هو يعتبر نفسه مكمّلاً للمسيرة التي بدأت مع أستاذه أوغست كونت (الذي يرى كُثُر من الباحثين أنه يعتبر المُحيي الحقيقي في العصور الحديثة لعلم الاجتماع الذي ابتدعه ابن خلدون في القرن الخامس عشر، علماً بأن دوركهايم كان هو الذي وجّه تلميذه طه حسين، في السوربون، أوائل القرن العشرين لدراسة ابن خلدون ووضع أطروحة عنه). ودوركهايم، الذي رفض في شبابه أن يسير على خطى آبائه وأجداده ويصبح حاخاماً، توجّه باكراً لدراسة العلوم العلمانية، ودرس العلوم الاجتماعية ليخوض بعد ذلك، المعترك الجامعي، أستاذاً ومؤلفاً. وهو درس في باريس وبوردو، وكان كتابه عن «تقسيم العمل» باكورة منشوراته، علما أنه نشر من بعده مؤلفات عدة، من أبرزها «قواعد المنهج الاجتماعي» و «الانتحار» و «حظر علاقات المحارم وأصوله» و «علم الاجتماع ومجاله العلمي» و «الأشكال الأساسية للحياة الدينية» و «ألمانيا... فوق الجميع» وهو دراسة ثاقبة حول علاقة الذهنية الألمانية بالحرب.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة