|   

النسخة: الورقية - دولي

فرنسا مشغولة هذه الأيام بالانتخابات الأولية لرئاسة الجمهورية، والانتخابات تأتي في ظل ضغوط ثلاثة أحداث خطيرة هزت أوروبا:

أولها: انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، في وقت يعاني الاتحاد مشاكل اقتصادية واجتماعية، وثانيها: ردود الفعل على الإرهاب الداعشي الذي اقتحم فرنسا أولاً ثم تابع إلى الدول الأوروبية، وبدأ في فرنسا بمجزرة في شوارع باريس عام 2015 راح ضحيتها أكثر من مئتي شخص، ثم لحقتها مجزرة الشاحنة في مدينة نيس الجنوبية، ولاحقاً اقتحام رجال من داعش كنيسة في النورماندي أثناء إقامة قداس وذبح الكاهن أمام المصلين. وثالث الأحداث انتخاب دونالد ترامب رئيساً لأميركا ببرنامج معادٍ للحلف الأطلسي ومعادٍ للوحدة الأوروبية ومتقرب من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

كل ذلك جعل الانتخابات الأولية الفرنسية تجرى في أجواء مشحونة تظهر فيها مقاييس اختيار جديدة ومختلفة عن تلك التي كانت معتمدة في الماضي في الجمهورية الخامسة.

وفي الانتخابات الأولية للحزب الجمهوري اليميني، ترشح سبعة، فسقط في الدورة الأولى الرئيس السابق نيكولا ساركوزي الذي تصاعدت روائح الفساد منه في شكل فاضح، فانحصرت الدورة الثانية بين فرنسوا فيون وآلان جوبيه وهما رئيسا حكومة سابقان (عهد نيكولا ساركوزي وعهد جاك شيراك). وفي حين أن الاستطلاعات كانت تشير إلى تقدم جوبيه (وهو ديغولي وعلماني)، قفز فيون فجأة إلى الصفوف الأمامية، وفاز في الدورة الثانية. وبين الدورتين عقد الرئيس الروسي مؤتمراً صحافياً أعلن فيه تأييده لفرنسوا فيون بناءً على برنامجه السياسي الذي يدعو إلى التعاون مع روسيا في أوروبا، وفي سورية، ويدعو إلى إعادة العلاقات الديبلوماسية الفرنسية مع نظام بشار الأسد.

وعلى رغم أن فرنسوا فيون يعلن أنه ديغولي فإن برنامجه مسكوب على التطرف اليميني الذي يريد فيه أن يقوى على مارين لوبن اليمينية المتطرفة والتي تقدر الاستطلاعات شعبيتها بـ 30 في المئة.

ولأن فرنسوا فيون ليس الرجل المناسب في المكان المناسب لانتخابات الرئاسة، أخذت المؤشرات تدلّ على تراجع شعبيته، الأمر الذي أخذ ينبئ بأمرين: الأول تقدم مارين لوبن للفوز في الدورة الثانية من الانتخابات، والثاني تقدم المرشح الخارج من الحزب الاشتراكي ومن وزارة الاقتصاد إيمانويل ماكرون إلى الصفوف الأولى، علماً أنه أعلن برنامجاً فيه من أفكار اليمين كما فيه من أفكار اليسار، أي أن برنامجه مختلط ووسطي.

وفجأة انفجرت في وجه فيون قنبلة حارقة! فقد نشرت الصحيفة الأسبوعية «لوكانار أنشينيه» تحقيقاً موثقاً يفضح قضية عمل بينيلوب فيون مستشارة برلمانية لزوجها، وتقاضت خلال عشر سنوات نحو نصف مليون يورو، من غير أن يشاهدها أحد في البرلمان ولا في رئاسة الوزارة ولا في الوزارة تمارس عمل المستشارة لزوجها، مما يعني أن عقدها وهمي وخيالي. وعلى رغم اعتذار فيون عن تشغيل زوجته وابنته ماري وابنه شارل في إطار عمله السياسي الرسمي، فإنه تلقى بلا شك ضربة موجعة تضعف حظوظه كثيراً في السباق الرئاسي.

أما الانتخابات الأولية للحزب الاشتراكي فسبقتها ورافقتها وقائع وأحداث ومؤشرات، منها أنّ حزب اليمين الجمهوري يواجه مرشحة يمينية واحدة من خارج صفوفه هي بقوته وأقوى ربما، فيما الحزب الاشتراكي يواجه مرشحين اشتراكيين من خارج صفوفه، أو خارجين عن الطاعة، هما إيمانويل ماكرون الوزير الذي ترك الوزارة قبل أشهر وكان الابن المدلل لرئيس الجمهورية فرنسوا هولاند، وجان لوك ميلونشون الذي خرج من الحزب قبل سنوات ويطرح أفكاراً أكثر يسارية من أفكار مرشح الحزب بونوا هامون.

المؤشر الثاني أن ناخبي الانتخابات الأولية للحزب الاشتراكي هم في أحسن الأحوال أقل من نصف ناخبي حزب اليمين الجمهوري. فقد صوّت في انتخابات الأخير أكثر من أربعة ملايين ناخب، بينما لم يتعدَّ عدد الناخبين في انتخابات الاشتراكي المليون وثمنمئة ألف ناخب.

ولا بد من الإشارة إلى أن رئيس الجمهورية فرنسوا هولاند أظهر في شكل واضح ترفعه عن دعم الاشتراكيين بعدما أدرك أنهم ذاهبون للتخلي عنه فاختار الانسحاب من المعركة والتنازل عن خوض انتخابات للرئاسة. وبادل الاشتراكيين بلا مبالاة بمعركتهم حين عبّروا عن انعدام تأييدهم له.

ومعلوم أن بونوا هامون المسالم والمتسامح، تفوق على رئيس الوزراء السابق مانويل فالس في الانتخابات الأولية للحزب الاشتراكي. بيد أن الاشتراكيين الذين صوتوا لهامون لم يكونوا يصوتون لمرشح يخوض الانتخابات الرئاسية بل لنجم اشتراكي يحمل أفكاراً وأحلاماً جميلة لكن لا مكان لها في السوق الانتخابية الرئاسية.

مهما يكن من أمر، سيكون التنافس في الدورة الثانية بين مارين لوبن وإيمانويل ماكرون وفرنسوا فيون، أي بين مرشحة القومية المتطرفة، والوسط الليبرالي، ومرشح «الفضيلة». والواقع أن كل الأوراق باتت مخلوطة بعد فضيحة فيون، وينبغي متابعة الرصد لمعرفة أي اتجاه سيسلك الناخب الفرنسي في الأشهر المقبلة.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available