|   

النسخة: الورقية - دولي

لو سألتم اليوم أي ناقد فني جاد لا يعبأ بالأهواء أو بالأحكام المسبقة الأيديولوجية، عن الأوبرا التي يمكن اعتبارها أفضل ما كُتب ولُحن في القرن العشرين، أي الزمن الذي تشظى فيه الفن الأوبرالي ليتخذ أشكالاً عديدة تتراوح بين الكوميديا الموسيقة السينمائية والمغناة المقدمة على خشبات برودواي وخارج برودواي وخارج خارج برودواي، والملهاة البوليوودية الى آخر ما هنالك، لجاءك الجواب سريعاً في شكل لا يخلو من إجماع: «إنها «أوبرا القروش الثلاثة» بالتأكيد»... فإذا استطردت وسألت من أجابك عمن هو صاحب الأوبرا، سيكون الجواب في معظم الحالات: برتولد بريخت. لكن الإجابة خاطئة بالتأكيد وسنقول لماذا؟ على الفور.

> فعندما يتحدث الناس عادة عن «أوبرا القروش الثلاثة» صحيح أنهم وفي أغلب الحالات، لا يمكن لهم إلا أن ينسبوها إلى برتولد بريخت. فهذه «الأوبرا» التي تكاد تكون الأشهر خلال النصف الأول من القرن العشرين، ارتبطت باسم الكاتب المسرحي الألماني الكبير، إلى درجة لم يعد من الممكن معها نسبتها إلى اسم أي شخص آخر. ومع هذا من المعروف ان الأوبرا، أي أوبرا ومنذ فجر العصر الأوبرالي، تنسب إلى مؤلف موسيقاها، لا إلى مؤلف كلماتها. بل ان قلة من الأوبرات فقط على مدى العصور عُرف اسم كاتب نصّها وأشعارها وحواراتها وأغانيها. ومن هنا واضح ان ثمة ظلماً لا شك يحيق بالموسيقي الذي كتب الألحان العذبة والقوية التي تحتضن هذا العمل الاستعراضي المهم الذي اقتبسه بريخت أصلاً عن «أوبرا المعدمين» للإنكليزي جون غاي. أما هذا الموسيقي فهو كورت فايل، الذي لا ترقى شهرته، بأي حال من الأحوال، إلى شهرة بريخت، وإن كان لا يقل عنه موهبة وحضوراً في فنون القرن العشرين. ومهما يكن، كان كورت فايل واحداً من الفنانين الألمان الذين أصابهم مصير بريخت نفسه، من نفي وتشريد، ومن هنا تنقسم حياته إلى أكثر من قسم: قسم أمضاه في الوطن، وأقسام أمضاها في المنافي ولا سيما منها المنفى الأميركي على غرار معظم المبدعين الأوروبيين الذين لم يجدوا من سبيل لمقاومة النازية في أوروبا سوى الهرب الى «العالم الجديد» فوُفّق البعض فيه مكملاً مساره الإبداعي والحياتي بنجاح، فيما أخفق البعض الآخر وأعلن لاحقاً خيبة لا برء منها. أما بالنسبة الى كورت فايل فإن مصيره في المنفى كان مدعاة للحزن على عكس ما كانت الحال بالنسبة الى صديقه ورفيق دربه بريخت. فلئن كان هذا الأخير قد عاد إلى ألمانيا بعد منفاه، وعاش آخر سنواته في وطنه، عزيزاً مكرماً، فإن فايل لم يقيّض له ذلك، بل مات في منفاه النيويوركي خلال نيسان (ابريل) 1950، في وقت كان يقول للمقربين منه إن أمنيته الكبرى كانت العودة إلى ألمانيا وتقديم أعماله فيها. لكنه لم يتمكن من ذلك بل مات شاباً في الخمسين من عمره، منفياً، وحزيناً أيضاً لأن شهرته، لا سيما خلال السنوات الأخيرة، لم تكن قد وصلت إلى شهرة زملائه الكبار، على رغم الشهرة الواسعة في انحاء العالم كافة التي كانت من نصيب «أوبرا القروش الثلاثة» وعلى رغم عشرات الأغنيات الرائعة– في الألمانية كما في الإنكليزية- التي أُنشدت في الكاباريهات الثقافية ولا سيما بأصوات مثل صوت مارلين ديتريك وغيرها، ثم بخاصة على رغم انخراطه بعض الأحيان في وضع الموسيقى لعدد من الأفلام الهوليوودية.

> ولاشتغال كورت فايل على موسقى ذلك العمل الفني الفذ حكاية تنطلق من ذلك المشروع التي كانت مساعدة لبريخت وصديقة له هي إليزابيت هاوبتمان أعطته فكرته ذاكرة له ان من المناسب في الظروف الألمانية إعادة تقديم مسرحية غاي القديمة «أوبرا المعدمين» التي كانت تقدم على أي حال على خشبة «ليريك ثياتر» اللندني بإعداد موسيقي جديد قام به جوناثان بيبوش. ولقد لفتت هاوبتمان نظر بريخت يومها الى النجاحين، الجماهيري والنقدي، اللذين حازهما العمل في تقديمه اللندني. أحب بريخت الفكرة، لكنه لم يستسغ موسيقى بيبوش، وهكذا اتصل بصديقه فايل طالباً منه إعداداً موسيقياً غنائياً يستلهم تماماً ما كان سائداً من غناء في الكاباريهات البرلينية مع تطعيم من موسيقى الجاز يأتي تجديديّاً. والحقيقة ان فايل انكبّ من فوره على ذلك العمل ليطلع من بين يديه تحفة فنية أوصلت سمعته الى الذروة، ولا سيما لاحقاً حين راح مغنون كبار يسجلون أغنيات الأوبرا منفردة ويقدمونها على المسارح... غير أن ذلك المجد سرعان ما بدا منفصلاً عن الأوبرا نفسها بحيث اعتبرت الأغنيات من إبداع فايل والأوبرا من إبداع بريخت!

> طبعاً بعد ذلك اعيد الاعتبار الفني إلى كورت فايل على أكثر من صعيد، وصار يعتبر واحداً من كبار موسيقيي القرن العشرين، خصوصاً أنه كان موسيقياً امتزجت لديه الطليعية الألمانية بالحداثة الأميركية بالنزعة التمردية التي نشأت في فيينا أوائل القرن وأنتجت أحلى إبداعات الموسيقى الإثني عشرية، بالجاز الصاخب الآتي من أفريقيا، من طريق الأفارقة الأميركيين الذين التقت هواجس فايل النضالية التقدمية بهواجسهم في التعبير عن آلامهم ومعاناتهم في بيئة أميركية كانت عنصريتها تجاههم تشتد بمقدار ما يتزايد وعدهم السياسي والفني خصوصاً بمأساتهم. فإذا أضفنا إلى هذا المزيح وأغاني الكاباريه البرلينية، التي كان فايل في ألمانيا أحد كبار مبدعيها، يمكننا أن ندرك ما الذي جعل لكورت فايل عالميته وتميزه في الوقت نفسه، وحافظ له على مكانته الكبرى التي يتمتع بها اليوم.

> منذ بداياته عرف كورت فايل بنزعته الثورية، فهو المولود في ديشاو في 1900، كان لا يزال يافعاً حين تمرد على أهله وتوجه إلى برلين حيث درس مع الموسيقيين الكبيرين آلن برغ وإنغلبرت همبردنك– وهو غير المغني الإنكليزي الذي اشتهر أواخر القرن العشرين بأغانيه العاطفية-. وخلال عامي 1919- 1920 قاد فايل الأوركسترا الأوبرالية في ديشاو، ثم تحول مرة أخرى إلى برلين حيث تابع دراسته وبدأ يؤلف قطعاً للآلات الوترية، وكانت قطعه الأولى تجريبية وتجريدية. أما الأوبرا الأولى التي لحنها فكانت بعنوان «الأطراف» وهي من فصل واحد أنجزها في 1926. وفي العامين التاليين أنجز عملين أوبراليين آخرين، جعلاه يعتبر مع بول هندميث، أفضل مؤلف أوبرالي شاب في ألمانيا. وكانت تلك هي المرحلة التي التقى فيها ببريخت وبدأ التعاون معه، وكان أول عمل لهما معاً هو «صعود وسقوط مدينة ماهاغوني» (1927) الذي يسخر من الحياة في مدينة أميركية متخيلة. وفي العام التالي كانت «أوبرا القروش الثلاثة» المأخوذة عن جون غاي، بعد ان نقل بريخت أحداثها إلى برلين القرن العشرين وجعلها تدور في أوساط الحثالة. وقد كتب لها فايل موسيقى سرعان ما اشتهرت في أوروبا كلها، بل فاقت شهرتها شهرة المؤلف الموسيقي نفسه، خصوصاً أنها سرعان ما ترجمت إلى 11 لغة وتعرّف العالم كله على موسيقاها معتبراً أياها موسيقى الحداثة الألمانية نفسها.

> غير أن الإجماع الذي ساد من حول هذا العمل سرعان ما انفرط بالنسبة إلى أعمال كورت فايل التالية، حيث بدا وكأنه يكرر نفسه. مهما يكن فإن مشكلات فايل في تلك الآونة لم تكن فنية بحتة، بل كانت سياسية أيضاً، إذ في 1933 اضطر لمبارحة برلين هرباً من اضطهاد النازيين الذين اعتبروا عمله الموسيقي «عملاً منحطاً مؤلفه يهودي منحط».

> وحين بارح فايل برلين أمضى بضع سنوات بين باريس ولندن، ثم توجه عام 1935 إلى نيويورك حيث كان النجاح الذي حصده كبيراً، عبر العديد من الاستعراضات الأوبرالية التي راح يمزج فيها موسيقاه الألمانية الطليعية بالجاز والحداثة الأميركيين، وكان من أبرز أعماله خلال تلك المرحلة «جوني جونسون» 1936 و «درب الخلود» 1937 و «السيدة في الظلام» 1941. ومنذ ذلك الحين لم يتوقف فايل عن العمل وكان تعاونه بخاصة مع نصوص لماكسويل أندرسون وموس هارت وآيرا غرشوين شقيق جورج غرشوين.

إضافة إلى ذلك، كتب كورت فايل في تلك المرحلة الكثير من الأغاني والأعمال الموسيقية لا سيما كونشرتو للبيانو وسيمفونيتين، لكن هذه الأعمال لم تلفت إليه الانتباه الذي كان قد واكب أعماله الأوبرالية.

مهما يكن، خلال السنوات الأخيرة من حياته، كان إنجاز كورت فايل قد أضحى جزءاً من الماضي، ونُسي بعض الشيء، حتى كانت سنوات الستين حين استعيدت ذكراه مجدداً، لا سيما بعد وفاة برتولد بريخت، وعودة أعمال هذا الأخير إلى الذاكرة العالمية إثر رحيله.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة