|   

النسخة: الورقية - دولي

وُضع الموسيقي الفرنسي كلود ديبوسي دائماً في خانة واحدة مع عدد من مجايليه ومواطنيه الذين صُنّفت موسيقاهم بانتمائها الى نوع من تيار فني انطباعي، على غرار سان سانس ورافيل. غير أن واقع موسيقى ديبوسي وارتباطاته والتوجهات التي طبعت العديد من أعماله الرئيسية، كلها تكاد تخالف هذا الرأي السائد، بأن تجعل ديبوسي واحداً من أبرز الموسيقيين الرمزيين عند بدايات القرن العشرين. ولعل في إمكاننا أن نستند الى عمل كبير من أعمال ديبوسي، على الأقل، لتأكيد هذا الأمر. والعمل الذي نعنيه هنا هو تلك الأوبرا الكبيرة التي لحنها هذا الموسيقي الفذ في العامين الأولين من القرن العشرين لتقدم للمرة الأولى في صالة الـ «الأوبرا كوميك» الباريسية وتلقى بالتدريج نجاحاً لا بأس به ولا يتوقف تقديمها عاماً بعد عام حتى أيامنا هذه: «بيلياس وميليزاند»، ومن المؤكد أن أول ما يمكن قوله عن هذا العمل هو انتماؤه، وحتى من قبل صياغته الأوبرالية، الى التيار الرمزي المسرحي الذي كان موريس ميترلنك، كاتب المسرحية، من أبرز أقطابه في ذلك الحين وعلى الأقل في بلجيكا وفرنسا.

> والحقيقة أن ديبوسي الذي كان مرتبطاً حينذاك بصداقة متينة مع ميترلنك، اشتغل على تلحين أوبرا «بيلياس وميليزاند» انطلاقاً من رغبته في تطبيق نظرياته المبتكرة حول موسيقى أوبرالية تكاد تكون خالية من أية «برامج» ذات مضمون أو معنى، تسير بالتواكب، لا بالاندماج، مع الحوارات التي عليها هي أن تخلق المعاني فيما تكتفي الموسيقى بخلق المشاعر والأجواء «الرمزية» التي تحدد الإطار المزاجي العام للعمل. وطبعاً قد يبدو هذا الكلام متطابقاً هنا مع ما يمكن أن تُلخّص به الانطباعية، لكنّ ثمة فارقاً أساسياً يكمن في أنه فيما تحتفي الانطباعية بالطبيعة و «ألوانها» بشكل عام، غالباً ما تلتفت الرمزية الى الأبعاد التاريخية بل حتى الى الأبعاد الأسطورية محتفلة بها معبرة عنها. ومن الواضح أننا هنا كمن يصف هذا العمل الأوبرالي الذي نتحدث عنه هنا والذي يعتبر عادة من قمم أعمال ديبوسي.

> كما أن ديبوسي بنى هذه الأوبرا على مسرحية ميترلنك، ما يعني أنه وعلى خلاف ما كان يلجأ إليه معظم ملحني الأوبرات في زمنه، لم يكن من المؤمنين بنظرية أن الأوبرا تحتاج الى أشعار بسيطة وربما تبسيطية لأن المكانة الأولى تكون فيها للموسيقى لا للشعر. فهو إذ اختار شعراً حقيقياً مصاغاً بلغة مدهشة ومن صياغة واحد من أسياد اللغة الفرنسية في ذلك الحين، أي ميترلنك، كان يعرف أنه يضع نفسه أمام تحد كبير يلزم معه موسيقاه بأن تخضع للغة وإيقاعاتها وليس العكس. وهو نجح على أي حال في رهانه، حيث، بعد أقل من مرور عشر سنوات على تآلف المشاهدين مع مسرحية ميترلنك وأشعارها وموضوعها، عرف كيف يثير اهتمامهم بموسقته تلك الأشعار والأحداث.

> ونعرف أن «بيلياس وميليزاند» تتحدث في مناخ يتأرجح بين الخرافي والتاريخي حول الأمير المقترب من سن الكهولة، غولو الذي يتوه ذات يوم في الغابة الكثيفة قبل أن يحدث له أن يعثر على فتاة ضائعة مثله لا تعرف من أين أتت ولا كيف جاءت الى هنا، بل كل ما تعرفه أن اسمها ميليزاند. وسرعان ما يقنع الأمير الفتاة الحسناء بالذهاب معه الى قصره والزواج منه. وإذ تنتقل الأحداث في الفصل التالي الى قصر الأمير تلتقي ميليزاند بأخيه الأكثر شباباً منه بيلياس، الذي بعدما كان تواقاً الى ارتياد أي مكان آخر شاعراً بنوع من الحنين الى البعيد، يجد في ميليزاند نوعاً من التعويض فيقع في غرامها. ويتلو هذا حكاية خاتم- تكاد تشبه حكاية المنديل في «عطيل» شكسبير- وتشعل هذه الحكاية الأحداث الدرامية التالية التي هي الأساس في هذا العمل. حيث إن العاشقين إذ يجدان طريقهما مسدوداً بفعل رغبة غولو في ميليزاند وشعوره بأنه الأحق بها، يدركان أن موتهما وحده في إمكانه جمعهما. لكن غولو لن يقتل أول الأمر سوى «بيلياس» في وقت تعتقد ميليزاند أن العقاب الذي سيحله بها غولو سيكون إبقاءها على قيد الحياة، ما يحرمها من اللقاء مع حبيبها. وفي تلك الأثناء، نكون قد وصلنا الى الفصل الخامس والأخير حيث يستبد الندم والحزن بغولو من جراء ما فعل، فتحل به آلام تجعلنا على يقين من أنه في نهاية الأمر، الشخصية الوحيدة الحقيقية في هذا العمل، بينما باقي الشخصيات رموز وخرافات تتحلق من حوله.

> لقد كان من الواضح هنا أن ميترلنك إنما أراد أن يكتب للأدب البلجيكي باللغة الفرنسية، نصاً يضاهي «روميو وجولييت» لشكسبير و «تريستان وإيزولت» لفاغنر. وكان من الواضح كذلك، أن ديبوسي أدرك دور اللغة وقوتها الرمزية بخاصة في هذا العمل كما في كل نصوص ميترلنك، ومن هنا نراه يشتغل على موسقة اللغة كما أسلفنا ما وازى هنا بين قوة الموسيقى وقوة الشعر وأعطى لأبرا «بيلياس وميليزاند» قوتها الاستثنائية، ولكن صعوبتها كذلك وتجديديّتها، لكن المشكلة كمنت في الحقيقة ها هنا، حيث قلة فقط من النقاد أدركت جوهر ذلك التجديد ما احتاج الأمر معه الى زمن قبل أن تعطى «بسلياس وميليزاند» حقها من التحليل، بل حقها في أن يقول عنها نقاد فرنسيون بأن فيها ما يتجاوز حتى بعض أكثر لحظات موسيقى فاغنر تجديدية في مناحيها الرمزية.

> ولعل هذا التأخّر في ضم «بيلياس وميليزاند» الى التيار الرمزي ومدخلها الذي تدور أحداثه وسط أجواء طبيعية، هما ما دفع النقاد أول الأمر الى إضفاء الصفة الإنطباعية عليها. ومن المؤكد أن هؤلاء النقاد - المستعجلين - بالذات لم يتمكنوا أول الأمر من إدراك العلاقة التي ربطت، ومنذ البداية، بين ديبوسي (1862 - 1918) والرمزيين ليقولوا فقط متأخرين إن هذا الموسيقي لا بد من ربطه تقليدياً وموسيقياً بالرمزيين. إذ حتى قبل انضمام ديبوسي الى الكونسرفاتوار نراه يتلقى دروسه الموسيقية الأولى على يد حماة صديقه الشاعر فرلين، مدام موتي. وهو حين فاز بجائزة روما التي نالها في العام 1884 إنما نالها على تلحينه إحدى قصائد روزيتي الذي كان زعيم تيار الما- قبل- رافائيليين الرمزي، هو كما سيكون بعد ذلك على ارتباط متين بالشاعر مالارميه وكان ذلك الارتباط ما قاده الى وضع قطعته الموسيقية الأشهر «مقدمة لبعد ظهر حيواني» إضافة الى موسقته حوالى أواسط تسعينيات القرن التاسع عشر لقصائد لفرلين وبودلير. وفي كل ذلك الإنجاز الموسيقي الذي سوف يصنع له مكانته، عرف ديبوسي كيف يطبق النظريات التي صاغها لنفسه معلناً فيها التخلي عن كل موسيقى وصفية لمصلحة تلك الموسيقى الخالصة التي كان هو نفسه يصفها بالبخارية التي تخلق الجو أكثر كثيراً مما تفسر «الحدث»، في انسيابيتها المعلنة والمتبناة. ولنذكر هنا أيضاً أن ديبوسي كان لفترة من حياته ونشاطه الإبداعي، من الداعين الى التخفيف حتى الحدود الدنيا، من الحضور البشري في الأعمال الموسيقية بما فيها تلك المسرحية، مرجحاً كفة لحظات الصمت والجمود والاشتغال على شتى ضروب الصدى. في اختصار كان ما يطالب به ديبوسي هو أن تسود في الموسيقى ضروب تصوير الأجواء. وهو انطلاقاً من هذه المفاهيم، إذاً، اشتغل على «بيلياس وميليزاند» في نوع بدا أشبه بأن يكون مرتكزاً على تلحين فقرات موسيقية متتالية قد تبدو للوهلة الأولى غير ذات علاقة موضوعية بعضها ببعض. ولعل هذا التفاوت ما أخّر النقاد والباحثين في اعتبار هذا العمل، الأوبرالي بعد كل شيء، درة من درر الموسيقى الرمزية ، أو على الأقل عملاً يقف متأرجحاً بين الرمزية والانطباعية.

> بقي أن نذكر هنا أن النجاح الجماهيري، ثم النقدي، الذي حققته «بيلياس وميليزاند»، جعل ديبوسي يفكر في أن ينصرف ذات حقبة متأخرة من حياته، الى الاشتغال بنفس الطريقة على تلحين أسطورة «أورفيوس»، وربما انطلاقاً من اعتبارين يمكن القول انهما لا ينفصلان عن بعضهما بعضاً، أولهما أن أورفيوس نفسه هو رب الموسيقى ورمزها، وثانيهما أن «أورفيوس» نفسها كانت الأسطورة التي انطلق منها مونتفردي ليلحن أول أوبرا في التاريخ بالمعنى المعاصر لكلمة أوبرا، وربما كان ديبوسي يريد ضمنيا أن يجعل من «أورفيوس» على طريقته خاتمة للفن الأوبرالي كما كانت بدايته على طريقة مونتفردي. لكن الموت كان أسرع الى ديبوسي حيث اختطفه قبل أن يحقق ذلك المشروع الأخير.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة