|   

النسخة: الورقية - سعودي

تابعت مقالة رئيس تحرير صحيفة «الجزيرة» أستاذنا القدير خالد المالك، عن وضع الصحف والمؤسسات الصحافية، ومخاوفه الكبيرة من إمكان استمرارها، ومطالبته الدولة ممثلة في قيادتها العليا بالتدخل وإنقاذ الموقف، وكذلك تابعت ردود الفعل التي أعقبت المقالة، ولعل اهتمامي بهذه القضية يواكب ما سبق وأن طرحته عبر هذه الصحيفة «الحياة» في حوار موسَّع نشر قبل شهرين بضرورة تدخل وزير الثقافة والإعلام العاجل، والوقوف على أوضاع الصحف السعودية والحال الذي وصلت إليه. وفِي الوقت الذي أتفق فيه مع أستاذنا أبوبشار في ما ذهب إليه في مقالته وتوسُّعه في طرح المشكلة، إلا أني تمنيت عليه، وهو الخبير وأحد صناع المهنة وروادها، أموراً عدة، أكتفي بأمرين منها لظروف المساحة التي لا يمكن لي أن أحصل معها على ما هو متاح أمامه من مساحات مفتوحة:

أولاً: تمنيت لو أن تلك المقالة وبتلك المساحة لم تنشر في الصحيفة، بل وددت لو قدمت في ملف متكامل مدروس يقدم لولي العهد في اجتماع مرتب ومجدول، ترد تفاصيله لاحقاً، علماً بأن تحفظي على النشر لا يعود لأي أسرار أو محاذير تم إفشاؤها، فالقضية ملموسة وواضحة للجميع، ولكن عوامل التوقيت والمناخ العام في المنطقة (من دون إسهاب في التفاصيل) كانت تستدعي خصوصية القضية. ثانياً: تمنيت أن يكون ملفاً مهماً مثل هذا قد نال اهتماماً أكبر وأشمل من مجرد اختزاله في مقالة ومطالبة لا نختلف أبداً على صدقية مسبباتها ومحتواها وأهدافها، وأن يتحول إلى مشروع جماعي تتبناه هيئة الصحافيين السعوديين التي يترأس مجلس إدارتها الأستاذ خالد المالك، وتدعى فيه قيادات المؤسسات الصحافية من مديري عموم ورؤساء تحرير إلى جانب خبراء ومهتمين في صناعة الإعلام، وإخضاع القضية لعمل ممنهج عبر اجتماعات وورش عمل مختصة تمتد أياماً عدة، ينقل بعدها الملف لفريق عمل مختص، يخلص بعد وقت كافٍ من البحث والدراسة والاستقصاء إلى رؤية توافقية متكاملة من المؤسسات الصحافية، تلخص المشكلة ومسبباتها ومخاطرها، ثم ترفق معها الحلول الاستراتيجية المستدامة، ليس لما هو حاصل الآن فقط، بل ولما هو متوقع للمستقبلين القريب والبعيد.

فمجرد المطالبة بتدخل الدولة للدعم المالي فقط لحل القضية لم يعد أحد الحلول الاستراتيجية والخيارات المطروحة التي تتبعها خطط الحكومة لمعالجة مثل هذه الحالات في القطاعات التي تقع تحت إشراف الدولة المباشر، كشركات الكهرباء والمياه والخطوط السعودية وغيرها الكثير، بل وحتى قطاعات وزارة الثقافة والإعلام نفسها، فما بالكم والوضع يتعلق بمؤسسات صحافية يمتلكها القطاع الخاص بنسبة ١٠٠ في المئة.

صحيح أن دور الصحف والمؤسسات الصحافية مهم، بل ومطلوب كأحد أذرع الدول وأحد مصادر قوتها الناعمة، وقد سجل للصحافة السعودية عبر عقود من الزمن إلى اليوم حضورها القوي والمؤثر، إلا أنه في المقابل يجب أن تدرك المؤسسات الصحافية أن الزمن غير الزمن والفكر غير الفكر، بل والسعودية اليوم غيرها بالأمس؛ فالحكومة بأكملها منذ سنوات داخل ورشة عمل مفتوحة، تصل الليل بالنهار وأمامها قاطرة طويلة تفكك عرباتها الواحدة تلو الأخرى، وفق خطة زمنية تتلخص في تخلصها من العديد من القطاعات والخدمات ونقلها للقطاع الخاص، وهذا ما اعتادت الصحف على وضعه كـ«مانشتات» على صفحاتها الأولى، وبالتالي لا يمكن لها أن تعود للخلف وتزيد من أعبائها وتستقبل إخفاق القطاع الخاص وتتكفل بحل مشاكله، وإن تم هذا لمرة فلا يمكن أن يستمر مرات ونبقى أمام حلول مؤقتة وترحيل للمشكلة من فترة إلى أخرى. وليسمح لي أستاذنا القدير أن أشير إلى أن من مهمات هيئة الصحافيين السعوديين، بل ومن أولى مسؤولياتها، أن تكون جادة ومهنية (ولو لمرة واحدة)، وهي المؤسسة المعنية بكل شؤون الصحافة في المملكة، وأن تُمارس دورها ومسؤولياتها لبحث أخطر قضية تمر على الصحف السعودية منذ أن تحولت من صحافة أفراد إلى صحافة مؤسسات.

أعلم تماماً أن المشكلة في المؤسسات الصحافية الآن هي فعلاً مشكلة موارد مالية، وتمثل امتداداً لما يحدث في معظم صحف العالم، ولكنها ليست المشكلة الوحيدة، فالمؤسسات الصحافية أصبحت في حاجة ماسة إلى إعادة النظر في نظامها الأساسي المعتمد من مجلس الوزراء، بما فيه إلغاء نظام المؤسسات المغلقة على مجموعة من التجار الذين يسيطرون على مقدراتها ويورثونها لأبنائهم ثم يتخلون عنها عند الخسائر وتوقف الأرباح، والمطلوب بالتالي تحويلها لشركات مساهمة عامة وفق نظام جديد يحدد صلاحيات مجلس الإدارة ورئيس التحرير والمدير العام، ويحفظ حقوق الصحافيين والعاملين، وتنشأ عنها هيكلة إدارية ومالية شاملة.

لقد قصّرت وزارة الثقافة والإعلام كثيراً في هذا الجانب منذ سنوات طوال، ووصلنا لمرحلة أصبحنا نرى فيها المؤسسات الصحافية كـ«المدينة المحرمة» التي لا تمس ولا تقرب، لتتوارى داخل تلك المدينة قصص وحكايات وفساد تملأ صفحاتها بالحبر الأسود!

 

Khaliddarraj@

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة