|   

النسخة: الورقية - دولي

كثيراً ما نسمع عبارة «لعنة النفط»، في إشارة إلى ما قد يسببه امتلاك دولة لثروة نفطية من أطماع دول أجنبية بالسيطرة عليها سياسياً أو اقتصادياً أو حتى عسكرياً، بهدف نهب تلك الثروة. اللعنة التي لازمت سورية خلال نصف القرن الماضي هي من نوع آخر أسمها «لعنة الجولان».

تقع هضبة الجولان جنوب غربي سورية ومساحتها تقارب 2000 كيلومتر مربع (طول 74 كلم وعرض 27 كلم) أعلى ارتفاع فيها حوالى 2800 متر عن سطح البحر وتبعد عن دمشق حوالى 50 كلم. يحدها من الشمال جبل الشيخ (حرمون)، المنبع الرئيسي للمياه في المنطقة، ومن الغرب الجليل وبحيرة طبريا، ومن الجنوب الأردن. تحوي الهضبة على بحيرات صغيرة، مثل مسعدة والحولة وغيرهما، وتشرف على بحيرة طبريا كما ذكرنا، كما تعتبر خزاناً هائلاً لمياه الشرب والري كونها تشرف على نهر الأردن (250 كلم) الذي يخرج من طبريا ويصب في البحر الميت وترفده العديد من الأنهار الصغيرة مثل الحاصباني اللبناني وبانياس السوري واليرموك والزرقاء الأردنيين وغيرها.

من المعروف أن الحروب والنزاعات عبر التاريخ لم تكن فقط على الثروات المعدنية والنفطية، بل كانت أيضاً على المياه شريان الحياة. وبما أن الجولان يعتبر خزاناً عملاقاً للمياه، فليس من المستغرب أن تسارع الدول القوية في المنطقة إلى السيطرة عليه. وإضافة إلى موضوع المياه، وهو الأهم في هذا السياق، فإن طبيعة أرضه البركانية تجعله أرضاً فائقة الخصوبة للزراعة. وكونه هضبة شديدة الارتفاع يجعله سوراً طبيعياً أمام أي اعتداء خارجي. كل هذه الميزات جعلت الجولان هدفاً لأطماع الدول الأجنبية. حين قامت دولة إسرائيل عام 1948، لم تكن لديها مصادر طبيعية تذكر لمياه الشرب، وكانت مضطرة لحفر الآبار أو لتحلية مياه البحر المتوسط، حيث الأولى غير كافية والثانية عالية الكلفة، فكان لا بد من إيجاد مصدر دائم و «مجاني» لتلك المياه، وبطبيعة الحال كان الجولان هو الحل الأمثل لمشكلتها.

وحين وضعت اتفاقية سايكس - بيكو البريطانية - الفرنسية عام 1916، كان الهدف البعيد منها إقامة دولتين توأمين جارتين في المنطقة تدعمان بعضهما بعضاً، علناً أو بالسر، وتحكمهما فئتان بينهما العديد من القواسم المشتركة، أهمها شعورهما بالاضطهاد التاريخي والكراهية ومطالبتهما بوطن قومي يحميهما: اليهود والعلويون. قامت إنكلترا من خلال احتلالها لفلسطين عام 1920 بتأمين دولة إسرائيل عبر «وعد بلفور» عام 1917 الذي تم التصريح به رسمياً وأصبح سياسة دولة، في حين قامت فرنسا بتأمين الدولة العلوية باحتلالها سورية عام 1920 لكنها لم تصرح بذلك بل عملت على تنفيذه سراً. وتمت الإشارة إلى هذا الوعد بصورة غير مباشرة في مناسبات عدة، آخرها المشادة الكلامية في الأمم المتحدة بين سفير النظام السوري والسفير الفرنسي عام 2012 حين لوح الفرنسي للسوري بالوثيقة التي اشتهرت باسم «الوثيقة العلوية» والعائدة إلى عام 1936، ويطالب فيها العلويون فرنسا بوطن قومي لهم في الساحل السوري، إسوة بمنح فلسطين لليهود، وهي الوثيقة التي حملت تواقيع وجهاء الطائفة بمن فيهم الأسد الجد. ومن مجريات الأحداث في ما بعد، طلبت فرنسا حينها من العلويين الانتظار ووعدتهم بكامل سورية بدلاً من الساحل فقط، فيكون لدولتهم اتصال بري مع الدولة العبرية. وهذا ما تبلور بعد الانقلاب العسكري الذي حصل في سورية عام 1963 وأتى بحزب البعث (الذي وضع ميشال عفلق أسسه في فرنسا في الثلاثينات وأعلن عنه رسمياً في دمشق عام 1947) وهو الحزب الذي كان بمثابة حصان طروادة الذي أدخل العلويين إلى الحكم في ما بعد وما زالوا فيه حتى اليوم.

كان حافظ الأسد وزيراً للدفاع عام 1967 حين قامت إسرائيل بشن حرب حزيران (يونيو)، واحتلت سيناء المصرية والضفة الغربية والقدس خلال الأيام الأولى، ليقوم الأسد بإصدار الأوامر للجيش السوري بالانسحاب الكيفي من الجولان ومن دون أي مقاومة، على رغم اعتراض العديد من قادة الألوية العسكرية وإعلان قدرتهم على الدفاع، خصوصاً أن تضاريس الجولان وحدها كافية لمنع الإسرائيليين من احتلالها. لم يعد هناك داع لتفسير ما حدث حينها. إذاً كان الجولان ومياهه الثمن الذي أوصل الأسد إلى السلطة وإقامته للدولة العلوية تنفيذاً للبنود السرية من اتفاقية سايكس - بيكو السيئة الصيت. وقد تم السماح له عام 1973 بالاشتراك في حرب تشرين المسرحية كبراءة ذمة.

ما أن انطلقت ثورات الربيع العربي في نهاية عام 2010 حتى لحقت بها سورية، حيث ظن الشعب السوري أن إسقاط نظام الأسد الابن لن يكون أصعب من إسقاط نظام القذافي وعلي عبدالله صالح. لكن ما لم ينتبه له كثيرون كان خصوصية هذا النظام واختلافه الجوهري عن بقية الأنظمة العربية كونه الضامن لبقاء خزان المياه (الجولان) مع إسرائيل، وهذا هو مختصر سبب صمود النظام بعد ست سنوات من انطلاق الثورة التي وصلت في مرحلة من مراحلها إلى أبواب دمشق والساحل، وهذا أيضاً ما حاول النظام على لسان رامي مخلوف تحذير الشعب السوري منه في بداية الثورة وإفهامه بأنه لا يحارب النظام ولكن النظام العالمي. وكون إسرائيل وحلفاؤها في الغرب لا يستطيعون لأسباب سياسية التدخل مباشرة لدعم هذا النظام، ولوجود تقاطع المصالح، فقد تم السماح لحليفيه، الإيراني أولاً ثم الروسي لاحقاً، بالتدخل العسكري لإنقاذه، كما سمحوا له ولحليفيه هذين بل وساعدوهم على خلق «داعش» وإدخال «القاعدة» إلى أرض المعركة لإضفاء صورة الحرب الأهلية والصراع الطائفي على الثورة للقضاء عليها، من جهة، ولتبييض صفحة النظام من جهة ثانية، ليتظاهروا بدورهم بتصديقه بأنه يحارب الإرهاب وأنه على مساوئه، أفضل من تلك التنظيمات التي ما زال الكثير يسأل كيف وصلت ومن أوصلها إلى سورية؟

إذاً هي لعنة حلت على الشعب السوري، يمكن أن نسميها «لعنة سايكس - بيكو» أو «لعنة إسرائيل»، لكن جوهرها يكمن في مياه الجولان الذي تحتاجه دولة عطشى سبق ودخلت النادي النووي منذ الستينات وتحظى بدعم العالمين الشرقي والغربي معاً، ومن هنا يمكن أن نفهم أن شعار «الأسد أو نحرق البلد» إنما هو شعار صادر عن النظام الدولي واقتصر دور النظام السوري فيه على إعطاء الأمر بكتابته على الجدران ليس إلا.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة