|   

النسخة: الورقية - دولي

ها أنا أكتب الكلمات الأخيرة من مقالي الأخير في جريدة «الحياة». بعد عقد ونيف من الزمن شرفتني فيه هذه الجريدة بالعمل فيها مشرفاً على صفحة الرأي ومشاركاً في مسؤوليات التحرير، أتيحت لي خلال هذه السنوات علاقة زمالة وصداقة داخل الجريدة وخارجها، أتمنى أن تمتد مدى العمر.

عندما يكتب الصحافي كلماته الأخيرة في صحيفة عمل فيها عقداً من الزمن، يرافقه الشعور بقسوة الوداع. وكما في كل وداع تعود الذاكرة إلى الأيام الأولى لدخول هذه المكاتب، إلى الزملاء الذين كانوا وما زالوا رفاق هذه الرحلة، وأولئك الذين غابوا. وعلى مدى السنين، تزداد العلاقة المباشرة واليومية وثوقاً، مع هؤلاء الرفاق، منهم من شارك الكاتب رحلة سابقة في مطبوعات أخرى، خلال تنقّلنا في رحاب هذه المهنة، ومنهم من لم يعمل معهم من قبل. هذه العلاقات هي ما يبقى وما يحمله كل واحد منا في هذا المشوار الطويل. إنها الذكريات التي يختلط فيها التنافس على صياغة العناوين وكتابة المقالات وتحرير الأخبار، بجلسات النميمة التي لا بد منها في مهنتنا لتخفيف وطأة محاصرتنا اليومية بأرقام القتلى وأعداد المدن المدمرة ومآسي المهجرين، وهي مآسٍ لم يعد هناك مفر منها بالنسبة إلى أي صحافي يمارس هذه المهنة في عالم العرب. إنه سعي لا ينتهي وراء الحوادث، يرافقه ذلك التمترس أمام الكائن العجيب الذي يدعى الكومبيوتر، والذي يقذف حمم أخباره في عيوننا دقيقة بعد دقيقة.

لكن الوداع ليس فقط لرفاق الدرب من كتاب شاركوا بمساهماتهم الثرية في مقالات صفحة الرأي، أو لزملاء كانت مرافقتهم فرصة للتعلم وللصداقة ولاتساع مساحات الحوار، بل هو وداع لكم، أنتم القراء الذين تربط الكاتب بكم علاقة غامضة، يدفعه غروره إلى الاعتقاد بأنها علاقة وثيقة لن يقضي عليها مرور الأيام والسنين.

وهي مناسبة بالنسبة إلى الصحافي ليتذكر بنوستالجيا عارمة كيف كانت بداياته مع هذه المهنة وأين صارت اليوم. من زمن القلم والورقة ورائحة الحبر التي تفحّ من «البروفات» الآتية مباشرة من المطبعة إلى مكاتب التصحيح، إلى زمن استقال فيه القلم من العمل، لتحتل مكانه لوحة المفاتيح. تضيف وتمحو وتصحّح وتعدّ الكلمات، ليذهب المقال مباشرة إلى حيث يجب أن يكون... إلى صفحات الجريدة.

يمر الصحافي ضيفاً زائراً على الجريدة. يترك بعضاً من بصماته ويغادر إلى رحلة أخرى. ومثل زائري المدن الذين يتركون أقفالهم على جسور الأنهر أو يحفرون أسماءهم على جدران الشوارع، لا يبقى من الصحافي سوى كلماته المطبوعة على صفحات الجريدة، والتي تبقى شاهداً أبدياً على مروره بها.

إنها بالنسبة إلي مع مغادرتي جريدة «الحياة» نهاية رحلة أخرى من الرحلات الجميلة التي قمت بها على امتداد هذا العمر، بين رائحة الحبر ومتعة الكلمة والتعب الذي لا ينضب في ملاحقة الخبر. لا يسعني لمناسبة هذا الوداع سوى أن أتمنى النجاح لهذه الجريدة وللقائمين عليها، ولزملاء الرحلة حظاً طيباً أينما دفعتهم رياح السفر.

وكما تقول كلمات تلك الأغنية الإنكليزية الجميلة: سنلتقي من جديد... لا أدري أين ومتى... لكن سنلتقي من جديد!

وكل عام وانتم بخير

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة