|   

النسخة: الورقية - دولي

بلغت الأمم المتحدة عامها الواحد والسبعين هذا العام بعد أن أنشئت كمنظمة دولية ومنتدى للتعبير عن وجهات نظر الدول الأعضاء بها، الذين أصبح عددهم اليوم 193 دولة. والأمم المتحدة منظمة ذات طابع دولي فريد حُددت مهمتها وعملها بالأهداف والمقاصد الواردة في ميثاق تأسيسها. ونظراً إلى الصلاحيات المخولة في ميثاق المنظمة، والتفسيرات المتطورة له فإن بإمكان الأمم المتحدة العمل على قضايا تواجه الإنسانية في القرن الحالي، مثل قضايا السلم والأمن وتغير المناخ والتنمية المستدامة وحقوق الإنسان ونزع السلاح والإرهاب وحالات الطوارئ الصحية والإنسانية والمساواة بين الجنسين والحوكمة وإنتاج الغذاء وغيرها.

ويتركز أكثر من نصف أنشطة الأمم المتحدة في أفريقيا، كما حظيت القارة السمراء بالنصيب الأكبر من استخدام الباب السابع (الملزم) في الأمم المتحدة، وكانت الساحة الأوسع لفرض نظام العقوبات (بما في ذلك الاقتصادية)على دولها، على رغم أن 19 دولة من أصل 23 دولة فقيرة تقع في أفريقيا.

والملاحظ أن القارة الأفريقية كانت ولا تزال ذات النصيب الأكبر من العقوبات المفروضة من مجلس الأمن الدولي، ففي السنوات الخمس والأربعين الأولى، لم تصدر قرارات من مجلس الأمن الدولي في شأن العقوبات الاقتصادية إلا في حالتين أفريقيتين هما روديسيا (1966) وجنوب أفريقيا (1977). ومنذ انتهاء الحرب الباردة لجأ مجلس الأمن، بصورة متزايدة، إلى العقوبات الاقتصادية الجماعية، فقد فرضت عقوبات على العراق وعلى يوغوسلافيا السابقة وهايتي والصومال وليبيا وليبيريا وأنغولا ورواندا والسودان. وأصبحت التدابير القسرية مفضلة كبديل للتدخل العسكري.

وفي السنوات الأخيرة أصبحت العقوبات، خصوصاً العقوبات التجارية الشاملة، تثير قلق المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية، بسبب ما يترتب عليها من آثار إنسانية، ذلك أن العقوبات قد لا تؤثر سلباً في الأوضاع الإنسانية لسكان الدولة المستهدفة فحسب، وإنما قد تؤثر أيضاً في تقديم المساعدة الإنسانية.

وهناك حدود فرضها القانون الدولي (مستمدة من القانون الدولي الإنساني) لتطبيق عقوبات في أوقات النزاع المسلح، عادة لا تتم مراعاتها أو تفسيرها بصورة ضيقة، أهمها:

1- حظر تجويع السكان المدنيين.

2- الحق في المساعدة الإنسانية.

3- إمدادات الإغاثة في حالات الحصار البحري.

4- إمدادات الإغاثة للأراضي المحتلة.

أما الحــــدود التي يفرضها القانون الدولي في زمــن السلم (مستمدة من قانون حقوق الإنسان) فأهمها الحق في الحياة الذي يقوم بعضهم أيضاً بتفسيره تفسيراً ضيقاً مع أنه يشمل جميع الحقوق الواردة في العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والسياسية، مثـل الحـــق في الغذاء والحق في التحرر من الجوع (وهما يفرضان التزاماً على الدول بتقـــديم المواد الغذائية للمحتاجين). وكذلك «الحـق الجماعي في الحياة» الذي يحظر التجـــويع عمداً لأي جماعة قومية أو عرقية أو عنصـــرية أو دينية إذا ارتُكب بقصد تدمير هذه الجماعة، وهو ما يرد في تعريف إبـــادة الجنـــس. وينطبق حظر إبادة الجنس في وقت السلم وفي زمن الحرب على السواء.

الجدير بالإشارة أن هناك شروطاً لفرض العقـــوبات، واردة في المادة 39 من ميثاق الأمم المتحـــدة، أهمها وجود تهديد أو خرق للسلام أو عمل من أعمال العدوان أو أن يكــون الهدف من العقوبات هو الحفاظ على السلم والأمن الدوليين أو إعادتهما. وهذه الشروط ليست كافية لضمان فلسفة الحكمة وراء العقــوبات، وهي وجود خطأ دولي تهدف العقوبات إلى علاجه، ما يستلزم بالضرورة أن تكون هذه العقوبات «مشروعة»، وذلك بالنظر إلى آثارها على سكان الدولة المستهدفة من زاوية القانون الدولي والاعتبارات الإنسانية.

بنـــاء على ذلك يتضح وجود مساحة كبيرة لـــدور «العوامل السياسية» المتصلة بالقرار الأصلي لفـــرض نظــام للعقوبات ومدى فعاليته المحتملة، وهذه العوامل يدخل في إطارها أنظمة العقـــوبات التي تسعى الدول الغربية إلى تسييسها لتغيــــير سلـــوك الدولة المستهدفــــة (واحتمال زعزعة الاستقـــرار). فللعـــقوبات أغراض رمزية، وهي مسألة أخلاقية أساساً تتعلق بتحديد الجهة التي يحق لها فرض العقوبات والتأثير في قدرة الآخرين.

من ناحية أخرى، تعد العقوبات من الناحية السياسية أداة مهمة للديبلوماسية الدولية، بحيث تسمح للمجتمع الدولي بأن يظهر عدم موافقته على أنماط معينة من السلوك -كالسلوك الإسرائيلي مثلاً أو سلوك الدول المعتدية بصفة عامة أو الدول المساندة للإرهاب - وتصميمه على التصدي لها.

إن الوضع الحالي للعقوبات يجعل موقف الدول الأفريقية ضعيفاً، فمن الضروري تأكيد مبدأ عدم التضحية بحقوق المدنيين والسكان الضعفاء ورفاهيتهم لأن حكومتهم في نزاع مع دول قوية أو مؤسسات متعددة الأطراف، ومراعاة صوغ أي قرار بفرض عقوبات بلغة واضحة تحدد السلوك المتوقع من الدولة المستهدفة والتغير في السلوك الذي يؤدي إلى رفع العقوبات، وهذه مسألة مهمة لأن العقوبات الممتدة تحمل في طياتها احتمالاً قوياً بإحداث أضرار طويلة الأجل للمجتمع مع أهمية الابتعاد عن العقوبات الشاملة والاتجاه نحو العقوبات «الذكية» التي تستهدف أفراداً بعينهم (القادة السياسيين أو العسكريين)، أو سلعاً معينة (الأسلحة) أو خدمات (تجميد الأصول).

كما أنه من الضروري استفادة الشعوب من العقوبات المفروضة على مسؤوليها باستكمال هياكل وولايات لجان العقوبات لتشمل آليات متكاملة للتعامل مع العقوبات بإنشاء آلية لتقديم التعويضات للضحايا. فالملاحظ مثلاً أن بعض لجان العقوبات تمتلك صناديق يتم تحويل الأرصدة المجمدة والمصادرة للأفراد أو الكيانات المعنيين بالعقوبات إليها، وأخرى تفتقد تلك الآلية، مثل وجود صندوق تنمية العراق في لجنة عقوبات العراق التي تشكلت بمقتضى القرار 1518 عام 2003، في حين لا يوجد نظير له في لجنة القرار 1533 التي نشأت بمقتضى القرار 1533 لعام 2004 المعنية بمتابعة نظام العقوبات الخاص بالكونغو الديموقراطية على رغم الحاجة الملحة لتلك الأخيرة إلى التنمية.

 

عبير بسيوني رضوان

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available