|   

النسخة: الورقية - دولي

هل هناك شاعر فكّر يا ترى في أن يجعل شخصيات واحدة من قصائده يتجوّلون في الريف ليطرحوا على مواطنيهم الريفيين سؤالاً بالغ التعقيد- والبساطة في آن معاً- عمّا إذا كانوا يعيشون سعداء في بلدهم؟ وأي شاعر فكّر في كتابة قصيدة عن امرأة لا تجد مفراً من أن تتوجّه إلى الغابة كي تقطع حطباً لبيتها وأولادها بعدما فرغت من دفن زوجها الراحل مباشرة؟ وهل هناك من وجد نفسه يهتم حقاً ذات يوم بمصير أميرتين حقيقيتين وجدتا نفسيهما مضطرتين إلى مرافقة زوجيهما النبيلين إلى المنفى بعدما حُكم على هذين بسلوك تلك الدرب إثر مشاركتهما في ثورة فاشلة؟ أجل، هذه الأوضاع جميعها اهتم بها في شِعره واحد من كبار الشعراء والكتاب الروس في القرن التاسع عشر. الشاعر نيكولاي نيكراسوف الذي بقدر ما اشتهر كناشر وناقد ومناضل من أجل نوع محلي من الحداثة في الأدب الروسي خلال القرن الذي عاش فيه، كما اشتهر بوصفه أحد أوائل ناشري أعمال دوستويفسكي الذي كان، على أي حال، يخصه بقدر كبير من الإعجاب، اشتهر كذلك بوصفه واحداً من أكثر الشعراء الروس اهتماماً بالمرأة الروسية ووصف حياتها والاضطهاد الذي تعيش كل حياتها وهي تتعرض له، كما اشتهر باهتمامه بفئتين من أبناء المجتمع الروسي: الفلاحين الذين لطالما وصف في قصائده معاناتهم وآلامهم واستحالة السعادة حين ينشدونها من ناحية، وبحارة نهر الفولغا الذين أبدعوا من خلال قسوة عيشهم وصعوبة عملهم وضآلة ما ينالون مقابله، بعض أروع الفنون الروسية فاستلهمهم الشعراء والموسيقيون. كل هذا صنع من نيكراسوف ذلك المبدع الكبير. ولكن يبقى السؤال مطروحاً: من أين جاء نيكراسوف بكل ذلك الاهتمام بـ «المسحوقين» الروس وكيف حوّله مادةً لكتاباته، الشعرية خاصة؟

> الجواب بسيط إلى حد ما، وحسبنا أن نعود إلى طفولة نيكراسوف حتى نعثر عليه، فهو الذي ولد عام 1821 في مدينة نيمــيريف الأوكرانية الواقعة على نهر الفولغا، أمضى جلّ طفولـــته جـــالساً ولاعــباً عند ضفاف ذلك النهر، متأملاً مــــرور البحارة فــــي سفنهم تصل إلى أذنــيه أغـــانيـــهم الشاكيـــة الملتاعة ما انطبع في ذهنه وذاكـــرته إلى أبــد الآبدين. كما أنه في العزبة التي كــــان يقطنها مع أســـرته، لم يكن يمضي يوم إلا ويرصد فيه غاضباً وحـــزيناً معاملة أبيــــه النبيل والعسكري السابق لأمه وفلاحيه صابّاً عليهم جام غضــــبه وإحباطاته بسبب تقاعده المبكر من الجيش. بِحسّه المرهف إذاً، التقط نيكراسوف كل تلك المكونات وراكم كل ذلك الغضب، فكــــان مادة خصبة، لا سيما لكتاباته الشعرية اللاحقة التي ستكون قصــيدته المتوسطة الطول، والتي ستكون لاحقاً من أشهر أعماله، «موروش ذو الأنف الأحمر» واحدة من أشهرها.

> كتب نيكراسوف قصيدة «موروش ذو الأنف الأحمر» ونشرها ام 1863، وكان قد أضحى واحداً من أشهر كُتّاب زمنه، لتعتبر من فورها واحدة من أشهر القصائد الروسية التي ترسم صورة بديعة للفلاحين الروس، كما ترسم في الوقت ذاته صورة مدهشة لامرأة تكاد في شخصيتها وحياتها أن ترمز إلى المرأة الروسية بصورة مطلقة. وهذه المرأة هي هنا داريا التي تقدَّم لنا منذ البداية امرأة حية وحيوية مفعمة بالنشاط وبالآمال الكبيرة، حيث تتزوج حبيبها الفلاح الشاب والقوي بروكل، وقد سبق لنا أن تعرّفنا عليها كفتاة مرحة «تمثل بروحها الطيبة وقوتها الاستثنائية تلك المرأة السلافية» التي لم يكف نيكراسوف وغيره عن الثناء عليها ووصف مميزاتها وإقبالها المدهش على الحياة. إذ يصف لنا الشاعر حياة الزوجين وتمتعهما معاً بأطفالهما الذين ينجبونهما كما يفعل غيرهما من الفقراء الطيبين القابلين بما قسمته لهم الأقدار، يصور لنا في قلبة مباغتة، كيف أن تلك الأقدار ذاتها شاءت ذات يوم أن يكون مصير ذينك الفلاحين السعيدين شيئاً آخر. وهكذا يصاب بروكل بمرض يروح مشتداً عليه يوماً بعد يوم. وإذ يكون من الطبيعي لداريا أن تنشغل تماماً بذلك المرض وكلها ثقة أول الأمر في أن بروكل سوف يشفى ويعود إلى رعايته الأسرة الصغيرة وإلى عمله المتواضع، سوف يسيطر عليها اليأس شيئاً فشيئاً على رغم كل الجهود الجبارة التي تبذلها ولجوئها إلى كل الوصفات الممكنة، بما في ذلك إحضار صور مقدّسة له من الدير القريب. فالحقيقة أن ما من ترياق مادي أو معنوي نجح في شفاء الزوج ليستسلم في نهاية الأمر ويُسلم الروح، تاركاً عبء الأسرة والبيت والعمل على عاتق داريا. وهذه الأخيرة لا تجد فور رحيل زوجها بُدّاً من أن تمسح دموعها متوجهة إلى الغابة للاحتطاب... فالحياة يجب أن تسير قُدماً.

> لكن في الغابة كان ثمة مصير آخر في انتظارها، مصير يتمثل في «موروش ذو الأنف الأحمر»- ويُكنّى في روسيا بهذا عادة عن بابا نويل- الذي يلتقيها، فيما هي مُنكبّة على قطع الحطب وجمعه، فتجد نفسها منساقة خلف تصرفاته اللطيفة وعباراته البسيطة الحاملة لها ضروب التعاطف والعزاء. وهكذا، تجد داريا نفسها وقد غابت تماماً عن واقعها البائس، مستعيدة وجه زوجها وتصرفاته لتعيش معه مشاهد من حياتهما معاً، وقد استعيدت فيما يشبه لعبة تراجع سينمائي قبل عقود من ظهور السينما، وأبدع الشاعر في وصفها والحديث عنها في شكل جعل سلفه الكبير الشاعر الروسي المعاصر لنا يفتوشنكو يقول أن تلك المشاهد تكاد تكون أفضل مشاهد سينمائية «قرأها» في حياته (وللمناسبة نذكر أن يفتوشنكو كان مهتماً بفن السينما إلى درجة أنه مثل أدوار البطولة في غير فيلم واحد). المهم أن داريا سرعان ما تجد نفسها غارقة وسط الغابة في خضم أحلام غرائبية متتالية تقودها من عالم الحلم إلى عالم العدم تدريجاً تكاد لا تستشعر إلى أين سوف يقودها... تستشعر فقط تلك اللحظات العابرة من السعادة القصوى التي عاشتها مع بروكل، وها هي تستعيد عيشها الآن حتى لحظات التلاشي الأخيرة، حيث ترحل بدورها عن عالمنا راضية مطمئنة وكأن بروكل يقودها في رحلة إلى الفراديس الخفية... لقد استعادت داريا سعادتها، لكن فقط في الملكوت «السعيد» الوحيد المتاح لها ولمثيلاتها من النساء الروسيات. تلك النساء التي كتب نيكراسوف تمجيداً لهن قصيدته التالية في الشهرة «نساء روسيا».

> وكما أشرنا، تقدم «نساء روسيا» نمطاً آخر من المرأة السلافية، وهنا عبر حكاية الأميرتين اللتين ترافقان زوجيهما النبيلين المتآمرين ضمن إطار ثورة الديسمبريين، إلى المنفى... وكما الحال بالنسبة إلى «موروش ذو الأنف الأحمر» وكذلك تلك القصيدة الأخرى عن الفلاحين الروس وبحثهم عن السعادة، أشاد كبار النقاد الروس، وعلى رأسهم بيلنسكي وتشرنيشفسكي، اللذان كانا من أبرز النقاد التقدّميين في روسيا تلك الأزمان، أشادوا بشعر نيكراسوف معتبرينه مجدّداً ضمن إطار الغوص في الأصالة الحقيقية.

> ولنتذكر هنا ما قلناه أول هذا الكلام من أن نيكراسوف إنما نهل مصادر إلهامه من ذكرياته الحقيقية ومن الصور التي اختزنتها طفولته. ومن هنا، فإن مصادره كانت على الدوام محلية وأصيلة حتى وإن كانت التقنيات الشعرية، والكتابية بعامة، تدين إلى سابقيه من الذين كانوا على إطلاع على التجديدات الأوروبية الغربية في مجالات الكتابة. وهو بالتالي، جمع بين الأصالة والمعاصرة على نحو جعله يعتبر خليفة حقيقيا لبوشكين.

> ومع هذا، فإن المجموعة الشعرية الأولى التي أصدرها نيكراسوف حين كان قد انتهى لتوّه من دراسته الجامعية (التي استكملها على الضد من إرادة أبيه الذي كان يريده أن يصبح ضابطاً في الجيش، فما كان منه إلا أن حرمه من أي عون مادي ما جعله يبدأ حياته العملية بائساً يبحث عن القرش والمأوى والطعام في أي مكان، وغالباً من دون جدوى) لم تنل أي إعجاب، بل أن بيلنسكي أبدى اشمئزازاً مبكراً منها. فما كان من نيكراسوف إلا أن دار على المكتبات يجمع نسخ الديوان ليتلفها. وساهمت تلك الحركة في التقريب بينهما ليصبحا صديقين مقرّبين يعملان معاً في عدد من الصحف... ونيكراسوف أمضى حياته موزعاً بين الصحافة والنشر ومن ثم كتابة الشعر حتى سن الخامسة والخمسين، حين تمكّن سرطان خبيث من القضاء عليه عام 1878 في سان بطرسبرغ، تاركاً لدى قرائه حزناً عاماً وحسرة على «موهبة متنوّعة كانت لا تزال بعد قادرة على كثير من العطاء»، كما قالت الصحافة الروسية يومها في معرض تأبينه.

 

alariss@alhayat.com

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة