|   

النسخة: الورقية - سعودي

< أستكمل اليوم الجزء الثاني من رحلتي إلى مدينة الجبيل الصناعية، إذ إنه من الواضح أن فكرة الهيئة الملكية، التي جاءت قبل 40 عاماً في نظرة ثاقبة حينها من قيادة المملكة والعقول النيرة من الوزراء والمسؤولين الذين أشرفوا على تأسيسها ووضع لوائحها الأساسية، تهدف إلى بناء قاعدة متينة للصناعات في السعودية، والشيء المميز الذي جعل الجبيل الصناعية وشقها السكني تنفرد عن بقية المدن الأخرى، أنها لم تخضع للبيروقراطية في المؤسسات الحكومية من بلدية وصحة وتعليم وغيرها من الجهات الحكومية، التي حولت مدننا إلى حقول تجارب من أنظمة إدارية وموظفين، فالهيئة الملكية تفرض خطتها وتنفذ برنامجها بنفسها من دون تدخل أية جهة حكومية أخرى، فلا مكان للواسطات في افتتاح المصانع والشركات أو حتى تنفيذ المشاريع من طرق وجسور وغيرها، ولا مجاملة لمسؤول كبير لتمرير معاملته.

علِمت بأن القيادة السعودية منحت صكاً منفرداً باسم الهيئة الملكية، لهذا هي عن منأى من أي تدخل أو اعتداء على أراضٍ.

هيئة الجبيل أسندت إليها إدارة رأس الخير وهيئة ينبع أسندت إليها إدارة جازان الاقتصادية وهذه خطوة جداً ممتازة أن يتم إسناد إدارة هذه المدن إلى مؤسسة متخصصة مثل «الهيئة»، المهم ألا تتنازل عن المعايير التي وضعتها، الجودة والإتقان في تنفيذ وإدارة هذه المدن.

تجربة إدارة مدينة الجبيل من الهيئة الملكية هي تجربة ربما من الصعب تطبيقها في المدن الأخرى، لكون المعايير المطبقة والتي وضعتها «الهيئة» هي معايير وأنظمة عالية المستوى وتطبق بصرامة، من المستحيل أن تطبق داخل المدن، فالمحسوبيات والمجاملة والبيروقراطية لمؤوسات الدولة لا تسمح بتنفيذ العمل بإتقان، إلا أن ما ينقص هذه المدينة الجميلة والحالمة أنها منشغلة مع نفسها، ولم تخطط للتسويق عن نفسها، وبخاصة أن النموذج الحالي يعتبر أحد المدن الصناعية النادرة في منطقة الخليج والشرق الأوسط، فهي تحتاج إلى المزيد من التسويق الإعلامي والترويج عن نفسها، وبخاصة أن الشركات الأجنبية بحاجة إلى من يصل إليها ويعرّفها بالمميزات المطلوبة.

حجم الاستثمارات الموجودة في مدينة رأس الخير تدعو إلى الفخر، إذ تبلغ حجم استثمارات الهيئة الملكية فيها نحو 4.5 بليون ريال، إما استثمارات القطاع الخاص فتبلغ نحو 120 بليون ريال، كما بلغت قيمة الاستثمارات الصناعية 118 بليون ريال، وفي المشاريع السكنية نحو 1.8 بليون ريال. وقصة المشاريع السكنية في الهيئة الملكية بصراحة أحد أهم الإنجازات التي تحسب للهيئة، إذ أنفقت أكثر من 25 بليون ريال للمشاريع السكنية، وهذه التجربة الناجحة التي تجعل الموظف يعمل بنشاط وأمان، لأن مستقبل أسرته لا يشكل له قلقاً، لأنه بعد عامين أو ثلاثة سيصبح لديه منزل مستقل ويدفع أقساطه شهرياً ومن ثم يتملكه، وهذا المعيار يدفع إلى المزيد من الاستقرار الأسري وتقليص حالات الطلاق وبناء أسرة سعيدة تعيش مع والديها.

تجربة الجبيل وإدارتها نحتاج إلى استنساخها لتطبيقها في مدن صناعية واستثمارية أخرى، ومن ثم تتحول إلى معيار لبقية المدن الصناعية الموجودة الحالية والتي تتبع الهيئة السعودية للمدن الصناعية (مدن)، لترينا منجزاً نفخر به أو مشروعاً يمكن أن نطلق عليه مشروعاً يضاهي المدن الصناعية في العالم، فهي لا إدارة ولا تنظيم ولا حتى فريق عمل لديه خبرة، لن أطيل في هذا الجانب سواءً مدن صناعية أم مدن اقتصادية، فالحال لا تسر.

سألت المسؤول عن سلامة وحماية البيئة في الهيئة الملكية المهندس عويد الرشيدي عن المعادلة بين انبعاثات المصانع وسلامة الناس؟ قال: «إن المساحات الخضراء التي أوجدتها الهيئة تتوازى مع حجم المصانع، فكلما فتحنا مصنعاً زدنا مساحة خضراء»، ويضيف: «يتم تحديد المناطق واختيار المواقع السكنية والصناعية والترفيهية وغيرها من الاستخدامات بناءً على تقييم التأثير البيئي.. إذ يؤخذ في الاعتبار توفير مناطق عازلة بين المنطقة السكنية والصناعية، إضافة إلى الطرق الآمنة للنقل والملائمة للظروف العادية ولحالات الطوارئ».

وأشار الرشيدي إلى أنه يتم تجميع النفايات السكنية والصناعية ومعالجتها في مرافق مركزية تملكها وتشغلها الهيئة الملكية، وقال: «يشترط على المصانع التقيد بمعايير محددة للنفايات التي تقوم بصرفها إلى هذه المرافق»، أما بالنسبة للمطاعم والأغذية فيقول المسؤول البيئي في الهيئة: «يشترط في المواد الغذائية التي يتم توزيعها أو بيعها في الجبيل وينبع الصناعيتين أن تكون مطابقة للمعايير المعتمدة من الهيئة الملكية، كما تم وضع متطلبات وشروط صحية خاصة للعمال المختصين بخدمات تقديم الطعام».

المدة الزمنية التي أمضيتها في الجبيل قصيرة، وربما حرص المسؤولون والزملاء في العلاقات العامة على أن نشاهد الجانب المضيء، وربما يحتاج الأمر في المرة المقبلة إلى أسبوع على الأقل، ولكن الزوايا التي شاهدناها كانت كافية لإعطاء انطباع أولي عن هذه المدينة، مدينة نموذجية تتوافر فيها البنية التحتية والمشاريع الضخمة والتنظيم الصناعي والسكني والبيئي والاجتماعي وفق أعلى المعايير، وحتى تعليمها المستقل.

المدينة تنتظرها مشاريع بأكثر من 3 تريليونات ريال، لربما احتاجت في المستقبل إلى قطار للنقل الداخلي، ومترو، ومطار مخصص للشحن، وآخر مدني، فالمسافة الحالية من الجبيل إلى الظهران تحتاج إلى 90 دقيقة، وكذلك افتتاح جامعة تكون مخصصة لمتطلبات المصانع والشركات، وتخصصات تغطي حاجة السوق، وربما تكون إحدى الجامعات المهمة عالمياً وتستقطب طلاباً من دول أخرى.

إذا كان المسؤولون في الهيئة الملكية يفخرون بمنجزاتهم السكنية والصناعية، فالناس في محافظة الجبيل، وهي الجزء القديم منها، يأملون بأن يصيبهم من التنمية شيء، فهي ليست تحت مظلة الهيئة، بل تحت الإدارة الحكومية. أتمنى لو يتم تأهيل المدينة وتحويلها تحت سلطة «الهيئة»، أو عمل اتفاق تعاون بين «الهيئة» والمحافظة، كمشروع تكاملي تعاوني لمصلحة الناس والمواطنين، ويمكن الاستفادة منها كمدينة يتوافر فيها متحف وجامعة وبعض المرافق الصحية والسياحية، وتجهيزها كمدينة جديدة وفق معايير عالمية، بشرط ألا يدخل فيها تجار العقار وترويج المخططات والشركات الرديئة وأصحاب المجاملات والواسطات.

بالفعل، نريد أن تبقى الهيئة الملكية أنموذجاً نفتخر به وبمشاريعها الصناعية، كإحدى المدن الصناعية التي يحلم كل شاب سعودي بأن يعمل ويسكن فيها ويتزوج، كما نريد أن تكون الجبيل حدثاً عالمياً.

 

* صحافي وكاتب اقتصادي.

jbanoon@

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available