|   

النسخة: الورقية - دولي

كيف ستكون السياسة السعودية حيال اليمن الجديد بعدما حُسم الصراع فيه لمصلحة القوة الصاعدة منذ عقد من الزمن، «أنصار الله» المتحالفين مع إيران، والذين توافقنا على تسميتهم بالحوثيين نسبة إلى جدهم بدر الدين الحوثي الذي كان معلماً يوماً لأبناء أسرة آل حميد الدين بعدما لجأوا إلى المملكة واستقروا فيها بعد سقوط نظام الإمامة تماماً عام 1970 واعتراف المملكة بالجمهورية هناك، التي أصبحت هي ورؤساؤها وشيوخ قبائلها وبعض من موازنتها جزءاً من مسؤولية الحكومة السعودية التي خصصت لها مكتباً خاصاً أشرف عليه شخصياً ولي العهد السعودي الأمير سلطان حتى وفاته؟ عمدت أن أحشد في السؤال السابق معلومات تظهر مقدار التداخل والتكامل والتعارض بين السعودية واليمن، حتى ندرك أهمية التحوّل الهائل الذي حصل في اليمن الإثنين الماضي، إنها ولادة يمن جديد يضاف إلى سورية جديدة وعراق جديد بل عالم عربي جديد، ولكني سأبدأ بعيداً من إيطاليا.

من 22 إلى 29 تشرين الاول (أكتوبر) 1922 شهدت إيطاليا «المسيرة نحو روما» التي قادها الديكتاتور بينيتو موسولييني، لم يكن يومها ديكتاتوراً وإنما خرج كمنقذ لإيطاليا المترنحة التي أنهكتها الحرب العظمى، ثم الإضرابات والتناحر السياسي وخطر الشيوعية الداهم، خلال تلك الأيام الخمسة انهارت روما وسقطت مؤسسات الدولة في يد ميليشيات «القمصان السود».

شيء كهذا حصل في صنعاء الإثنين الماضي، فمثلما كانت إيطاليا يومها منهارة تحتاج إلى ثورة ومنقذ، كان اليمن. فكان المفترض أن تكون ثورة فبراير 2011 هي المنقذ له، قادها شباب وإصلاحيون متحمسون يحلمون بيمن ديموقراطي جديد، من دون استبداد، وشيوخ قبائل، وعسكر غارقين في الفساد وتبادل المصالح، ولكن «الدولة العميقة» كانت أقوى منهم، اعتصم الشباب عاماً كاملاً، تظاهروا، تبادلوا إلقاء الخطب الحماسية، رسموا ملامح اليمن الذي يريدون، بل حتى قُتلوا بالعشرات، وهم ينادون برحيل الرئيس الذي بدا لهم وكأنه الحائل الوحيد بينهم وبين تحقق أحلامهم، سقط الرئيس، ولكن لم يسقط النظام.

عجز الشباب والرئيس الانتقالي والأحزاب والإخوان وشيوخ القبائل عن الاتفاق على تنفيذ مقتضيات المرحلة الانتقالية التي تتلو الثورات، أي انتخابات يختار الشعب فيها رئيسه ومجلسه ومن ثم حكومته التي تمثله فيستطيع مساءلتها ومحاسبتها إن قصّرت، بالتالي حصل جمود قاتل وإحباط بعد ثورة رفعت سقف التوقعات والآمال. بالتالي كان لا بد من أن يتقدّم أحدهم ليملأ الفراغ ويرفع شعار تحقيق مطالب الثورة، كان الساسة المتناحرون في صنعاء يرونه، وكذلك القوى الإقليمية، ربما تكاثرت الظباء على خراش فعجز الجميع عن تحريك الحال الراكدة وتغيير القناعات والتحالفات والعداوات القديمة لتتوافق مع المستجدات الطارئة، في النهاية حصل المحتوم، ودخل الحوثي صنعاء بهذا الشكل المسرحي قالباً الطاولة على الجميع، واضعاً شروطه ليمن جديد، لم يخاطب زعيمهم عبدالملك الحوثي أنصاره فقط وإنما كل الشعب اليمني عبر شاشات وزعت في ساحات صنعاء العامة في اليوم التالي لسيطرته على العاصمة، لم يقل مثل موسولييني عندما خاطب أهل روما في ظروف مشابهة «برنامجنا بسيط، نريد حكم إيطاليا»، إنما عرض الشراكة والعدالة وعدم إقصاء أحد، ولكن أفعال أنصاره ضد خصومه تشير إلى «شراكة» غير متساوية، شراكة قوي مع ضعفاء.

من الواضح أنهم يريدون أن يحكموا اليمن، وقد تحقق لهم ذلك، إنهم أهل دهاء، يعلمون أن الزمن لا يحتمل ديكتاتوراً مثل موسولييني أو حزباً فاشياً مثل حزبه، كما أن ليس كل اليمن زيوداً حيث قاعدتهم الصلبة، إنهم ثلث اليمن فقط وإن حكموه لألف عام قبل ثورة الجمهورية، لذلك حرصوا على إبقاء «هيكل» الدولة اليمنية القائم ولكنهم أمسكوا بمفاصله، كان بإمكانهم يوم الإثنين الماضي أن يقتحموا قصر الرئاسة ويسقطوا الرئيس الانتقالي الضعيف الذي تخلى عنه جيشه وحكومته، ولكن لم يفعلوا لحكمة يمانية وفطنة، فلو أسقطوه سيتفكك اليمن فيسيطروا على بعضه فقط، ما تحت يدهم من صعدة فعمران وصنعاء، ربما يتمددون نحو حجة معقل الزيدية القديم ومستقر العائلات الهاشمية التي حكمته، آل حميد والمتوكل والمؤيد، ولكن لن يتمددوا وقتها إلى تعز وأبعد منها إلى عدن، إلا بحرب أهلية طاحنة لا يضمنون نتائجها وقد ترتد عليهم، بالتالي اختاروا أن يتركوا عبدربه منصور هادي، رئيساً في القصر الجمهوري، مثل خلفاء بغداد في زمن ضعفهم، بالتالي يحكمون باسمه كل اليمن، يصدرون بتوقيعه قرارات تعيين الوزراء، والمحافظين وقادة الجيش والأمن، ويحددون موعداً للانتخابات وشروطها ودوائرها، كل ذلك باسم الرئيس وختمه.

في الوقت نفسه ينتشرون في صنعاء، مثل قمصان موسولييني السوداء، يرهبون خصومهم السياسيين وينتقمون من أعدائهم، ينهبون بيوتهم ومصالحهم أو يفجرونها، إنها ليست فوضى، ويعلمون أنها تشوّه خطاب زعيمهم الذي وعد «شعبه» بأنه سيحارب الفساد وينشر العدالة ويقيم يمن العدل والإحسان للمستضعفين، ولكنها تصرفات محسوبة فهي موجهة تحديداً نحو «الإخوان المسلمين» القوة السياسية الوحيدة التي يمكن أن تشكل تهديداً لنفوذهم في المستقبل، فهي حركة أصولية عقائدية مثلهم، قبلت الهزيمة وتحاشت المواجهة العسكرية معهم اعترافاً بتغيير ميزان القوى بعد انهيار الفرقة الأولى وقائدها اللواء علي محسن المحسوبة عليهم والذي توارى عن الأنظار ومعه بقية قيادات الإخوان، ووقّع أمينها العام عبدالوهاب الآنسي والانكسار بادياً عليه، وثيقة السلم والشراكة الوطنية التي جاء بها ممثل الأمم المتحدة جمال بن عمر من صعدة.

من الواضح أن الحوثيين سيعمدون إلى قصقصة أجنحة «الإخوان» ومؤسساتها لضمان ألا تشكل تهديداً لهم في المستقبل، يلاحظ أيضاً استهدافهم لأنصار ثورة فبراير من الوزراء والشخصيات العامة التي تحظى بشعبية، في الوقت الذي لم يهاجموا الرئيس السابق علي عبدالله صالح وحزبه المؤتمر الشعبي لا قولاً أو فعلاً، على رغم أنه رمز الفساد والاستبداد، إنهم لا يهرولون عبثاً، فثمة حياة سياسية شبه صحية قادمة لبلادهم، ما لم يختاروا الديكتاتورية والاستبداد، وحتى الآن لا يبدو أنهم متجهون نحو هذا الطريق الكارثي، بالتالي من الأفضل تهميش رموز ثورة الشباب الذين يمكن أن ينافسوهم في أي انتخابات قادمة، أما أنصار الرئيس السابق وحزبه، فهؤلاء غير عقائديين ويمكن أن ينتقلوا بسهولة من جيب إلى آخر.

في ظل هذه الحقائق المشيرة إلى أن ثمة يمناً جديداً يتشكل وفق شروط المنتصر الحوثي، يمكن الإجابة عن اختيارات الدول الإقليمية وتحديداً السعودية، بداية لا بد من التقرير بأن المتأثر الأول بالحدث اليمني هي السعودية، فهي صاحبة أصعب حدود مشتركة بين البلدين والأكثر تداخلاً مع اليمن، بالتالي من الضروري ألا تستقل دول الخليج الصغيرة بسياسة هناك من دون التنسيق مع الرياض. ثانياً، لا يمكن إعادة عجلة التاريخ، فالحوثي يمني أصيل لم ينجح أحد في إلغائه عندما كان مجرد مقاتل غاضب في صعدة، وبالتالي يستحيل إلغاؤه وهو القوي المهيمن في صنعاء، ولا يمكن تصحيح أخطاء الماضي القريب، كما لا تستطيع المملكة أن تمنع اليمن المستقل من اختيار أصدقائه وحلفائه، وليس سراً أين يقع هوى الحوثي، فإيران اليوم شريكة للمملكة في النفوذ في اليمن مثلما هي شريكتها في لبنان.

الاختيار الأفضل هو دعم تحول اليمن نحو نظام ديموقراطي ومنع أي أسباب تؤدي إلى أن يختار الحوثي حسم صراع الحكم لصالحه والانفراد به، فإن استقر له الأمر سيتحول اليمن (أو بعضه المهم) إلى محمية إيرانية، وإن لم يستقر له الأمر فذاك وصفة لحرب أهلية مقيتة ستطفح بشرّها على الأراضي السعودية قبل غيرها، علماً بأن الوضع لم يستقر بعد هناك، ويجب التعامل معه وكأن اليمن على سطح برميل بارود يمكن أن ينفجر في أية لحظة، وثمة أطراف كثر غير مسؤولة قادرة على ذلك وفي مقدمهم «القاعدة» التي بدأت بحماقاتها الانتحارية المعتادة. يمن ديموقراطي هو الحل، حينها ستجد المملكة حليفاً في اليمن يحتاج إلى دعمها بل حتى حمايتها، ويستطيع أن يحقق توازناً مع الحوثي يمنعه من التفرد بالحكم ويتخذ قرارات تضر بمصالح المملكة... وما لا يدرك كله لا يترك جله.

 

 

* كاتب سعودي

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
  1. Alternate textعبدالفتاح

    يا استاذ جمال بارك الله فيك تشتت جهد الدول العربيه بسبب الاخوان ... كان هناك توافق قليل ومتماسك قبل الربيع العربي وجاء الاخوان فافسدو ومزقو الشعوب وعادو جيوشها وتحالفو مع ايران والحوثيين وتركيا وما تشاهد في ليبيا مثال فبعد سنوات سوف يقال اين العرب وانت تعرف ان من يثير الفوضى هم حلفاء الاخوان في ليبيا الاولى ان يقوم الاخوان وهم من يتحالف مع الحوثي سابقا بالمصالحه مع حليفهم

    الجمعة 26 أيلول 2014 7:45 م

  2. Alternate textمتابع 222

    خاشقجي يتكلم وفي فيه ماء

    الجمعة 26 أيلول 2014 8:03 م

  3. Alternate textالاسم

    السلام عليكم أخي انت تطرقت لما فات من الزمن وأن اليمن يتم دعمه من قبل السعودية . كان يتم دعم متنفذين في اليمن **** ******* وليس دعم اليمن . وكان من يمثل الإرتباط في هذا الدعم كلا من / ***** ***** و*** ** **** و**** وكلنا يعلم من هم الثلاثي في حين أصبحوا من أصحاب المليارات ؟؟ أما الأن لقد أفضوا الى ملك لا يظلم . لو كان الدعم للحكومة لرقي البلد كان ممكن يكون له أثر على الشعب ولكن الدعم ليس مبني على اسس صحيحة مثلم أنت عملت في **** **** وقريب من صاحب السلطة بها (( ******** )) والذي كان يجب أن تبنى سياسات المملكة على مخرجاته . لكن للأسف لم يباعد ما سبقة من أسماء إن لم يكن مكمل لدورهم . أما الحوثيين فلدينا مثال حي لهم العراق وحزب الله . وسوف يتممددوا الى السعودية . هل تعلم عن الاسلحة التي استولوا عليهم بأنها تم نقلها الى صعده على حدود المملكة . إذا كنت تعلم فتلك مصيبة وإن كنت لا تعلم فالمصيبة أعظموا . هل تريد أن تعرفني ؟. هل تتذكر جاجي يوم أتيت بكمرتك ايام جريدة المسلمون من الذي قال لا تصور . ؟؟

    الجمعة 26 أيلول 2014 8:32 م

  4. Alternate textمحمد صالح

    دعم تحول اليمن الى نظام ديمقراطي اليوم أعتقد سيكون في صالح الإصلاح والإخوان ومن معهم فقط. وعلى انك ككاتب ومحلل تآمل بسيطرة الإخوان في ظل انتخابات كهذه إلا أن تعاطفك هنا قد لا ينطلي على السياسي اليوم ولا يتفق وضبابية الرؤية في واقع اليمن. ثم ان اليمن كتاريخ وجغرافيا لا يشبه غيره أبدا لكي نتصور (ومن باب الترهيب!) بأنه سيكون أداة لإيران او تابع لها.

    الجمعة 26 أيلول 2014 8:37 م

  5. Alternate textخالد القحطاني

    اليمن مقبل على حرب أهليه والتقسيم لابد منه وفكره تقاسم النفوذ في اليمن بين ايران والسعوديه وتشبيهه بالوضع في لبنان غير واقعيه فالسعوديه تنظر لليمن على أنه بلد شقيق ولاتفضل جماعه على جماعه ويهمها أستقراره وتنميته بعكس أيران اللتي تنظر لليمن برؤيتها الطائفيه اللتي من خلالها تنفذ الى مفاصل الدوله بكاملها وصحيح أن الحوثيين سيطروا على اليمن بالقوه أو بالأصح أبتلعوها ولكن هل سيستطيعون هضمها هذا هو المستحيل بعينه حتى لو ساندتهم أيران

    الجمعة 26 أيلول 2014 8:44 م

  6. Alternate textأبو العز النجدي

    خاشقجي أحسنت، السياسة فن العمل بالممكن، وأهم شيء الآن أن لا نخسر اليمن بجبهة مضادة تدفعها إلى إيران، وأن لا نتهاون مع القاعدة بحجة أنها تفت عضد الحوثيين، العقل كل العقل هو ما سطرته أناملك بورك فيك

    الجمعة 26 أيلول 2014 8:47 م

  7. Alternate textبيس

    اعتقد ان السعودية ستعود الى حلفائها في الستينيات و تسابق ايران في تجيير انتصاراتها في المنطقة لصالحها و خاصة ان ايديولوجية الحوثي اقرب لتيارها الجديد المعتدل و المعادي للتطرف بل سيساعدها في حربها على المتطرفين الانتحاريين القادمين او العائدين اليها كما انها لن تتكلف في شراء الولاءات التي تلهث بعد المال و الجاة و لا تحقق استقرار ...

    الجمعة 26 أيلول 2014 9:02 م

  8. Alternate textسعد الحارثي

    كلام غير صحيح فالمملكه يجب ان تحارب الحوثي و الا انتقل اليها و حرب الحوثي سهله وتتم باليمنيين الذين يكرهونه و لا يجب علي السعوديه ان تخدع مرتين

    الجمعة 26 أيلول 2014 9:03 م

  9. Alternate textالهمام الرييعي

    للاسف الشديد نبهنا الى هذا وايعد منه قبل خمس سنوان ولكن الساسه في الخليج لم يكترثوا له المساله لن تتوقف عند هذا الحد او الى ماتفضلت به ولكن سيكون هناك ابعد مماتصوره الكاتب ونحن ننصح ااخليج بان يعيد حساباته عاى اسس اخرى غير ما اعتادها ﻻن القادم سيكون كارثي على المنطقه برمتها

    الجمعة 26 أيلول 2014 9:10 م

  10. Alternate textحسين الشيخ

    استاذ جمال تحليل دقيق وموضوعي واصبت فيه والقاده هنا في المملكة يعرفون ان اليمن عمقهم الأستراتيجي الحقيقي وسوف يعملون على مساعدة اليمن ليكون كذالك هوالحامي لهم فهم شعب واحد او اكثر الشعوب التصاقآ اسأل الله ان يجنب المملكة واليمن ويلات الحروب وان يحفظهم من كيد الحاقدين

    الجمعة 26 أيلول 2014 9:14 م

  11. Displaying results 1-10 (of 114)
      < 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10  > 
مقالاتالأكثر قراءة