|   

النسخة: الورقية - دولي

ليس قليلاً بالتأكيد عدد قراء الكاتب الفرنسي أندريه جيد الذين يصرّون على الاعتقاد دائماً بأن الحرم الذي فرضته سلطات الفاتيكان ذات يوم على قراءة أعماله، كان ناتجاً من كتابته تلك الرواية التي قد توحي منذ عنوانها بأنها تتعرض لذلك الصرح الديني والروحي الكبير. ناهيك بأن الكاتب الذي جعل أقبية مركز الكاثوليكية في العالم، موضوعاً روائياً، لم يكن كاثوليكياً هو نفسه، بل كان من أصول بروتستانتية. بيد أن علينا أن نؤكد منذ البداية، أن الحرم الفاتيكاني لم تكن له علاقة بتلك الرواية ذاتها، كذلك لم تكن له علاقة بما افترضه بعض أصحاب الأفكار التبسيطية من «تواطؤ بين الكرسي الرسولي والكرملين» ضد جيد الذي بعدما كان من المناصرين المتحمسين للنظام الشيوعي بات من أشرس مناوئيه، وفق ما سنرى بعد سطور. فبالنسبة إلى هذه المسألة الأخيرة تبدو في حقيقة الأمر سوريالية طبعاً، ناهيك بأن «الحرم» الشيوعي على جيد أتى قبل عقود من الحرم الفاتيكاني ولا يمكن أن تكون ثمة علاقة بين الاثنين. أما بالنسبة إلى علاقة «أقبية الفاتيكان» بالحرم الكنسي فأمر سيبدو أكثر سوريالية إن نحن عرفنا أن كتابة الرواية ونشرها سبقا الحرم بنحو أربعة عقود وبالتالي، من غير الممكن أن تكون سلطات الفاتيكان انتظرت كل تلك السنوات قبل أن توجه ذلك الحرم إلى الرجل الذي كان في ذلك الحين ميتاً منذ نحو عام ونصف العام. ومهما يكن من أمر، فسينفع هذا التقديم هنا للتوقف بعض الشيء عند «أقبية الفاتيكان» حتى لو أن كاتبها أنكرها بوصفها «حماقة» بعد أعوام من صدورها، قائلاً أن روايته الكبرى الحقيقية ليست هي الصادرة عام 1914 بل تلك الأخرى، الكبيرة التي أصدرها عام 1925 بعنوان «مزيفو النقود». وقد يكون مفيداً أن نذكر هنا أن كثراً من النقاد تبعوا جيد في رأيه هذا، معتبرين أنه في حقيقة الأمر لم يكتب سوى رواية واحدة في حياته هي بالتحديد «مزيفو النقود» ومع هذا تستحق أقبية الفاتيكان وقفة منا هنا ولو بسبب ورود اسم الفاتيكان في عنوانها ما يحيلنا إلى الحرم الذي بدأنا به كلامنا.

> لم تكن «أقبية الفاتيكان» النصّ الأدبي الأول لجيد، بل كان قد أصدر قبله نحو عشرة بين روايات ونصوص عاش معظمها، لا سيما «الأغذية الدنيوية» التي كتبها بعد سنوات تأمل أمضاها في تونس. أما «أقبية الفاتيكان» فلقد اشتغل عليها عشر سنوات، معتبراً إياها «آخر عمل لي يتضمن معاني نقدية أو تهكمية». أما الحبكة فلسوف يقول جيد طواعية أنه إنما استقاها من حادثة حقيقية حصلت عام 1895 في مدينة ليون بالوسط الفرنسي محورها مؤامرة مزعومة تستهدف اختطاف البابا ليون الثامن أو في الأقل الإيحاء بوجود مؤامرة. إذاً، لم تكن المؤامرة دينية ولا سياسية، بل مجرد عملية نصب واحتيال نُظّمت تحت قيادة، وبتدبير من، المدعو بروتوس. أما الضحايا الذين كان من المفترض أن يدفعوا ثمن تلك المؤامرة المزعومة لافتداء البابا و «إنقاذ سمعة الكنيسة» فكانوا مجموعة من المؤمنين الفرنسيين، لا سيما منهم المدعو أميدي فلوريسّوار الذي يرسَل على عجل إلى روما لتحري ما يحصل، لكنه يقتل على يد شاب هو واحد من مريدي بروتوس يدفعه خارج القطار لمجرد أن يبرهن أن في إمكانه أن يقتل شخصاً ما من دون أن يكون ثمة أي دافع للقتل. فالحال، أن قتل فلوريسّار لم يكن جزءاً من المؤامرة، بل إن المريد الشاب لم يكن على معرفة به. وستكون النتيجة أن يُقبض على بروتوس بتهمة قتل المغدور، ما يضيف عناصر جديدة وعديدة إلى تعقّد الرواية وتشابك حوادثها من دون أن يكون لها في حقيقة الأمر أدنى علاقة بالفاتيكان ولا بأقبية الفاتيكان. فهذه الأخيرة ليس لها من دور سوى أن يُزعم أنها المكان الذي سيصادَر البابا فيه حين يختطف. ومع هذا كله، فإن ثمة للرواية محوراً آخر يدور حول الكاثوليكي التقليدي جوليوس وأخيه الماسوني، ناهيك بشخصيات أخرى عدة من الصعب تحديد أي دور حقيقي لها في السياق الروائي، أللهم إلا كونها أقرب إلى الرموز التي يبدو أن جيد كان يريد من خلالها أن يقول أشياء «مهمة» لم تصل إلى القارئ في نهاية الأمر، ومن هنا كان الكاتب يرى أن هذا العمل لا يعدو كونه مجرد «حماقة» اقترفها. وإذا كان هو أقر بذلك، فإن أصحاب نظرية عقاب الفاتيكان له بسببها سيظلون دائماً عاجزين عن تبرير نظريتهم طالما تلا هو بنفسه فعل الندامة قبل الحرم بعقود.

> ونعود هنا إلى مسألة الحرم في شكل جدي، لنعود أول الأمر إلى تلك الطرافة التي تتمثل في أن الفاتيكان بدا في ذلك الحرم وفق ما أشرنا أعلاه، كأنه يحذو حذو الأوساط الشيوعية، الفرنسية بخاصة التي كانت اعتادت تحريم كتب أندريه جيد ومهاجمته، منذ اليوم الذي عاد فيه من الاتحاد السوفياتي ليتبين أن حماسته لهذا البلد وثورته قد خفتت، بعد أن عاين على أرض الواقع حقيقة الحكم الاشتراكي الذي كان خامر خياله طويلاً، ثم ذهب إلى بلاد السوفيات ليرى حقيقته فإذا بأمله يخيب وإذا به يعود حزيناً ينشر نصاً عبّر عن خيبته، نصاً هاجمه الشيوعيون بقوة وانفضوا من حول أندريه جيد، قائلين: «إنه، على أي حال، لم يكن كاتباً كبيراً في أي وقت من الأوقات. كل ما في الأمر أننا كنا، نحن، خدعنا أنفسنا به!».

> طبعاً، لم يأت موقف الفاتيكان من كتب أندريه جيد، نابعاً من الأسباب ذاتها التي حركت الشيوعيين في موقفهم، بل كان نابعاً من مجال آخر، من كون أندريه جيد قد تعمد في رواياته ونصوصه أن يخرق المحرمات وأن يتناول أكثر المسائل صعوبة، والقضايا الشائكة، من دون أن يحسب حساباً لأي رقيب أو حسيب. من هنا، جاءت الكنيسة الكاثوليكية لتقول أن اندريه جيد خطر، ويشكل خطراً على أفكار المؤمنين وأخلاقهم.

> طبعاً، لم يصل الفاتيكان، في موقفه من أندريه جيد، إلى الحدود التي وصلها الإمام الخميني في إيران بعد ذلك بعقود، حين لم يكتف بتحريم قراءة سلمان رشدي ومنع كتبه، بل أصدر فتوى بضرورة قتله، فتوى تتجدد كلما دعت الحاجة، وتغري المؤمنين بالتنفيذ لأنها تعدهم بمبالغ ضخمة من المال، إضافة إلى مكاسب أكثر روحانية! ولكن، لما كانت المطالبة بتحريم أعمال كاتب تعتبر حكماً عليه بالموت الأدبي، ولما كان الموت الأدبي بالنسبة إلى المبدع أمراً لا يقل شأناً عن الموت المادي، باتت من الممكن المقارنة بين موقف الفاتيكان من أندريه جيد وموقف الإمام الخميني من سلمان رشدي. من دون أن يفوتنا هنا التأكيد من جديد أن أيّ موقف كهنوتي أو أيديولوجي سياسي من نتاجات الكتاب «الملعونين» ينتهي دائماً، ولو بعد سنين طويلة، منسياً ليستعيد الكاتب مكانته بعد أن يُنسى ما كان تعرّض له من إدانة. ولئن كان مثال سلمان رشدي ماثلاً هنا أمامنا حيث نجده يستعيد الكتابة والنشر كأن شيئاً لم يكن، نبقى هنا عند حالة أندريه جيد الذي تعيش كتاباته وتُقرأ بعد ما نُسي الحرم الفاتيكاني الصادر ضده تماماً.

> مهما يكن، فإنه يبدو من الفصيح هنا أن ننقل ما كتبته صحيفة «أوبسرفاتوري رومانو» الناطقة باسم الفاتيكان، في ذلك الحين، في مجال شرحها وتبريرها للفتوى البابوية، قالت الصحيفة: «إن كتابات أندريه جيد جديرة بالإدانة. والحال أن موهبة الذكاء الداخلي والشاعرية الثرية التي مُنحها الكاتب تجعل الحكم عليه أكثر مثاراً للشجن، ولكن تجعل منه في الوقت ذته ضرورة قصوى. إن مكان (أندريه جيد) في العالم المسيحي هو بين الأعداء والمفسدين، وبين أنصار عدو المسيح. لقد كان جيد من القوة بحيث كان يصر على أن يكون ضعيفاً مهما كان الثمن، وكان من الشجاعة بحيث يخاف الرأي العام. كان شاعر السرور الأكثر احتضاراً، والمجد الأكثر عبثية. بيد أنه لم ينجح أبداً من أن يقتلع إيمانه المسيحي من داخل فؤاده. لهذا، نلاحظ أنه دائماً كان يعود إلى ذلك الإيمان في محاولة منه لإلغائه، وفي محاولة منه لاستبعاده». ترى لو كان أندريه جيد (1869 - 1951) حياً في ذلك الحين، كيف كان ليرد يا ترى؟

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة