|   

النسخة: الورقية - دولي

لم يكن من قبيل الصدفة أن يخصص الكاتب والناقد الألماني الأصل والفرنسي الهوى والكتابة جون ريوالد صفحات كثيرة من كتابه العمدة والضخم الذي وضعه عن الرسام الفرنسي سيزان، للحديث عن الصداقة المديدة التي قامت بين هذا الأخير والكاتب إميل زولا. فالحقيقة أن تلك الصداقة التي بدأت منذ عهد الصبا الباكر حين كان الإثنان تلميذين في إحدى ابتدائيات مدينة إيكس آن بروفانس، تواصلت ثلاثين عاماً وأثرت في حياة وعمل كل منهما تأثيراً حاسماً، لتعود وتنقطع بعد ذلك محلّة مكانها عداء راح يتصاعد بالتدريج حتى النهاية. ولئن كان كثر من نقاد الفن والباحثين يرى أن ذروة القطيعة ستكون إصدار زولا روايته «العمل الفني» التي تشكل حلقة من سلسلة «روغون - ماكار» التي ظل زولا يصدر أجزاءها تباعاً خلال عقود طويلة من حياته، فإن ريوالد يبدو مجداً في أن يحلل تلك الرواية ليثبت أن سيزان لم يكن على حق كلياً في غضبه من صديق عمره إذ «اعتقد» أنه هو المعني بذلك الرسام الذي تدور الرواية من حوله وحول فشله وصولاً إلى انتحاره. مهما يكن، وعلى رغم كل ما قاله ريوالد، يبقى أن صدور الرواية كان القشة التي قصمت ظهر البعير، حيث ان ثمة مقدمات عديدة تتابعت لزمن طويل قبل صدور الرواية. ولئن قال زولا، ووافقه كثر أيضاً على ذلك، أن «العمل الفني» تتحدث عنه هو أيضاً، و «عن كل فنان لا يعرف كيف يكون على قدر موهبته»، فإن هذا كله لا يبدل من الأمر شيئاً.

> كذلك لا يبدل منه أن يكون زولا، وقبل صدور رواية «العمل الفني» المتمحورة من حول الرسام كلود لانتييه، قد تحدث عن هذا الأخير في بعض صفحات «أحشاء باريس» كما بخاصة في رواية «المهلك» حين جعله ابناً لواحدة من شخصياتها البائسة (جرفيز). وبالتالي لا يمكن ان يقال ان كلود هو نفسه سيزان، لأن هذا ولد في اسرة بورجوازية إيطالية الأصل، وفي الجنوب الفرنسي، كما حال زولا نفسه، ولا يمت بصلة الى الحياة التي عاشها كلود بقلم زولا، ناهيك بأن حياة هذا الأخير ويأسه من عمله انتهيا بانتحاره في تلك الرواية التي خصّه بها، وهو ما لم يكن مصير سيزان على أي حال. مهما يكن، يبقى ان الرواية انهت تلك الصداقة التي بدأت حين كان الإثنان صبيين يحلمان معاً وسط سأمهما من بلادة المدينة الجنوبية، بغزو باريس ذات يوم وبأن يصبحا من نجوم الإبداع فيها. ولئن كان زولا قد توجه منذ البداية نحو الكتابة، فإن سيزان تردد طويلاً قبل التوجه نهائياً الى الرسم، بل إنه لم يسلك سبيله إلا بتشجيع من زولا الذي سيسبقه إلى باريس ويلح عليه بعد ذلك أن يلحق به. ثم، في العاصمة يعرّفه على العديد من الفنانين الشبان والأقل شباباً ومن بينهم بيسارو ومانيه اللذان سوف يمارسان على سيزان تأثيراً كبيراً. وكل هذا لن نجد له أثراً في «العمل الفني».

> ففي هذه الرواية، التي من الواضح فيها أن زولا يبتعد عن تلك الخطّية التي كانت تجعله في الأجزاء الأخرى من «روغون - ماكار» يرسم الشخصيات كرموز وممثلين لطبقات وشرائح، يقدم الكاتب شخصية استثنائية في مساره الكتابي: شخصية من لحم ودم لشاب ولد للعاملة جرفيز وزوجها المدمن على الكحول. شاب رأى باكراً انه سيجد في الفن خلاصه من واقعه الرهيب، ومن هنا تستبد به فكرة أن ينجز عملاً فنياً كبيراً وحقيقياً. في الحقيقة، هو قادر على هذا تقنياً فلديه الموهبة بالتأكيد، لكن ثمة شيئاً ما، شيئاً يصعب عليه إدراك كنهه يمنعه من ذلك. ثمة انسداد غامض يعيقه. وهو يفشل، حتى بمساعدة صديقه الكاتب ساندوز (الذي لا يخفى على أحد مقدار ما يحمله من ملامح زولا نفسه، وأخلاقياته)، في الوصول الى أجوبة عن الأسئلة التي راحت تتآكله. ثم يحدث ذات يوم بارد ممطر ان يجد كلود عند باب بيته فتاة حسناء ترتجف برداً وخوفاً، فيدعوها الى بيته ويساعدها على تدبير شؤونها ويقعان قي حب يحرك الشاب ويدفعه إلى الانطلاق في العمل على لوحته التي باتت تمثل الآن بورتريه لتلك الصبية. وبقدر كبير من الحماسة يغوص كلود في لوحته وقد ازداد إيمانه بأنه سيجعل منها «اللوحة المثالية»، لوحة نابضة بالحياة والإنسانية، ولوحة تمثل المرأة الخالدة. وتتبعه الفتاة كريستين، تلك التي باتت الآن تقاسمه كل حياته بإخلاص وتفان وقد أصبحت موديله وامرأته ومصدر إلهامه. ولكن ذات لحظة وفي شكل شديد الغموض، يتوقف كلود عن اندفاعته، ويعود إلى انسداد أفقه، ويبدأ شعور لديه غامر بأنه يكره هذه اللوحة. ومن هنا سيحاول يوماً بعد يوم أن يشوهها ويدمرها على مرأى من كريستين التي تحاول بشتى الطرق إعادته الى عمله وإيمانه بهذا العمل. لكن ذلك كله لن يجديه نفعاً، وكلود يواصل عيش صراعه مع اللوحة ومع موهبته ما يبدأ بتدميره من الخارج بعدما كان قد تدمر من الداخل. وهكذا راحت كريستين تفيق في الليالي لتجده كالمجنون واقفاً في وجه اللوحة حاملاً سكيناً يشوه به مقاطع منها ولا سيما الوجه.

> والواقع ان هذه المشاهد يصل فيها الكاتب، إميل زولا نعني، الى رسم صفحات رائعة من الصراع «الجوّاني» الذي نادراً ما صُوّر في كتاباته، وهو الأمر الذي يجعل من «العمل الفني» كما أشرنا، عملاً استثنائياً في مسيرته، كما من شخصية كلود لانتييه شخصية استثنائية. بل كذلك ما يعطي فرادة لشخصية كريستين التي نادراً ما نرى في أي عمل من أعمال الكاتب شخصية تشبهها في تفانيها وتحمّل دمارها الذاتي على مذبح حبها للرسام الشاب وإيمانها بموهبته وصدق رغبته وبقدرته على تحقيق العمل الفني الخالد الذي يصبو إليه، حتى من دون أن تأخذ كثيراً في الاعتبار كون اللوحة تمثلها هي. بيد ان هذا كله لن يسفر عن نتيجة في نهاية الأمر. إذ ذات صباح تفيق كريستين لتجد كلود جثة هامدة أمام لوحته. وتنتهي الرواية مع الكاتب ساندوز الذي إذ يتولى شؤون جنازة صديقه بكل حب وإخلاص يعود الى عمله اليومي شاعراً براحة الضمير إذ أدى واجبه تجاه كلود بعدما كان ساعده طوال الوقت من دون ان يسأله حتى شكراناً.

> ترى، ما الذي أغضب بول سيزان في هذا كله؟ سؤال سوف يظل مطروحاً بالنظر إلى أن القطيعة التي تلت صدور الرواية وكانت بمبادرة من سيزان كما أشرنا، كانت أكثر حدة من أن يفسرها رسم زولا لشخصية كلود. فكل واحد كان يعرف ان لا شيء مشتركاً بين هذه الشخصية وما هو معروف من سيرة حياة سيزان، كما أشرنا أول هذا الكلام. بيد ان لا بد لنا من العودة الى فكرة «القشة التي قصمت ظهر البعير» التي اشرنا إليها أيضاً لنقترح ان سيزان كان يعرف ان الرواية لا علاقة لها به، لكنه كان ينتظر فرصة تسنح له لكي يقطع مع صديقه. هو الذي كان يلاحظ صامتاً، وربما باكراً منذ وصل الى باريس قبل ذلك بسنوات طويلة، وتحديداً بإلحاح من زولا، أن هذا الأخير على رغم تقاربهما، لم يكن يبدي إعجاباً كبيراً بفنه. صحيح أنه كان يقول عنه إنه «الأفضل تلويناً بين الانطابعيين» لكنه في كل المناسبات كان من الواضح تفضيله إدوار مانيه عليه. فهو كان لا يفوّت مناسبة إلا ويتحدث فيها عن مانيه وعن كل لوحة يرسمها، أما حين يصل الأمر إلى سيزان فإن كلامه كان يتسم بقدر كبير من التحفظ. بل كان يصل أحياناً الى التلميح بأن سيزان لا يتوصل في غالب الأحيان إلى أن يكون على مستوى موهبته. فهلا نرى في هذا الحكم إرهاصاً بالتحليل الخفي الذي يكمن خلف رسمه صورة كلود لانتييه؟ على الأقل سوف يتبنى سيزان بينه وبين نفسه، هذه الفرضية ليعلن أنه فهم أخيراً الموقف الحقيقي لإميل زولا منه. ومن الواضح ان سيزان بنى على هذا «الاستنتاج» قراره الذي لا شك في انه كان قد اتخذه منذ زمن بعيد: قراره بأن ينهي صداقة دامت اكثر من ثلاثين عاماً وبدأت مع طفلين حالمين سيتمكن كل منهما من أن يكون بالفعل ذا شأن، إنما من دون أن يصلا معاً الى تلك المكانة، بل وصلاها بشيء من تناحر خفيّ بينهما.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة